الدرس في شرح مسائل الجاهلية 75، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
أهل الجاهلية اتهموا أهل الحق بانتقاص دين الملك وآلهته، واستخدمت حاشية السوء هذه الاتهامات لتحريض الحكام. قريش استخدمت نفس الأسلوب ضد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الآية الكريمة ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ في قصة فرعون وموسى تُفسّر بأن الآلهة قد تكون الأصنام التي عبدها فرعون أو طاعته. العلماء اختلفوا في تفسيرها.
الإله مأخوذ من العبادة، و"لا إله إلا الله" تعني "لا معبود إلا الله". وزن "إله" يمكن أن يعني مفعول، فيكون المعنى "لا مألوه إلا الله".
الدرس انتهى بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وتضمن الدعاء لله تعالى بالصلاة عليه. الختام تضمن التعبير عن العلم بالله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابع وستون، رميهم إياهم بانتقاص دين الملك، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ الآية، وكما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الآية. قال: الخامس والستون، رميهم إياهم بانتقاص آلهة الملك، كما في الآية. قال: السادس والستون، رميهم إياهم بتبديل الدين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. قال: السابع والستون، رميهم إياهم بانتقاص الملك، كقولهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. هذه المسألة الإخواني في الله، وكما درج على ذلك الشراح، يجعلونها في فقرة واحدة؛ لأن المؤدى واحد والمعنى متقارب. فقوله رحمه الله تعالى: "رميهم إياهم بانتقاص دين الملك"، أي: ما كان من أهل الجاهلية أنهم يرمون أهل الحق بانتقاص دين الملك، سواء كان دين الملك، أو كان بانتقاص آلهة الملك، أو متعلقة بانتقاص الملك، كل ذلك من اللوازم. وهذا من فعل واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذا التنقص وعلى هذا الرمي بهذه الآية: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾. مر معنى ما يتعلق بأن ﴿وَيَذَرَكَ﴾ بأنه بمعنى الترك، أي: ويتركك وآلهتك، فكان ذلك من فعل حاشية السوء وبطانة السوء؛ أنهم أشعروا فرعون بأن ما كان من موسى عليه السلام من ترك العبادة له إنما يراد بذلك الإهانة والاستخفاف. هم حملوا الترك الذي صدر من موسى حملوا هذا الترك من باب الاستخفاف، من باب الانتقاص؛ لأن موسى ما ترك دينك يا فرعون، أو ما ترك عبادتك يا فرعون، إلا لأنه ينتقصك، واستهان بحقك، واستخفاف بأمرك، وهم أشعروا فرعون بهذا الشعر، وهذا كذب، وهذا افتراء، وهذا محض افتراء وبهتان. لكن هكذا الشكاية، وهذا الذي يوجد في هذا الأزمان، تجد أن إذا أراد حاشية السوء أن يحركوا الأمراء ويحركوا الحكام، ما حركوها بمثل هذا الوتر، ضربوا على هذا الوتر الحساس، وهو أن هؤلاء أرادوا الحكم، أرادوا السلطة، أرادوا الملك، أرادوا أن يقوموا بعملية انقلاب على الأمور على الدولة. فإذا في هذه الأمور التي لا يرد أحد من الملوك الدنيا، إنما يقوم قومة رجل واحد، وغضب من أجل هؤلاء، فيقومون باستخدام كافة الوسائل في ردع هؤلاء على حد زعمهم. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: "رميهم إياهم بانتقاص دين الملك"، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، وكان هذا من اللوازم. كذلك في أمر قريش عندما قام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه بأمر الناس بتوحيد الله سبحانه وتعالى، والأمر بإفراده بالعبادة، ماذا كان أمر قريش؟ حملوا ذلك على أن هذا انتقاص لآلهتهم، أن ذلك انتقاص لدينهم. فكانوا إذا شكوا إلى عمه أبي طالب، قالوا: «إن ابن أخيك ينتقص آلهتنا ويعيب عليها ويسفه أحلامنا»، مع أن هذا ما صدر من محمد عليه الصلاة والسلام ما سب ولا شتم ولا سفه أحد. لكنهم ألزموا هذا، هذا عندهم من اللوازم؛ أنك عندما تأمر بترك آلهتنا، فلا تعبد هذا منك استخفاف، هذا منك تنقص، هذا منك امتهان واحتقار. وهكذا هم مع كما وقع لفرعون مع أتباع فرعون مع موسى عليه السلام. بقي مسألة في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: يدعك ويدع أصنامك، هنا الأمر قد يشكل عند بعض الناس، يقولون: كيف هذا؟ أليس هذا الخطاب إلى فرعون؟ أليس فرعون هو الذي زعم أنه رب الأرباب، وقال: «أنا ربكم الأعلى»؟ فمن أين جاءت الأصنام لفرعون؟ فمن أين جاءت الأصنام لفرعون؟ لأن الآية: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: يدعك أنت، فلا يعبدك ولا يعبد أصنامك، إذن هل فرعون له أصنام يعبدها من دون الله جل وعلا؟ هذه مسألة للعلماء في أقوال من أهل علم، حمل هذه الآية على محملها، وأثبت أن فرعون نعم كان له صنم يعبد، كان له صنم يعبد. قيل: كان هذه العبادة يوقعها سرًا، ومنهم من قال: إنه كان يعبد شيئًا قد علقه في رقبته، ومنهم من قال: اتخذ أصنامًا يعبدوها من دون الله، إذن فكان بهذا الصورة، وعلى هذا التقرير، إذن يعلم قول من يقول من العلماء بأن فرعون كان يعبد ويعبد، كان يعبد ويعبد، يعبد أي هو الذي يقوم بعبادة بعبادة غيره من المعبودات، وهو كذلك في نفس الوقت كان يعبد من قبل قومه، من قبل قومه، فكان يعبد وكان يعبد. نقل هذا عن بعض السلف، وهذا على كما قلنا، إذا أثبت هذا الأمر أن لفرعون كان له صنم، هذا منقول لغايات عن الحسن، وعن جماعة أنهم أثبتوا ذلك. القول الثاني في معنى الأصنام التي اتخذها فرعون، قال بعض المفسرين: أن فرعون اتخذ أصنامًا، لكن لم تكن له، وإنما جعلها لقومه، جعلها لقومه، فجعلهم يعبدون هذه الأصنام؛ لأنه يعبدونها لأنها تقربهم إليه هو. انظر جعل لهم أصنامًا يعبدونها لا لذات الأصنام، لا يجعل هذه الأصنام تعبد لأجله هو، لأجله هو، فهي تعبد لأجله، أي: أعبدوا هذه، فعبادتها أولًا هي من عبادتي أنا، فيكون معنى هذه الآية بمعنى أنه ماذا؟ ﴿وَيَذَرَكَ﴾ أنت، وأصنامك التي جعلتها لنا، وأصنامك التي جعلتها لنا؛ لأن فرعون جعلهم أصنامًا تعبد من دون الله، وهذه الأصنام عبادتها من عبادة فرعون. فقال الحاشية: بأنك لو تركت موسى يأمر بعبادة الله وحدك، فإنك لن تعبد، وهكذا الأصنام التي وضعتها لنا لن تعبد كذلك، لن تعبد كذلك. فعلى هذا يحمل هذه الآية: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: بمعنى أصنامك، إما أنه أن موسى إذا تركته يأمر بتوحيد الله جل وعلا، فإنك أنت لا تعبد، وهكذا صنمك الذي اتخذته لن يعبد. هذا قول، أو قول آخر: بأنك لو تركت موسى على حاله من الدعوة، فإنك لن تعبد، وهكذا الأصنام التي جعلتها لنا لعبادتك هي كذلك لن تعبد. هذا قول وذاك قول. هذا في حق من أثبت أن الآله هنا بمعنى الأصنام. يأتي هنا معنى آخر لهذه الآية: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، وأن الآله هنا بمعنى الطاعة، أي: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ ويذل طاعتك، وهذا القول قول قوي كذلك، وخاص أنه مدعم بآية أخرى، أو بقراءة أخرى. في قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أنه كان يقرأ هذه الآية: «وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ»، «وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ»، ليست «آلِهَتَكَ»، القراءة الأخرى «وَإِلَهَتَكَ» بكسر الهمز مع المد القصر، «وَإِلَهَتَكَ»، ما معنى «وَإِلَهَتَكَ»؟ بمعنى عبادتك، بمعنى عبادتك. وهذه مسألة مهمة جدًا، مهمة جدًا في مسألة تحقيق معنى «لا إله إلا الله». وإن كان هذا ليس مقامها، لكن إضاح المسألة، على هذه القراءة: «وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ»، بمعنى أي: «وَيَذَرَكَ» ويذر عبادتك. ما علاقة الإلهة بالعبادة؟ لا، هذا لها معنى قوي وقوي جدًا، بل هذا مأخوذ من لغة العرب. فإن الإله مأخوذ من العبادة، التأله مأخوذ من التعبد، عبد يعبد عبادة، بمعنى ألها يأله إلهة عبودية ألوهية. وهل هذا العرب تعرف ذلك؟ نعم تعرف ذلك. من ذلك يقول لكم الأبيات الشعرية لرؤبة بن العجاج الذي كان يقول: لله در الغانيات المدهي سبحنا واسترجعنا من تألهي ما معنى «من تألهي»؟ من تعبدي، من تعبدي. فكان يقول: «ألها يأله إلهة» وألوهية بمعنى «عبدًا يعبد عبادة» وعبودية وعبودية، وزنًا ومعنى، وزنًا ومعنى. وهل هذا مفيد؟ نعم هذا مفيد جدًا، مفيد جدًا. ما وقعت الخصومات بين أهل البدع في كلمة التوحيد إلا من أجل هذا الاشتقاق، من أجل هذا الاشتقاق. «لا إله إلا الله» بمعنى «لا معبود إلا الله»، والخبر بحق. «لا إله إله» بمعنى «لا معبود»، من أين جئنا؟ ما هو الربط؟ نحن كثيرًا طلبة علم نقول: هذا «لا إله إلا الله» بمعنى «لا معبود إلا الله»، قد يقول من أين العلاقة بين الإله والمعبود؟ من أين جئت بها؟ لا، علاقة قوية، هذه معروفة عند العرب، بأن «ألها يأله» بمعنى «عبدًا يعبدوه»، فـ«ألها» ويأله بمعنى «عبدًا»، ويتعبّد هذا العبادة مع المحبة. ثم تأتي مسألة وهي أن «إله» وهي على وزن «فعال»، تأتي على ماذا؟ بمعنى مفعول. وهذا وإن كان قليل في اللغة، هذا يأتي «فعال» وزن «فعال» يأتي على معنى مفعول، مثل «فراش» وزن «فراش» وزن «فعال» يأتي على معنى ماذا؟ على معنى مفعول، أي: مفروش. «كتاب» وزن «فعال» بمعنى ماذا؟ بمعنى مفعول، أي: بمعنى مكتوب. وهكذا «قسوة»، هذا وإن كان قليل، وهذا الذي عليه أهل العلماء: أن معنى «لا إله إلا الله»، أي: «لا مألوه إلا الله»، أي: «لا معبود إلا الله». اجعل على هذه المراحل: «لا إله إلا الله» بمعنى «لا مألوه إلا الله»، من أين جئنا؟ «إله» بمعنى «مألوه»؛ لأن «فعال» على معنى مفعول. وبعد ذلك تأتي بالمعنى الصريح: أن المألوه بمعنى المعبود، فـ«لا إله إلا الله»، «لا مألوه إلا الله» بمعنى «لا معبود إلا الله». وهذا كما يقال: ليس هذا مقامها، لكن حتى نعلم الربط بين قول من يقول: «وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ» بمعنى «وَيَذَرَكَ» وعبادتك. فعلى هذا القول إذن لا إشكال، فمن فسر ومن قال بالقراءة الثانية فلا إشكال عنده، فيكون معنى الآية: أن أتباع ونحاشية فرعون هددوا فرعون بأن موسى لو ترك على دعوته، فإنما آله سيمنع الناس من عبادتك ومن طاعتك؛ لأنه ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ تحمل بمعنى الطاعة، وهذا يجدها القراءة الذي سمعتموها: «وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ»، هذا ما يتعى الإخوان في الله في هذه الفقرة، وما مضى معنا في درس أمس يلحق بهذه الفقرة إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.