شرح مسائل الجاهلية  91

شرح مسائل الجاهلية 91

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 91، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الذبح عند القبور وعادة الجاهلية

يناقش المقطع عادة الذبح عند القبور التي كانت سائدة في الجاهلية، ويشرح معنى الحديث النبوي 'لا عقر في الإسلام'. كان العرب يذبحون عند القبور اعتقادا بأن ذلك يفيد الميت يوم القيامة.

حكم الذبح عند القبور في الإسلام وتحريمه

الإسلام نهى عن الذبح عند القبور واعتبره شركا إذا كان القصد منه التقرب لغير الله. العلماء أدخلوا في حكم النهي كل فعل يتعمد عند القبر مثل الذبح والتصدق.

خاتمة و الدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة والثمانون: الذبح عند القبور. الذبح عند القبور. المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرات الأخيرة ركز على أهم الأعمال التي هي من خصال أهل الجاهلية، وهي من الطقوس عندهم التي تعمل عند القبور، من اتخاذها مساجد، ومن اتباع آثارهم واتخاذها كذلك مساجد، ومن اتخاذ السرج على القبور واتخاذه أعيادا، وأيضا تلا ما قال هنا: الذبح عند القبور. وهذه كذلك من الخصال المعلومة والمعروفة والمعهودة عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يذبحون عند القبور، ولهم عند اعتقادات عديدة سيأتي ذكرها حول ذبحهم عند صاحب القبر. فلما جاء الإسلام ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك، نهاهم عن ذلك صلاة ربي وسلام عليه. فمن ذلكم ما جاء في السنن من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: "لا عقر في الإسلام". قال عليه الصلاة والسلام: "لا عقر في الإسلام". وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وعلق عليه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بقوله: "صحيح على شرط الشيخين". كما في كتابه "أحكام الجنائز". فهذا الحديث ثابت ووارد. فما معنى "لا عقر في الإسلام"؟ العقر إخواني في الله بمعنى الذبح، لكنه ذبح بطريقة خاصة، وليس سبب خاص. فسر علماؤنا هذا العقر، فممن فسره ما ذكر وأثر عن عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى أنه قال في معنى هذا الحديث "لا عقر في الإسلام": "كانوا يعقرون عند القبر". كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاتا. كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاتا، أن يذبحون عند القبور الأبقار والشياة، فهذا يسمى عقر. وهكذا بهذا المثال أو بهذا الضابط ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما في رواية المروزي، حيث قال رحمه الله تعالى: "كانوا إذا مات لهم الميت، كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره". إذن تجد أن معنى العقر هو ذبح، لكنه يفعل عند القبور. ذبح لكنه يفعل عند القبور. ويقول العلماء: كانت العرب تفعل ذلك، يأتون بالشياة أو يأتون بالأبقار ويذبحونها عند صاحب القبر، وذلك لعدة أسباب. فمنهم من يفعل ذلك مجاراة لهذا الميت في حياته، وخاصة إذا كان هذا الميت من النبلاء والشرفاء من أهل الكرم والجود، ومن كان يعرف بالبذل والسخاء. فإذا مات هذا الميت عليهم، فتجد أن الأحياء يجارون هذا الميت لفعله الذي كان يفعله في حياته. فماذا يصنعون؟ يأتون إلى شاة وإلى قبر فيذبحونه على القبر، فيتركونها، يتركون هذه الميتة على القبر. فمن يأتيها يأتيها السباع، الهوام، الطيور ممن تأكل الحيوانات فتأكل. ومن يرد بهذا يقولون: هذا جزاء لهذا الميت، لما كان هذا الميت في حياته مطعما وكان كريما وكان باذلا، فتبقى هذه سيمته بعد موته وفاء له. فنجعله مطعما في حياته ومطعما بعد ما مات. نجعله مطعما في حياته لما كان حيا كان يطعم الناس، وكذلك إذا مات نعقر على قبره، فنجعل هذه الذبائح حتى تأتي الهوام وتأكل على قبره، حتى تكون ماذا؟ مطعما في حياته ومطعما كذلك بعد موته. إذن هذا من باب التعظيم، هذا من باب التعظيم. فكان هذا هو العقر عندهم، يذبحون على القبور شاتا أو بقرة. وهناك كذلك علة أخرى، وهؤلاء عند من يعتقد بيوم القيامة، وإن كانوا من الكفار. وقد مر معنا قديما لو تذكرون في أوائل إسهاب قد بينا أن العرب في تدينهم أنهم على فرق شتى، فمنهم الملحد، ومنهم من هو مقر بيوم القيامة. فكان بعض الكفار ممن يقر بوجود الآخرة وبيوم القيامة، كان طائفة من العرب يعتقدون أن الرجل إذا مات، أن الرجل إذا مات وعقرت دابته على قبره، عقرت دابته على قبره، فإنه يأتي يوم القيامة راكبا على دابته، وإلا فإنه سيأتي ماشيا. هذا كان كذلك من اعتقادات العرب، وهذا خاص فيمن يؤمن بالقيامة. وهذا يوجد أن بعض العرب كانوا يؤمنون بالبعث ويؤمنون بالنشور، ومنهم من يؤمن بهذا. ومن كان ينكر ذلك، فمن كان منهم يؤمن باليوم الآخر، فهذه عقيدة عندهم أنه إذا عقرت دابته على قبره فإنه سيأتي يوم القيامة راكبا على دابته، وأما إذا مات ولم تعقر دابته فإنه سيأتي ماشيا. فتجد أن منهم من يريد أن يوفي لهذا الميت حقه فيعقر دابته على قبره. الحاصل إخوانا في الله أن هذا هو العقر، العقر هو الذبح لكنه عند قبر، عند قبر. قال مؤلف رحمه الله تعالى: الذبح عند القبور. إذن هذا مما كان عند العرب أنهم كانوا يذبحون عند القبور، ومنها العقر. فلما جاء الإسلام، لما جاء نبيه نهاهم عن ذلك، فقال: "لا عقر في الإسلام". "لا عقر في الإسلام". هذه الفعلة، هذه الطريقة ليس لها محل في دين الإسلام. فمنع نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك، فلا يأتي أحد فيذبح عند القبور. والحكم يختلف، فبعض الناس إخواني في الله من يذبح عند قبر وهو يريد بذلك ماذا؟ يريد التقرب إلى صاحب القبر، التقرب إلى صاحب القبر. فمن فعل هذه الذبيحة عند قبر من القبور فقد كفر، وقد أشرك بالله جل وعلا، لأنه صرف طاعة وعبادة لغير الله سبحانه وتعالى. والذبح يعتبر من أخص الطاعات، من أخص الطاعات. قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. وقال جل في علا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. فالنحر لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. فمن ذبح لغير الله جل وعلا، أتى بحيوان، أتى بغنم، أتى بشياه، بقطيع من الإبل، ثم نحرها عند قبر، وهو يطمع يطمع أن ينال شيء من الميت جراء هذا التقرب، يرجو منه الثواب، يخاف من عقابه، بأن يغفر عنه، بأن يصفح عنه، بأن يتوب عليه، بأن يستجيب لطلباته ولدعائه ولتضرعاته، فهذا قد خرج من الدين والملة، خرج من الدين والملة، وقد كفر بالله سبحانه وتعالى. هذا إذا اعتقد ذلك، مع العلم إخواني في الله أن هذا قد يقع من بعض الناس، ويطرأ ذلك على اللسان، كان يأتي بشاة ويقول: باسم فلان، باسم الولي، باسم نبي. فإذا فعل ذلك فهذا لا شك في كفره. وبعضهم إخواني في الله قد لا يتجاسر قد لا يتجاسر على ذكر ذلك بلسانه، لكنه ماذا؟ قد يأتي بذكر الله، يقول: باسم الله، لكنه في قلبه وفي نيته يطمع ما عند الميت. فإن كان كذلك فهذا أيضا مشرك، انتبه لهذا. فهذا أيضا مشرك، لو لم يصرح بلسانه لكن أخفى ذلك في قلبه، يطمع، يستشفع لي عبد الله عند صاحب القبر، والله اسمع، بسم الله. سمعت ما أهللت إلا بذكر الله وبسم الله، إلا أنه في داخل قلبه يطمع للأجر والثواب، وتعظيما للميت، هذا كذلك مشرك. إلا أن الأول وهو الذي تلفظ بلسانه شركه من شرك الاستعانة، وأما الثاني الذي جعل هذا في قلبه فشركه من شرك النية والقصد، من شرك النية والقصد. وقال أطال ذلك العلماء في المطولات، فيرجع حول التقاسيم. ذكر العلماء حول الذبح لغير الله سبحانه وتعالى. هذا إذا كان مراده صاحب القبر إما بلسانه وإما بقصده وقلبه. لكن توجد طائفة من الناس أنه لا يريد هذا، بعض الناس يعرف أنه يقول: أنا ما أريد إلا القربة لله سبحانه وتعالى، لا بلساني ولا بقلبي، ما أريد شيء من الميت، ما سوى الله باطل، وما الذي أرجوه من ميت؟ لكن طيب ما الذي يجيء بك إلى مقبرة؟ لما جئت بهذا القطيع إلى هذا القبر؟ قد يقول بعض الناس: يا أخي هذا بركة المكان، هذا بركة عند هذا القبر، ولعل الأجر في هذا المحل أكثر من غيره. الأجر عند هذا المحل أكثر من غيره. فهذا محرم، هذا محرم يا إخوان. وهو كذلك وسيلة إلى الشرك، وسيلة إلى الشرك. وصاحبه لا يمكن من هذا الفعل. والدليل الحديث: "لا عقر في الإسلام". العقر هو الذبح عند القبر، "لا عقر في الإسلام". فلا عندنا ذبائح تذبح عند القبور. إن أردت أن تذبح يا عبد الله، فاذبح إلى أماكن المعدة للذبح. أما فعلك هذا ولو كنت صادقا بدعواك أنك ما تريد من الميت وإنما تريد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، لكن هذا فعلك محرم. فعلك هذا مخالف لأمر نبينا كذلك. فعلك هذا بدعة، فعلك هذا بدعة، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر. فلا يخف أن يكون وسيلة ويكون ماذا؟ حكمه من الشرك الأصغر، لأن كل ما كان وسيلة للشرك الأكبر فإنه ماذا؟ يكون وسيلة للشرك الأصغر. فقال رحمه الله تعالى: الذبح عند القبور، هذا من فعل الجاهلية، فلا يذبحن أحد عند قبر. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فائدة في اقتضاء الصراط المستقيم، عندما ذكر الحديث حديث النهي عن العقر "ولا عقر في الإسلام". قال رحمه الله تعالى: وقال أصحابنا، وقال أصحابنا في معنى وفي معنى هذا أن يدخل في حكم هذا الحديث النهي عن العقر، عن الذبح عند القبور. قال: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا من التصدق عند القبر بخبز أو نحوه. قال رحمه الله تعالى: وقال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا، وحتى يوجد في هذه الأزمان، وقد رأينا هذا أن بعض الناس يتعمد أن يوزع الصدقات عند القبر. فقال رحمه الله تعالى: وفي معنى هذا أن يدخل في حكم النهي، قال: ما يفعله كثير من أهل زماننا من التصدق عند القبر بخبز أو نحوه، بخبز أو نحوه. والقاعدة إخواني في الله، وقد مر ذلك معنا في حديث "لا تتخذوا القبور مساجد"، أن العلماء أدخلوا في ذلك أي صورة من صور أن تفعل عند قبر، لأنك تصلي، لأنك تتصدق، لأنك تذبح، لأنك تذكر الله، ولأنك تتلو القرآن المقابر لم تعد لذلك. فكونك تتعمد أن تفعل ذلك على أقل تقدير أنك تريد بركة ذاك المكان، فهذا من المحرمات، وذلك من اتخاذ القبور مساجد، كما صرح بذلك العلماء، ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.