شرح مسائل الجاهلية  59

شرح مسائل الجاهلية 59

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 59، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الكفر بآيات الله في مسائل الجاهلية

يتناول المقطع معنى الكفر بآيات الله في مسائل الجاهلية، حيث يشير إلى أن الكفر يشمل الآيات الشرعية والمعجزات التي جاء بها الأنبياء. يُوضح أن أهل الجاهلية كفروا بآيات الله الشرعية مثل الكتب المنزلة وبآيات الأنبياء والمعجزات.

أهمية الإيمان بالكتب المنزلة في العقيدة الإسلامية

الإيمان بالكتب المنزلة من الله هو جزء أساسي من العقيدة الإسلامية، ويشمل الإيمان بالتوراة والإنجيل والزبور والصحف والقرآن. يجب الإيمان بجميع هذه الكتب وأسمائها كما وردت في القرآن، مع التسليم بأنها قد حرفت فيما عدا القرآن الكريم.

عقوبة الاستهزاء بآيات الله الشرعية

من استخف أو استهزأ بالقرآن أو السنة النبوية أو حرف منهما فهو كافر، وقد أجمع العلماء على ذلك. الاستهزاء أو الاستخفاف بآيات الله الشرعية يعتبر من أعظم صور الكفر.

ختام الدرس والدعاء

يختم الخطيب المقطع بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية والطاعة، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة والأربعون: الكفر بآيات الله. يقتصر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المسألة بما عبر به هاهنا، فقال: الكفر بآيات الله، أي أنها من مسائل الجاهلية، ومن خصال أهل الكفر أنهم كفروا ولا زالوا يكفرون بآيات الله سبحانه وتعالى. وقوله هنا رحمه الله تعالى: الكفر، الكفر في اللغة بمعنى الستر، ولهذا في لغة العرب تطلق كلمة الكفر ومشتقاتها على ما كان فيه معنى الستر. يذكر في اللغة أنه يقال عن الليل بأنه كافر؛ لماذا؟ لقيامه بعملية الستر، حيث إن الناس والأشخاص يستترون به إذا دخل الظلام ودخل الليل، استتر الناس بظلمة الليل فتمت التغطية، فهذا يوصف في اللغة العربي بأنه كافر. وهكذا الزراع، يطلق عليهم كذلك هذا المسمى بأنه كافر؛ وجه ذلك بأنه عندما يقوم بحفر الأرض يجعل البذر فيها ثم يدفنها فيها، فيغطي ويسوي الأرض بالبذر، فقام بعملية الإخفاء والستر؛ لهذا يسمى كافر. طبعًا هذا في اللغة، وليس في الشرع. العلماء والشراح لهذا المتن قالوا: بأن المؤلف رحمه الله تعالى أراد بآيات الله جل وعلا أراد أمرين اثنين، أولاهما: بأن آيات الله جل وعلا هي الآيات الشرعية، وتطلق كذلك الآيات بآيات الله المراد منها كذلك ما يتعلق بآيات الأنبياء، والذي يسميها بعضهم ويعبر عنها بقوله: بالمعجزات. قول المؤلف رحمه الله تعالى: أن من خصال الجاهلية الكفر بآيات الله، يدخل في ذلك الكفر بآيات الله الشرعية، ويدخل في ذلك الكفر بآيات الأنبياء، أي الكفر بالمعجزات. وكل ذلك ثبت عن أهل الكفر وعن أهل الجاهلية أنهم كفروا بهذا وكفروا بذلك. ما يتعلق بآيات الأنبياء، وهذا واضح من قرأ في سير الأنبياء، ما من نبي أتى بآية من الآيات إلا وكان قومه لها بالمرصاد والإعراض والاعتراض. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، وإن يروا آية -ما هي الآية؟