شرح العقيدة التدمرية 12

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 12، ألقاها

مفهوم اتفاق المسميات بين الخالق والمخلوق

يشرح المقطع مفهوم اتفاق المسميات في بعض الأسماء والصفات بين الخالق والمخلوق، ويبين أن هذا الاتفاق لا يعني التماثل بينهما. يستشهد بآيات قرآنية وأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية لتوضيح أن الصفات المضافة إلى الله تعالى تختلف عن تلك المضافة إلى المخلوق بسبب اختلاف ماهية كل منهما.

الرد على من يزعم التركيب الممتنع لإثبات الصفات

يشرح المقطع رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من يزعم أن إثبات الصفات لله تعالى يستلزم التركيب الممتنع، ويبين أن العبرة بالحقائق وليس بالأسماء. يشدد على أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.

نفي الصفات الإلهية وتناقضاته

شيخ الإسلام ابن تيمية يرد على من ينفي الصفات الإلهية ويقول إن نفي الصفات يؤدي إلى التناقض ووحدة الوجود. يبين أن إثبات الصفات لا يلزم منه التركيب، بل هو توحيد. يناقش أيضًا معاني بعض المصطلحات مثل العقل والعشق واللذة.

شرح معاني الكلمات ودعاء التسبيح

يفسر المقطع معنى كلمتي والذيذ والملتذ، ثم يذكر دعاء يتضمن التسبيح والاستغفار. الدعاء يعبر عن تعظيم الله والاعتراف بالذنب والرغبة في التوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو لا يزال في صدد الرد على هؤلاء الباطنية: قال وقيل له -أي وقيل لهؤلاء أو لهذا المعطل من الباطنية- قيل له: اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه، هو التمثيل الذي ينفته الأدلة السمعيات والعقليات. وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق أو يشركه مخلوق في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى. يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقيل له أيضا: اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل التي نفته الأدلة السمعيات والعقليات. السمعيات كما في قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، لم يكن له كفان أحد، فلا تضربوا لله الأمثال، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وما شابه ذلك. والعقليات كذلك، ما مر معنا في المقدمة: وهي أن الاتفاق في الاسم بين الخالق والمخلوق لا يلزم منه التماثل، لا يلزم منه التماثل، إذ أن الاتفاق لا يكون إلا في الذهن، والذهن لا يتصور الأشياء إلا مطلقة غير مقيدة. وأما خارج الذهن، فإن تكون مقيدة مختصة بكل من أضيفت إليه، فإذا أضيفت تلك الصفات إلى الله جل وعلا كانت لائقة به سبحانه وتعالى بجلاله وعظمته. وما كانت مضافة إلى المخلوق فيلائق بالمخلوق بضعفه ونقصه، وفي ضعفه ونقصه وإمكانه، ووجوده بعد أن لم يكن موجودا. لذا قال الشيخ الإسلام رحمه الله: وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، فالأدلة المذكورة -سواء كانت العقلية أو السمعية- دلت على انتفاء أن يماثل المخلوق الخالق فيما يختص به الخالق أو العكس. هذا هو الممتنع، أن يتصف أن تكون الصفة في الخالق مثل الصفة في المخلوق، هذا ممتنع عقلا ونقلا. أما النقل فكما سمعتم، وأما العقل أيضا كما سمعتم؛ لأن المضاف، لأن الصفة إذا أضيفت إلى الخالق جل وعلا كانت لائقة به، وإذا أضيفت إلى المخلوق كانت لائقة به. ونضرب مثالا بالحياة: حياة الإنسان وحياة الله جل وعلا، حياة الخالق جل وعلا وحياة المخلوق، هل الإسم كالإسم؟ الحياة للخالق، الحياة للمخلوق، الإسم عند التجرد هو الإسم أم لا؟ من حيث الإطلاق، الحياة قبل التقييد والإضافة، الحياة معلومة. لكن عند الإضافة والتخصيص، هل حياة الله جل وعلا مثل حياة المخلوق؟ الجواب: ولا شك ولا ريب عقلا ونقلا، نقلا لقول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، إلى غيرها من الأدلة الدالة على هذا المعنى في هذا الباب. وأما عقلا، فإن الخالق جل وعلا حياته أبدية، وحياته كذلك أزلية أبدية، بخلاف حياة المخلوق؛ فإنه وجد بعد ما؟ بعد أن لم يكن. الله جل وعلا حياته واجبة، لم تسبق بعدم، ولا يلحقها فناء. وحياة المخلوق ممكنة، سبقت بعدم، ولحقها ما؟ ولحقها فناء، كما قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. إذن الحياة ليست مثل الحياة، الحياة المضافة إلى الله كاملة من كل وجه، والحياة المضافة إلى المخلوق ناقصة، لائقة بنقص ذلك المخلوق وضعفه. والصفات التي قامت بالحي ليست كالصفات التي قامت بالحي، بمعنى أن من كانت حياته كاملة كانت صفاته كاملة، ومن كانت حياته ناقصة كانت صفاته ناقصة. الله جل وعلا حياته كاملة، بقيت كذلك جميع صفاته كاملة، لكمال حياته. المخلوق حياته ناقصة، صفاته كذلك ناقصة. لذا نضرب مثالا آخر بصفة العلم، الله جل وعلا علمه أزلي أبدي، لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، لكمال حياته سبحانه وتعالى. نظرنا إذا نظرنا في علم المخلوق، يسبق بجهل، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، فالله عز وجل خلق الإنسان، وكان أول ما خلقه لا يعلم شيئا، ثم جعل له السمع والابصار والافئدة، فهذا يدلنا على أن علم الإنسان قاصر، حدث بعد أن لم يكن، كما أن حياته حدثت بعد أن لم تكن، بخلاف علم الله جل وعلا، كذلك يلحقه نسيان، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم عن آدم عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نسي آدم فنسيت ذريته». فالإنسان علمهم يدركه النسيان، يحصل له النسيان، بخلاف علم الله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، فعلم الله جل وعلا كامل من جميع الوجوه، وعلم المخلوق ناقص، لنقص المخلوق. فإذا الصفة المضافة إلى من أضيفت إليه تكون بحسب من أضيفت إليه، فإذا أضيفت إلى الخالق جل وعلا كانت لائقة بالخالق، وإذا أضيفت إلى المخلوق كانت لائقة بذلك المخلوق. إذا قال الشيخ الإسلام رحمه الله: وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، من الصفات. إذا قال: بما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه، كما سمعتم: الخالق سبحانه وتعالى وجوده واجب، هل المخلوق يشارك الخالق بهذا المعنى؟ فيكون وجود المخلوق واجب؟ الجواب: لا، وجود المخلوق ممكن، كان بعد أن لم يكن. قال رحمه الله تعالى: أو جوازه. كذلك الله جل وعلا سبحانه وتعالى خلق الإنسان، فالله جل وعلا خالق، يخلق ما يشاء، هل المخلوق يشارك الله جل وعلا بهذا المعنى؟ بمعنى ما يقدر عليه الله جل وعلا، هل المخلوق يخلق؟ الجواب: لا، لا يخلق. أيضا فيما يمتنع على الله، فيما يمتنع على الله جل وعلا: الله جل وعلا يمتنع في حقه كل صفة نقص، فلا يقدر أو يمتنع في حق الله جل وعلا أن يكون كل صفة نقص: الجاهل والعجز، إلى غير ذلك من هذه المعاني. وهل هذه الصفات ممتنعة في حق المخلوق؟ ليست ممتنعة، إذن كما ذكر الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إنما دلت النصوص على أن الخالق لا يماثل المخلوق فيما اختص به الخالق من وجوبه وجوازه وامتناعه. لا نضرب مثالا آخر لصورة أخرى أيضا تبين هذا المعنى، نضرب مثالا في الحياة، حياة المخلوق وحياة الخالق جل وعلا، حياة الخالق واجبة، وحياة المخلوق غير واجبة، فهل الحياة كالحياة؟ الجواب: لا، حياة المخلوق ممكنة، وحياة الخالق واجبة، هل شارك المخلوق الخالق في الإمكان؟ الجواب: لا، لأن حياة المخلوق ممكنة، أما حياة الخالق واجبة. المخلوق حياته ممكنة، فيمكن حياته وتكون حياة وموت، والموت في حق المخلوق جائز، أو ممتنع؟ جائز، في حق الله ممتنع. فالحاصل إذا وصلنا إلى هذا الباب من جميع الجهات، فالخالق جل وعلا يمتاز عن المخلوق بهذه الأمور المذكورة: باعتبار الوجوب، وباعتبار الجواز، وباعتبار الامتناع، فالمخلوق لا يشارك الخالق لا في وجوبه ولا في جوازه ولا في امتناعه. قال رحمه الله تعالى: فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق -أي في هذه الأمور المذكورة-، قال: ولا يشرك مخلوق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى -أي ولا يشرك مخلوق في شيء مما اختص به الخالق جل وعلا-، فكل ما اختص به الخالق فإن المخلوق لا يشاركه فيه، ولا يتأتى التمثيل في هذا لا من قريب ولا من بعيد. وإذا علم هذا، علم أن ما أثبتته النصوص من الصفات التي وصف الله جل وعلا بها نفسه لا تدل على المماثلة لا من قريب ولا من بعيد. ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأما ما نفيته، فهو ثابت بالشرع والعقل. وأما ما نفيته -سواء ما نفاه من اجتماع النقيضين أو قل من ارتفاع النقيضين أو من عدم إثبات الصفات- قال: فهو ثابت بالشرع والعقل، أي: اتصاف الله جل وعلا بصفات الكمال التي دل عليها النقل، وكذلك وافقه العقل. قال: وتسميته كذلك تشبيها وتجسيما -تمويها على الجهال-، لا يقول شيخ الإسلام: أن ما أثبتته النصوص من الصفات هي ثابتة، دل عليها العقل ودل عليها كذلك النقل، فكونك تسمي من أثبتها على الوجه الذي لا يقبل الله جل وعلا مجسما أو تسميه مشبها، فإن هذا لا يذهب تلك الحقائق، ولا يغيرها؛ لماذا؟ لأنها حقائق ثابتة. لذا قال: وتسميتك ذلك تشبيها وتجسيما، تمويها على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماهم مسمين بهذا الاسم يجب نفيه. وهذا تنبيه من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن العبرة بالحقائق، وليس العبرة بالأسماء، العبرة بالحقائق. انظر إلى ما نفاه هؤلاء أو ما أطلق عليها أولئك من الأسماء الضخمة المنفرة، هل هذا الاسم يصح على ذلك المسمى أم أنه باطل وتنفير وصد عن الحق وعن الصراط المستقيم؟ فالحاصل: أنه ينبغي للإنسان أن يتفحص هذه الألفاظ، أن يتفحص الألفاظ وينظر فيها قبل أن يصدر منه حكم في شيء من ذلك. قال رحمه الله تعالى: ولو ساغ هذا -أي لو ساغ المذكور- أن كل من سمى شيئا من الحق بشيء من الباطل، لما ترك ذلك الحق لأجل تسمية ذلك الملحد بالباطل. قال: لو ساغ هذا، لكان كل معطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، يقدر أن يقال: ينفر عنها بعض الناس، أو يقال: كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، يقدر هذا ويقدر هذا. قال: ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل، أي: لو ساغ هذا، لو فتح هذا المجال، لقال كل إنسان قولا ينفر الناس عن الحق، ولوجد له أتباع. ولكن العبرة بالحق والمسميات، ولكن العبرة بالحق والمسميات. ما عندكم معطل، لو قلت: معطل، طيب. ولو ساغ هذا، لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. قال: وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة. الحاصل: كما ذكر رحمه الله تعالى: أن العبرة بالحقائق التي دلت عليها النصوص الشرعية، ودل عليها كذلك العقل، وليست العبرة بمن يصد عن الحق بهذه الألفاظ الشنيعة: تارة مجسما، وتارة حشويا، وتارة مشبها، وما شابه ذلك. قال رحمه الله تعالى: وإن قال نفات الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. يقولون هؤلاء -كما مر معنا فيما مضى في المقدمة- يقولون: إن إثبات الصفات -إثبات العلم لله والقدرة والإرادة- يستلزم تعدد الصفات، قالوا: هذا تركيب ممتنع، يلزم منه التركيب. والتركيب يذكره العلماء: له صور كثيرة، وحاصل هذا: أن حقيقة التركيب عندهم: افتقار الأجزاء بعضها إلى بعض. فيقول: إذا قيل بأن الله جل وعلا متصف بهذه الصفات، لنزم أن يكون مركبا من هذه الصفات. ومعنى هذا: أن كل صفة مفتقرة إلى الصفة الأخرى. وهذا المعنى لا يجوز في حق الله جل وعلا؛ لأنه الخالق الذي لا يفتقر إلى شيء، إذ أنه الخالق الذي لا يفتقر إلى شيء. وكما ذكر: أن التركيب عند هؤلاء: ذكروا أن له خمس صور. ولا نريد أن نذكرها حتى لا نشوش عليكم، حسبنا أن تعلموا ما سمعتم: أنهم قالوا: إنه يلزم من تعدد الصفات التركيب، يلزم من تعدد الصفات التركيب؛ لأن المركب ما كان مركبا من أجزاء، وهذه الأجزاء ينقص بنقصها، ويقوم بكمالها. فإذا كان الله جل وعلا كذلك، لنذم أن لا يكمل إلا بهذه الصفات، وهذا ممتنع في حق الله جل وعا؛ لأنه الغني، لأنه واجب الوجود كما يعبرون عنه بذلك، فلو كان مفتقرا إلى غيره، لذم أن لا يكون واجب الوجود؛ لأنه سيكون مفتقرا إلى غيره. قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ردا على هؤلاء: قيل: وإذا قلتم -الآن يرد عليهم-، وهذا كما ترون: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرد على هؤلاء أولا بجواب جدلي: بجواب جدلي يقرهم، قل: هذا الأمر على ما قلتم. واضح يا جماعة: أن تعدد الصفات يلزم منه التركيب، واضح يا جماعة. يقول الشيخ الإسلام: وإذا قلتم: هو موجود، واجب، وعقل، وعاقل، ومعقول، وعاشق، ومعشوق، ولذيد، وملتذ، ولذة -وهذه من أقوال الفلاسفة من أقوال الفلاسفة يصفون بها رب العالمين جل وعلا-، فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هذه الأشياء وهذه الصفات التي أنتم تثبتونها لله جل وعلا، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ واضح يا جماعة: أليس هو المفهوم؟ أليس المفهوم من هذه الأشياء: عقل وعاقل ومعقول، عاشق ومعشوق، لذيذ وملتذ ولذة، أليس من هذا تعدد الصفات كما قلتم في إثبات السمع والبصر والعلم: أنها تعدد الصفات؟ فيقول الشيخ الإسلام: أليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ أي: تعدد الصفات، ويستلزم منه التركيب الممتنع عندكم، أم لا؟ فيقول الشيخ الإسلام: فهذه معاني متعددة متغيرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وهذا تركيب عندكم؛ لأنها معاني متعددة، كما أنكم قلتم في الصفات: أنها معاني متعددة. وإذا كانت معاني متعددة، فيلزم منها التركيب. فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله: معاني متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم. وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدا. إذن ما هي القاعدة؟ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، إما أن تثبت الجميع، وإما أن تنفي الجميع. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإن قيل: هذا توحيد في الحقيقة، وليس هذا تركيبا ممتنعا، قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس هو تركيبا ممتنعا. القول كالقول، القول في بعض الصفات كالقول في بعضها. فكيف الآن؟ كأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: كيف كما أنكم جعلتم تلك الصفات -العقل العاقل المعقول- لغيرها، جعلتم هذه الصفات صفات لائقة بالخالق جل وعلا، لا يستلزم منها التركيب، بل هي توحيد، فيقال لهم كذلك: هذه الصفات -السمع البصر العلم الحياة- هذه الصفات لائقة بالخالق جل وعلا، لا يستلزم منها التركيب، بل هي توحيد. قال: وذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول: أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو معنى كونه قادرا. واضح هذا، وهذا تقدم معنى قد تقدم في الرد على المعتزلة، الذين قالوا: إن الصفة هي الصفة الأخرى، السمع هو البصر، والبصر هو العلم، إلى غير ذلك. تقدم معنا. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: وذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول: أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو معنى كونه قادرا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا. فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى -أي من جوز أن تكون الصفة هي الأخرى-، هي القدرة، والقدرة هي الحياة، والحياة هي مثل كبرياء، إلى غير ذلك. يقول: فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف، وأن تكون الصفة هي الموصوف -صفة الخالق هي الخالق، صفة الزيد هي هو زيد-، يقول: فمن جوز ذلك، فهو من أعظم الناس سفسطة -والسفسطة: التمويه، معناه التمويه والمغالطة والمخادعة للأمور المعلومة بضرورة العقل-. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: ثم إنه متناقض، ثم إنه متناقض؛ لماذا هو متناقض؟ يقول الشيخ الإسلام: فإنه إن جوز ذلك، جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا -أي وجود الخالق هو وجود المخلوق-؛ لأن الصفة هي الموصوف، والموصوف يعود إلى الصفة هي الموصوف. وإذا كان الصفة هي الموصوف، إذن لا حقيقة بين موصوف وموصوف. واضح هذا. إذا كان الصفة هي الموصوف، والصفة هي الموصوف، إذن لا حقيقة تميز الموصوف عن الموصوف. فإذا كان كذلك، يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإنه إن جوز ذلك، جاز أن يكون وجود هذا -وهو وجود هذا-؛ لماذا؟ لأنه ما هناك صفة تميز هذا عن هذا. قال: فيكون الوجود واحدا بالعين لا بالنوع -أي أن كل شيء موجود هو شيء واحد، أن الوجود كلهم من عين واحدة-، وهذا هو حقيقة قول أهل وحدة الوجود. واضح هذا. حقيقة قول أهل وحدة الوجود: أن الوجود كله شيء واحد، فزيد هو عمر، وعمر هو زيد، وزيد هو الجدار، والجدار هو الكلب، والكلب هو الحمار، إلى غير ذلك. حتى وصل بأولئك الكفرة أن قالوا: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا؛ لماذا؟ لهذا المعنى. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: واحدا بالعين لا بالنوع. قال: وحينئذ -وهذه نتيجة هذا الباطل وهذا المنكر- قال: وحينئذ، فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق يعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه، هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي الذي لا يقبل العدم. وهذا ما قاله وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية: أنهم يقعون في التناقض، يقعون في التناقض في قولهم. ثم إنهم متناقض، الآن برهن الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: بأنهم متناقض باتسلسل هذه الأمور: أنه إذا قال: الصفة هي الموصوف، لازم أن يكون الموصوف هو الموصوف، والموصوف لا تميز بين الموصوف والموصوف، فيكون وجود الوجود كله الوجود كله واحد بالعين لا بالنوع، فيلزم من هذا أن يكون واجب الوجود جل وعلا هو ممكن الوجود. واضحة. واجب الوجود ممكن الوجود، هذا تناقض أم لا؟ تناقض. إذا هذا ما أراد أن يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: ثم إنه متناقض. قال رحمه الله تعالى: وإذا قدر هذا، كان الوجود الواجب -وإذا قدر هذا كان الوجود الواجب- موصوفا بكل تشبيه وتجسيم، موصوفا بكل نقص وكل عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود. وحينئذ فتكون أقوال نفات الصفات باطلة على كل تقدير. واضح هذا. كأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: لهذا الذي نفى الصفات لأجل ما لا شبهة التركيب، لماذا نفى الصفات؟ يقول: لو أثبتنا الصفات لزم التركيب، فلزم من ذلك أن يكون الخالق محدثا، كان بعد أن لم يكن. هكذا. يقول: يلزم إذا أثبتنا الصفات لله، لازم أن يكون مركبا، وما كان مركبا فهو محدث، والمحدث ممكن وجوده وعدمه. واضح. تسلسل معه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حتى أوصلوا إلى أن نفيك ذلك -أن تكون الصفة هي الصفة الأخرى، وأن الصفة هي الموصوف- أنه يلزم من ذلك في الأخير أن تقول بوحدة الوجود، ويلزم من ذلك التناقض الذي فررت منه. قال: وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الصفات، لا ينفي شيئا فرارا مما هو محذور، إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه. فلابد له في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه. فيقال له: وهكذا القول في جميع الصفات، وكل ما نثبته من الأسماء والصفات، فلابد أن يدل على قدر مشترك تتواطأ في المسميات -كما تقدم هذا الذي يكون في الذهن، وهو التوافق في الذهن، وهو المطلق الكل-. قال: ولولا ذلك لما فهم الخطاب -أي ولولا ذلك الاشتراك لما فهم الخطاب-، لو لم يكن هناك تواطأ في المسميات لما فهم الخطاب. لقال الله جل وعلا، وقال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، إذا كان لا يفهم إنسان مع القيوم -يعني في الذهن- لما كان معنى لهذه الصفات. لذا قال: ولولا ذلك لما فهم الخطاب. قال: ولكن نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال. العقل: تعريفه، قيل: العقل جوهر مجرد يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة. يعيب الحس. هذا معنى العقل. ومعنى عاقل: المتصف بالعقل. والعاقل: المتصف بالعقل، والمعقول: الذي يعقله غيره. والعشق أو العاشق: العشق هو نوع من المحبة، وحقيقته: أن المحبة المتصفة أو المصحوبة بشهوة. على أن غلاة الصوفية ونحوهم يطلقون هذا المعنى على أخص أنواع المحبة، يقوم بمعنى صفاء المحبة. وهذا باطل، صواب أن العشق لا يكون إلا مع شهوة. لذا الله جل وعلا منزه عن هذا المعنى من وجهين: أولا؛ لأن الله جل وعلا ما وصف نفسه بأنه يعشق، لكن وصف نفسه بأنه يحب، بأنه يحب ويحب. ثانيا: أن هذا المعنى باطل؛ لأنه إثبات معنى باطل، وهو الشهوة. وعاشق ومعشوق: كما تقدم، العاشق هو المتصف بعشق، والمعشوق هو الذي يعشق. ولذيذ وملتذ ولذة: قالوا: اللذة إدراك الملائم من حيث إنه ملائم، قارن طعم حلاوة عند حاسة الذوق. والذيذ: الشيء الذي يلتذ، والملتذ: إدراك أو اللذة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على