الدرس في شرح مسائل الجاهلية 61، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع إنكار أهل الجاهلية للرسالات والوحي الإلهي كما ورد في الآية الكريمة، ويبين أن هذا الإنكار يعد طعنًا في الله وحكمته. هذا القول ناتج عن عدم تقدير لقدرة الله تعالى.
يتناول المقطع حسد اليهود للنبي عليه الصلاة والسلام وأمته على نعمة الإسلام والقرآن، ووصل بهم الحسد إلى إنكار رسالة النبي والقرآن. رد الله عليهم بأنهم أنكروا رسالة موسى عليه السلام مع أنه بشر مثل النبي محمد.
يتناول المقطع القول الثاني في تفسير الآية الكريمة، وهو أن المقصود هم كفار العرب، ويدعم هذا القول بأدلة من العلماء. كما يذكر أن بعض العلماء جمع بين القولين بأن الآية تنطبق على اليهود والمشركين معًا.
سورة الأنعام سورة مكية نزلت جملة واحدة في مكة، إلا أنها تحتوي على بعض الآيات المدنية. يُدرس تحديد نزول الآيات في علوم القرآن، مع وجود آيات مكية ومدنية بحتة وأخرى اختلطت فيها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخمسون، قولهم: «ما أنزل الله على بشر من شيء». هذه المسألة من المسائل التي تعتبر من صفات أهل الكفر، ومن صفات أهل الجاهلية، إنكارهم للرسالات وإنكارهم لوحي الله جل وعلا، كقولهم في هذه الآية: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. وسياق الآية يدلك على مدى الجحود، فهي نافية ما أنزل الله على بشر من شيء، وشيء هنا نكرة، ومما تقرر عند أهل الأصول أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، ما هناك شيء منزل أبدًا، ما هناك شيء منزل، ولا قد أنزل، فهو إنكار للرسالات، إنكار للكتب، إنكار للوحي الذي أنزله ربنا سبحانه وتعالى. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، وكان من صفات أهل الجاهلية أنهم جحدوا الرسالات وأنكروا الرسالات، وهذا في الحقيقة طعن في الله، طعن في الله جل وعلا. ولهذا كان صدر الآية وأول الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، فهذا القول إنكار رسالات وإنكار الوحي، هو عدم تقدير لقدرة الله جل وعلا، فطعن في حكمة الله، كيف أن الرب سبحانه وتعالى يخلق الخلائق ويأتي بهذه البشرية عبثًا وهمل، لا شريعة ولا وحي ولا رسالة، ما يمكن هذا. أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا؟ هل ربنا جل وعلا خلق البشرية وخلق الثقلين من إنس وجن عبثًا؟ لا، ما خلقهم عبثًا، إنما للعبادة، وهذا لابد له من شريعة؛ لأن لا أحد يمكنه أن يصل إلى الله جل وعلا بفطرته، الفطرة قاصرة، الفطرة قاصرة أن تتعرف على الله جل وعلا وبما أراد الله من تكاليف من أحكام من تشريعات، فلابد من تشريع. فلما زعم أهل الجاهلية بأن هناك لا وحي ولا رسالة، فهذا في الحقيقة طعن في الله، شعروا بهذا أو لم يشعروا. ويقول المؤلف رحمه الله تعالى: قولهم «من هؤلاء». لأهل التفاسير أقوال، ويترجع إلى قولين اثنين، من قال أن المعني بهذه الكلمة وبهذه الآية هم اليهود، هم اليهود الذين ذكر ربنا جل وعلا عنهم هذا الجحود وهذا النكران، وكان من قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، أنكروا الرسالات وأنكروا الكتب. ولما فعلوا ذلك، قال علماء: من باب الحسد، من باب الحسد، حسد من؟ حسد نبينا عليه الصلاة والسلام، بلغ بهم الحنق والغيظ والكره والبغض والحسد على نبينا عليه الصلاة والسلام أنهم أنكروا جميع الكتب وأنكروا جميع الرسالات، وأن الله ما أنزل شيء أبدًا. لماذا هذا؟ في سبيل أنهم ينكروا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ينكروا القرآن. فانظر إلى الحسد كيف يفعل بأصحابه، الحسد داء عضال، متى ما استفحل بقلب العبد فلا تسأل عن نهايته ولا عن مآله. الحسد يأكل نفسه بنفسه، بل ربما أساء الأدب مع الله جل وعلا. يا حاسدًا لي على نعمتي، أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في حكمه أن أعطاني وسد عليك وجوه الطلب. فالرب سبحانه وتعالى هو الذي أعطى، هو الذي منح، هو سبحانه وتعالى الذي شرَّف نبينا بهذه الرسالة، وهو الذي شرَّف هذه الأمة بهذا القرآن العظيم، مننا من الله، حبان الله جل وعلا بهذه التكرمة، فضل من الله سبحانه وتعالى. فلما حسد اليهود، من أشد الناس حسدًا على أهل