- هذه التي أنزلها ربنا على نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن الآيات العظام انشقاق القمر، حيث سماها ربنا آية. ثابت في الحديث الصحيح أن القمر انشق على عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان كل فرقة أو فلقة من القمر على رأس جبل، آية واضحة نيرة لا لبس فيها. فقال لهم نبينا: «اشهدوا، اشهدوا، اشهدوا، اشهدوا»، فما زادهم ذلك إلا عتوا ونفورًا، قالوا: «إن هذا إلا سحر، هذا قد سحر أعيننا». فأهل الجاهلية وهكذا ما يتعلق بموسى عليه السلام، خرج على قوم بآيات عظام فكذبوه وكفروا به تلكم الآيات. وهكذا ما يقال في تلكم الآيات النبوية يقال كذلك في آيات الشرعية. فقد كان أهل الجاهلية يكفرون بآيات الله الشرعية، ويدخل في آيات الله الشرعية الكتب المنزلة: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هذه الكتب المنزلة هي تُعتبر من آيات الله الشرعية. وهذه كذلك قد كفر بها الكفار وكفر بها أهل الجاهلية، كفروا بها وأنكروها وجحدوها. من صميم العقيدة الإسلامية الإيمان بالكتب المنزلة، ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، من صميم العقيدة الإسلامية الإيمان بالكتب المنزلة: الإيمان بالتوراة، الإيمان بالإنجيل، الإيمان بالزبور، الإيمان بالصحف، الإيمان بالقرآن، هذا لابد. قال العلماء: أن الإيمان لا يصح إلا بالإيمان بهذه الكتب، فلو أن أحدًا من الناس قال: «أنا ما أؤمن بشيء اسمه التوراة»، قل: «أنت كافر». قل يا عبد الله: «أنا مسلم، أنا موحد معك، أنا من أهل الإسلام، لكن التوراة أراها ما هذا كتاب أنزله ربنا؟»، قل له: «كتاب التوراة كتاب حق وصدق، فقد أخبر ربنا في القرآن أن التوراة قد أنزلت على موسى»، فكفرك بالتوراة هو كفر بالله جل وعلا، تكذيب لله. علينا أن نؤمن بأن الله أنزل هذه الكتب على أنبياء الله وعلى رسله، هذا أمر، ثم بعد ذلك تبين أن هذه قد حرفت، داخلها التصحيف، داخلها التحريف، التغيير والتبديل قد صحفت، ولم يبقى إلا القرآن الكريم. ولهذا يقول علماء أيضًا: مما يستلزم الإيمان بالكتب أنك تؤمن بأسمائها التي سماها بها ربنا جل وعلا: التوراة، الإنجيل، القرآن، الزبور، الصحف، وهكذا ما حكاه ربنا عن أسمائها، فلا مناص من الإيمان بأسمائها بأن الله قد أنزلها. أما ما يتعلق بالتحريف، هذا أمر آخر. نعم، نؤمن بأنها قد حرفت، أنها قد غيرت، ولا يقول قائل: أن هناك كما يدعي بعض عن وجود بعض الأناجيل التي لم تحرف، لا، قد كلها قد لامسها التحريف، سواء كان تحريفًا لفظيًا أو معنويًا. يدخل الكفر بآيات الله مما جرى عليه أهل الجاهلية أنهم كفروا بمعجزات الأنبياء، وكفروا بآيات الله الشرعية. وقلنا: ويدخل في آيات الله الشرعية الكتب المنزلة، فكان أهل الكفار يكفرون بالتوراة، يكفرون بالإنجيل، يكفرون بالقرآن، وكل ذلك كفر. والكفر بهذه الكتب لا يستلزم أنك تكفر بالجميع، ولو كفرت بواحد منها، لو أنك أذعنت وآمنت بالقرآن والتوراة والإنجيل، لكنك أنكرت الزبور، فأنت كافر. أو أنك آمنت بالزبور والإنجيل والتوراة وأنكرت القرآن، فإنك كافر، لابد أن تؤمن بجميع الكتب، تؤمن بجميع الكتب. وكذلك ما يتعلق بالإيمان بالقرآن، فإن القرآن يجب أن تؤمن به جملة وتفصيلًا، فمن تجرأ على إنكار شيء من القرآن فهو مكذب لآيات الله، وهو كافر بآيات الله. من أنكر القرآن برمته فهذا كافر، من أنكر سورة من القرآن فهو كافر، من أنكر آية من القرآن فهو كافر، من أنكر كلمة كافر، من أنكر حرفًا من كلام الله فهو كافر. بضابط أن يكون هذا الحرف أو هذه الكلمة أو الآية أو السورة المتفق عليها بين القراء؛ لأن هناك أحرف يسيرة في القرآن فيها خلاف بين العلماء. هناك خلاف مثل إثبات الواو في بعض المواضع، حذف الواو، إبقاء الباء، حذف الباء. هذه أحرف مختلف فيها، فهذه حذفها وإضافتها لا يدخلك في حيز الكفر. لكن تأتي عند حرف متفق عليه عند القراء، متفق عليه عند القراء، ثم تتجاسر على إنكاره وعلى تعطيله وإلغائه، فأنت كافر. كما تجرأ بعض من سمعنا أنه يقول في مثل هذه السور: «قل هو الله أحد»، «قل أعوذ برب الناس»، أن نقول: «زائدة»، لماذا زائدة؟ قالوا: هذه «قل» إنما هو وحي من الله أنزله ربنا على نبينا، فهو أمر بنبينا خاص يا محمد «قل هو الله أحد»، إذن الخطاب لنبينا، غير موجود، إذن يكون الخطاب ماذا لنا جميعًا، فتحذف «قل»، فهذه «قل» زائدة. من قال ذلك فهو كافر، من قال ذلك فهو كافر، إن كان مسلمًا فقد ارتد عن دين الله جل وعلا. وقد ذكر العلماء الإجماع على هذه المسألة، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في «لمعة الاعتقاد»: «لا خلاف بين المسلمين أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر»، وقال: «ولا خلاف بين المسلمين أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر»، وهذا من أعظم الكفر. بقيت مسألة متعلقة بآيات الله الشرعية: هل يدخل في ذلك السنة؟ نعم، تدخل السنة في آيات الله الشرعية، فإن السنة التي أتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام إنما هو وحي من عند الله جل وعلا، فهو من كلام الله، فهو من آيات الله الشرعية. ولهذا ما يقال في القرآن يقال في السنة: أن من تجرأ على إنكار شيء من السنة، على شيء من السنة، فإنه يكفر. قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: «من رد حديثًا صحيحًا -من رد حديثًا صحيحًا يعتقد صحته- فقد كفر»، أنت تعترف أنه صحيح، ثم بعد ذلك تكابر، تقول: «هذا مردود»، وتكفر بهذا الحديث، كفرك بهذا الحديث هو كفر بآيات الله، والكفر بآيات الله هو كفر بالله. فيدخل في الكفر ما كان من صور الاستهزاء والاستهانة والاستخفاف والاحتقار لآيات الله الشرعية، يعتبر صورًا من صور الكفر، بل هو من أعظم صور الكفر. قد يأتي لبعض الناس أنه يقول: «قل آمنت بالقرآن»، ما أؤمن بالقرآن، أنا كافر بهذا الكتاب، هذا كافر لأشكال فيه. لكن أعظم من هذا من استحقر القرآن: «أين القرآن هذا الذي تأمرني أن آمن به أو أن أذعن له؟ أين هو؟»، فتأتيه به، فإذا به يتبول عليه كما يفعل بعض الزنادقة في هذا الأزمان ممن ينتسب إلى بعض الفرق اللادينية والباطنية، وهكذا من بعض المتعصبين من النصارى، أنه يتبجح بكفره بكتاب الله جل وعلا، أن يأتي بالقرآن فيتبول عليه نهارًا جهارًا، هذا كفر، وإن لم يصرح بأنه كافر بالقرآن، فعله أشد من القول. ويلحق بذلك كل من استهزأ بالقرآن، ومن باب أولى السحرة والكهنة ممن جعلوا القرآن مطية لاستكمال إجراءاتهم السحرية. قد ذكر العلماء كما ذكر ذلك السعدي رحمه الله تعالى عند بيان حكم الساحر وأنه كافر، ذكر أن الكافر إنما كفر من جهتين اثنتين: الجهة الأولى ادعاؤه لعلم الغيب، والجهة الثانية الاستهزاء بكتاب الله، يجعل القرآن حذاء هذا يوجد، يجعل حذاء يلبس في الأقدام ويوطأ، أو يرميه في المجاري كما نبش عن بعض المجاري في بعض الأماكن، فوجد ركامًا عظيمًا من القرآن، هذا من فعل السحرة، كلما أراد أن يطبق عملًا لشخص ما أمره بأن يأتيه بقرآن، ثم يدسه في المجاري والبالوعة. وسمعنا بعضهم -والعياذ بالله- بكفر الأحمر، من يجعل أوراق القرآن مناديل للاستنجاء والاستجمار في الحمامات، هذا كفر أعظم، هذا كفر بآيات الله، هذا كفر بآيات الله الشرعية. فهذه إخواني فيما يتعلق بهذه الفقرة، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.