الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 25، ألقاها
يبدأ الدرس بشرح عبارة للإمام الصنعاني حول جهاد المشركين، ويوضح أن الجهاد يكون بالحجة والبيان أولاً ثم بالسيف لمن عاند بعد البيان.
يناقش الدرس آراء العلماء في قتال من استغاث بغير الله بعد إقامة الحجة، ويشير إلى تناقض بعض النسخ المخطوطة مع معتقد أهل السنة والجماعة.
يشرح الدرس شروط الاستغاثة بالمخلوقين، ويبين أن الاستغاثة بالأموات أو العاجزين شرك بالله، ويفرق بين استغاثة الأنبياء والصالحين واستغاثة القبوريين.
يختتم الدرس بمناقشة استغاثة القبوريين وتجاوزهم لحدود الشرع، ويشير إلى استمرار هذا الموضوع في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مر معنا أمس قوله -رحمه الله تعالى-، أي قول الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى-: «فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم وسلوك فيهم ما سلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المشركين، فقال: قلتم إلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم». هذه العبارة استشكلها بعضهم، والظاهر -والله أعلم وأعلم- أنه لا إشكال فيها إذا نزل الكلام منزلة مناسبة. وذلك أن مقصود الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- فيما يظهر -والله أعلم- أن قوله: «إلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم»، أي إلى مثل هذه الصورة، أن يكون قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون، ويقولون بألسنتهم: «نحن ملتزمون بدين الله جل وعلا، ونحن على دين محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، لم نغير ولم نبدل». ومع هذا وقع منهم الشرك بالله جل وعلا في عبادة غير الله جل وعلا، في التقرب والتعبد إلى غير الله جل وعلا، بذبح الذبائح ونحر النحائر ونذر النذور والاستغاثة والدعاء والطواف، وما ذكر من أنواع العبادات التي يتقرب بها القبورية إلى أوليائهم. هذا الفعل بهذا الاعتبار وبهذه الصورة يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: إن هذه الصورة وهذه الحالة قد وقع وحصل من أهل العلم من جاهدهم، أي جاهدهم بالحجة والبيان، وجاهدهم كذلك بالسيف والسنان. وكأنه -والله أعلى وأعلم- يشير إلى الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله تعالى- النجدي ومعه الإمام السلطان محمد بن سعود -رحم الله الجميع- الذين دعوا الناس إلى التوحيد ونبذ عبادة ما سوى الله جل وعلا، وحذروهم غاية التحذير من عبادة المقبورين في أضرحتهم. ثم جاهدوهم بعد الحجة والبيان، ولما رأوا منهم العناد جاهدوهم في الله جل وعلا حق جهاده -فيما نحسبهم-. فالإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- كلامه منصب على هذه الحيثية وعلى هذا الاعتبار. وإلا فقتال المرتدين ممن نطقت ألسنتهم بـ «لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» ثم أتوا بما ينقضها، هذا أمر متفق عليه، لا خلاف في ذلك. مثل ما حصل من الصديق الأكبر -رضي الله عنه وأرضاه- أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- والصحابة حينما قاتلوا من ارتد من العرب، وهذا بإجماع الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاه-. فقتال المرتدين هذا بإجماع، لا خلاف عليه. ولكن كلام الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- يتكلم على حيثية معينة وعلى صورة معينة، وهي أن من الناس ممن يقول: «نحن ملتزمون»، ولكنهم ملتزمون في اللفظ، وفي الحقيقة والمعنى ينقضون هذا الالتزام ليلًا ونهارًا، كما هو حال القبورية. فهو يقول: «ذهب بعض أهل العلم إلى هذا»، أي إلى قتالهم بالفعل بعد أن بين البيان الواضح وأقام الحجة عليهم، فلما عاندوا انتقل من الجدال إلى الجلاد، كما هو حال الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- ومن معهم من أمراء تلك البلاد في ذلك الزمان. وعلى هذا فلا إشكال في عبارة الإمام الصنعاني -رحمه الله-. هذا أمر ثاني. قوله -رحمه الله تعالى- في آخر الفقرة التي قرأناها: «ومن أصر فقد أباح الله منهما أباحه لرسوله -صلى الله عليه وسلم- من المشركين». قوله -رحمه الله تعالى- قبل ذلك: «قالوا: يجب أولًا دعاؤهم إلى التوحيد، كما دلت على ذلك الأدلة من أن إقامة الحجة والبيان قبل أن يكون القتال بسيف وسنان، ومن حديث بريدة -رضي الله عنه وأرضاه-». هذا أمر آخر، أنه وقع في بعض النسخ ها هنا زيادة تقدر بنحو عشرة أسطر، أصلها من نسختين هنديتين مخطوطتين، ولكنها من المخطوطات المتأخرة، أي كتبت تقريبًا في سنة 1308 من الهجرة. وهاتان النسختان أو المخطوطتان فيها هذه الزيادة، وهي غير موجودة في غيرها من النسخ العتيقة القديمة التي كتبت في زمن المؤلف وبعده قليلًا. والناظر في هذه الزيادة يجدها مناقضة ومخالفة لما قرره الإمام الصنعاني -رحمه الله- في هذا الكتاب وفي غيره، ومخالفة كذلك عمومًا لمعتقد أهل السنة والجماعة، إذ فيها تقرير أن ما تقدم ذكره وما قرره الإمام الصنعاني من أن من استغاث بغير الله ومن ذبح لغير الله ومن نذر لغير الله، أن ذلك كله قبل قيام الحجة من الشرك الأصغر، ولا يكون من الشرك الأكبر. وهذا كلام ليس بصحيح، لا يقوله عاقل فضلًا عن عالم مثل الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- الذي بنى كتابه هذا على تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد ومن هذه الدسائس والأفكار الخبيثة. فالحاصل أن هذه الزيادة ليست بصواب. أولها -يعني بعد قوله: «من المشركين»-: «قال: فإنهم قبل التعريف بأنهم على جهالة وضلالة وخصر من خصال كفر، كافرون كفرًا أصغر لا يبيح دمًا ولا مالًا» إلى آخر ما ذكر. «كافرون كفرًا أصغر»، هذا ليس بصواب. الكلام ليس بصواب، بل التقرير هو ما تقدم ذكره من أن من فعل تلك الأفعال المتقدم ذكرها فقد وقع في الشرك الأكبر، وقتاله يكون بعد البيان له والحجة. قال -رحمه الله تعالى-: «فإن قلت»، انتقال إلى أمر آخر وإلى شبهة أخرى. يقول: «فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر». هذه شبهة من شبه القبورية، يقولون: بأن الاستغاثة مشروعة، كيف تقولون بأن الاستغاثة بغير الله جل وعلا ممنوعة وأنها شرك بالله جل وعلا؟ وها نحن نرى الأدلة من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تدل على مشروعية الاستغاثة، وأن الناس يوم القيامة يستغيثون بهؤلاء الأنبياء كما جاءت الأدلة في ذلك، كما في الصحيحين من حديث أنس، وكذلك بنحوه من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد ومحيد، جماعة من الصحابة الذي فيه هذا المعنى: أن الناس يوم القيامة يأتون آدم فيقول: «يا آدم اشفع لنا، يا آدم أنت أبو البشر وكلمك الله اشفع لنا»، فيقول: «اللهم سلم سلم»، وهكذا من نبي إلى آخر حتى يأتون إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- فيقول: «أنا لها أنا لها»، فيطلب الشفاعة من ربه جل وعلا فيشفعه الله. الشاهد يقول: «إذن طلب الشفاعة من المخلوق جائزة، وطلب الاستغاثة من المخلوق جائزة». فلما تقولون بأنها شرك بالله جل وعلا؟ فأجابهم الصنعاني -رحمه الله تعالى- بقوله: «قلت: هذا تلبيس»، تلبيس بمعنى لبس الباطل بالحق، الباس الباطل بلباس ماذا؟ الحق. تلبيس، وهذه هي عادة أهل الأهواء وأهل الشبه، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، له كلام عظيم معناه: أن المبطل ما يأتي إلى الناس بباطله الصرف الواضح، لكن لا بد أن يلبسه بلباس الحق حتى يروج ويقبل، وإلا لو أتى به بلباسه العار الواضح لعلمه الناس ونبذوه، فلابد من تزيين الباطل وتلبيسه بلباس الحق. فلذا قال -رحمه الله تعالى-: «قلت: هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد، أي أمرها متفق عليه». الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق، من يستطيع أن ينكرها؟ إنسان سقط في حفرة يقول لأخيه: «أغثني، أعني، اخرجني منها»، من سيقول له: «هذا شرك»؟ صبي صغير سقط أو خاف من حيوان فيقول: «يا أبي يا أبي»، وأبوه بجانبه، هل نقول له: «أشركت بالله»؟ من يقول هذا؟ لا يقوله قائل. لكن هذا من التلبيس. فالاستغاثة كما مر معنا أنها على قسمين: مشروعة وممنوعة. الاستغاثة مشروعة فيما يقدر عليه الإنسان، يجوز إنسان أن يستغيث بأخيه: «أغثني يا أخي بكذا، افعل لي كذا»، أن يكون في حالة خوف وذعر ويعرف أن أخاه سيعينه، غرق في بحر فطلب الغوث من أخيه، هذا جائز. من يقول: لا يجوز؟ الأخوة القريب القادر الموجود الحاضر، لا بد أن يكون حيًا. الاستغاثة بالحي الموجود القادر فيما يقدر عليه المخلوق هذا جائز. لكن الممنوع إذا تخلف شرط من هذه الشروط، كالاستغاثة بالأموات أو الاستغاثة بمن لا يقدر على الغوث، أو الاستغاثة بإنسان غير موجود، تقول: «أنت في اليمن وهو في مصر: يا ست زينب أنقذيني»، هذا شرك بالله جل وعلا. من يشك في هذا؟ لكن الاستغاثة المشروعة كما ذكر. قال: «فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه، وكذلك أن يكونوا موجودين -وهو يتضمن في قوله: يقدرون عليه- قال: لا ينكرها أحد». وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبط: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، فهذه مشروعة، أقرها القرآن، أقرها القرآن وعمل بها نبي مرسل مكلم، موسى -عليه السلام- أغاث ذلك الإسرائيلي. قال -رحمه الله تعالى-: «وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم وطلب أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى من عافية المرضى وغيرها». بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم... والوقت قد مضى، نؤجلها إلى درس آخر بإذن الله عز وجل. إلى هنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.