الإسلام: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾، انظر لهذا الحسد. ودُّوا أن الأمة المحمدية تكفر عن بكرة أبيها، يكونوا كفارًا ملاحدة. بل ربما ما كان حسد حسدهم فقط ينقصر وينحصر على الدين بأكمله، بل حتى على بعض شرائع الدين، كما ثبت ذلك عند ابن ماجة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما حسدتكم اليهود على شيء كما حسدتكم على التسليم أو السلام والتأمين»، السلام والتأمين، هذه الظاهرة الاجتماعية العظيمة الذي جعلها الله بين المسلمين، يحسدنا عليها اليهود. فبلغ من شدة حسد اليهود أنهم أنكروا الرسالة، قال: «ما يمكن هذا، ما يمكن أن هذا محمد يكون رسولًا، بشر تعطى له رسالة ليش؟». فأنكر الرسالة، قطبوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. فرد ربنا جل وعلا عليهم برد، وهو من أعظم الرد، له أنهم عقلوا لهذا في تمام هذه الآية، قال ربنا جل وعلا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾، هذا رد من الله على اليهود الذين يكابرون ويقولون بأن الله ما أنزل على بشر. إذن ما الذي أنزل على موسى؟ أليس موسى بشرًا؟ بشر هم يعترفون بهذا، وما الذي أنزل عليه؟ ألم ينزل عليه ربنا وحيًا من السماء؟ إذن كيف هذا؟ هذا عين التناقض، تأتي بقاعدة عامة بأن الله ما ينزل الوحي على أحد من البشر، وهذا موسى نبيكم، وتم تعرفون هذا، فهذا من باب التناقض. القول الثاني، قالوا: أن المقصود في قول مؤلف: قولهم، هم كفار العرب، أهل قريش، هم الذين أرادهم الرب سبحانه وتعالى بهذه الآية، وهذا ينقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن مجاهد، وهو ترجيح ابن جرير الطبري، وهكذا ابن كثير، رجعوا على أن هذه الآية هي من قول كفار العرب، من كفار قريش، هم الذين قالوا هذه المقالة، قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. ومن ذهب إلى هذا المذهب، قوله قوي، الذي يقول بأن الآية إنما هي من قول كفار قريش، قوله وجيه. وسيدلوا بأمرين اثنين مما يرجح هذا القول، أنهم قالوا أولًا: بأن هذه الآية مكية، مكية، والخطاب اليهود إنما كان في المدينة. والأمر الثاني، قالوا: ما يمكن أن يحمل على أنهم يهود؛ لأن اليهود قد آمنوا بالكتب، قد آمنوا بالكتب وآمنوا بالرسل، إنما هذا الرسول يتنزل على كفار العرب؛ لأن العرب لا دين، ما عندهم كتب، ما عندهم رسل، فهم لا يؤمنوا بالوحي أصلًا، ما يؤمنون بالوحي. بل حجتهم قد ذكرها ربنا في كتابه، أنهم كانوا إذا أرادوا نبيًا، أرادوا أن يكون النبي من جنس الملائكة، هذا في سورة الإسراء، في غير من السور، كانوا يطالبون بهذا، ما يمكن أبدًا أن الله عزيز يبعث بشرًا الرسول، إنما إن كان هناك نبي لابد أن يكون على هيئة ملك. فيقول علماء: هو القول الثاني، كما رجح ذلك ابن كثير من قبل ابن الجرير، على أن المقصود بهذه الآية هم كفار العرب، هم كفار قريش، هم الذين تلفظوا بهذا. إذن في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، أنهم كفروا بجميع الرسالات، وكفروا كذلك بالوحي، فكان رد نفس الآية أن الله جل وعلا ألزمهم بموسى عليه السلام؛ لأن موسى مما تعرفه الناس أن الله جل وعلا أيده بالوحي والرسالة، ومع ذلك هو من جنس البشر. فإذا عند هذا القول وذاك القول، ومن أهل العلم من جمع، كما فعل ذلك السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية، علم الخلاف، رحمه الله تعالى الدائر بين علماء، فذهب إلى حل وسط، فجعل أن الآية تتنزل على هؤلاء وتتنزل على هؤلاء، فقال رحمه الله تعالى عند هذه الآية: قال هذا تشنيع على من نفى الرسالة من اليهود والمشركين، هذا تشنيع على من نفى الرسالة من اليهود والمشركين. فرأى رحمه الله تعالى أن الآية تطلق على عمومها، بأن هذه الآية قد نطق بها اليهود، وقد نطق بها كذلك أهل الكفر. وسورة الأنعام هي سورة، وإن كانت مكية، كما قال ابن عباس: أنها نزلت جملة واحدة في مكة، هي مكية، إلا أن فيها بعض الآيات مدنية، وهذا يذكر في علوم القرآن، أن هناك آيات مكية بحتة، وهناك آيات مدنية بحتة، وهناك آيات فيها وفيها، هي أصلها مكية نزلت في مكة، لكن فيها بعض الآيات التي تتابع نزولها في المدينة، أي بعد الهجرة. فهذا ما يتعلق بمعنى الآية بصورة عامة، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.