الدرس في شرح مسائل الجاهلية 78، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان أهل الجاهلية ينقصون في العبادات، مثل قريش التي كانت تترك الوقوف بعرفات. جاء الإسلام ليصحح هذا الفعل وأمر بالوقوف بعرفات.
البدعة التركية هي ترك ما هو مباح أو مطلوب شرعًا استحسانًا وتديّنًا. يشترط في البدعة التركية أن يكون الترك من باب التديّن وليس لعذر أو تكاسل.
البدعة التركية تشمل ترك ما هو مباح أو مستحب تدينًا، وقد نهى النبي عنها. البدعة أشد وأخطر من المعصية لأنها مخالفة للسنة.
التدين الصحيح يكون بالكتاب والسنة، ويجب الحذر من الزيادة أو النقصان فيه. يجب اتباع أحسن الأقوال والأفعال لتحقيق الهداية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال السبعون نقصهم منها كتركهم الوقوف بعرفات. قوله رحمه الله تعالى نقصهم منها، وهنا الضمير عائد لما سبق، وهي العبادة، أي كان من صفات أهل الجاهلية أنهم كانوا ينقصون في باب العبادات. ومثل المؤلف رحمه الله تعالى بقوله كتركهم الوقوف بعرفات. كان أهل الجاهلية عندهم الحج، فكانوا يحجون، وهذا كما قلنا تكرارًا ومِرَارًا يفيدنا في معرفة كيف كانت حياة العرب، وأن العرب لا كما يظن الكثير من الناس بأنهم ملاحدة أو أنهم زنادقة، ما كانوا يعرفون الله وما كانوا يعرفون العبادات، لا يا عبد الله، بل كانوا لهم حظ من العبادة، بل كانت العرب تعظّم قريشًا لأنهم هم أهل العبادة وأهل الحرم، فكان عندهم الصلاة وعندهم الحج وعندهم بعض العبادات، بل حتى قد أثبت وثبت عنهم أنهم كان عندهم الغسل من الجنابة، الغسل من الجنابة هذا كان معهودًا عند العرب. فكانت عندهم بقايا من دين إبراهيم عليه السلام، ومن هذه البقايا مسألة الحج، فكان الحج عندهم، إلا أن قريشًا أحدثت بعض التغيرات والمستجدات في صورة الحج، من تغيير في التلبية، في الأذكار والأوراد، زيادة في بعض الأفعال، أو كذلك قل نقصان، أنقصوا من شعائر الحج، ومن ذلك ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى من تركهم الوقوف بعرفات. إذا جاء موسم الحج، كان العرب جميعًا يؤدون مناسك الحج سوية، الطواف، السعي، يذهبون جميعًا إلى المزدلفة وإلى منى، لكن عند الذهاب إلى عرفات، فكانت قريش تقف لا تدخل إلى حدود عرفات، وإنما يذهب بقية الناس، بقية الناس يذهبون ويقفون عند عرفات، إلا قريش تبقى في مزدلفة لا تفارقها، لما؟ هل هو التقاعص والتكاسل؟ لا، بل أرادوا التعظيم، وهذا الذي نريده، هم أرادوا التعظيم، أرادوا التدين لله سبحانه وتعالى. وأين وجه التدين؟ وجه التدين لله عز وجل أنهم يزعمون أنهم هم أهل الحرم، ومن تعظيمهم لحرم الله أنهم لا يفارقون الحرم ولا حدود الحرم، فما كان يخرجون عن حدود مكة، ما كان يخرجون، فعرفات خارج الحدود، فلا يخرجون، وإنما يبقون، يقولون أنتم اخرجوا يا سائر العرب واخرجوا أنتم، أما نحن فلا نفارق الحرم ولا حدود الحرم. ففعلهم هذا، فماذا فعلوا؟ فأنقصوا من مناسك الحج، أنقصوا الوقوف بعرفات، لماذا هذا النقصان؟ هل هو التقاعص والتكاسل؟ لا، إنما التعظيم، التعظيم لله سبحانه وتعالى، وكان ذلك من باب التدين، وكانت هذا أمر قد رسخ عندهم، حتى جاء في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وهو يصف لنا حجة النبي عليه الصلاة والسلام، ذكر هذا الأمر عندما حانت المناسبة وحانت الفترة الزمنية في معرفة ما الذي سيفعله نبينا عليه الصلاة والسلام، هل سيبقى في مزدلفة أو أنه سينصرف إلى عرفات؟ قال جابر رضي الله عنه: قال ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع، كان القريش لا زالوا يظنون أن النبي سيتمسك بما كانت عليه قريش، أنه لن يتجاوز مزدلفة، لن يغادر المشعر الحرام. قال جابر: فكانت لا تشك لقوة الرسوخ لهذه الشعيرة التي جعلوها شعيرة، فقال فكان قريش لا تشك إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كان قريش تصنع. قال: فأجاز رسول الله حتى أتى عرفة، ومن هنا نزل قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، أي حالكم كحال الناس، أفيضوا من عرفات، فليس هناك مزية لكم. إذن ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى واضح الدلالة، فقوله رحمه الله تعالى نقصهم منها، أي نقصهم في باب العبادة، قال كتركهم الوقوف بعرفات، فكانت تركهم لهذه الشعيرة تدينًا لله سبحانه وتعالى. وهذا قد مر معنا في درس أمس أن العلماء قد جعلوا البدع تنقسم إلى قسمين: إلى بدع فعلية وإلى بدع تركية، كما أنك بزيادتك في بعض الأمور عن الدين يدخلك في حد البدعة، كذلك قل في باب النقصان، فأحيانًا نقصانك لدين الله، نقصانك لبعض شعائر الدين يدخلك أيضًا في حد البدعة، وهذا ما يسميه العلماء بالبدعة التركية. فما ضابط البدعة التركية؟ جعل العلماء لهذا ضابط يذكر في هذا المقام حتى نستوعب ما هذا النوع من أنواع البدعة الذي قد وقع عند العرب قديمًا، وكذلك وقع في مجتمعات المسلمين، فعرف من عرف من أهل العلم البدعة التركية بأنها ترك ما هو مباح في الشرع، ترك ما هو مباح في الشرع أو مطلوبًا إيجابًا أو ندبًا استحسانًا، أو مطلوبًا إيجابًا أو ندبًا استحسانًا. هذا الضابط بالنظر والتأمل فيه تعرف ما المقصود بالبدعة التركية، فقولنا أو قولنا يقول بأنه ترك، إذن البدعة التركية يكون فيها ترك وليس فيها فعل، لأن فعل يدخلنا في البدعة الفعلية، لا نريد الآن الضابط في البدعة التركية، فيتميزت عن باقي البدعة أن فيها ترك. فقال الترك ما هو مباح في الشرع أو مطلوبًا إيجابًا أو ندبًا، أخرج ذلك المكرهات والمحرمات، أخرج ذلك المكرهات والمحرمات، لأن ترك المحرمات وترك المكرهات ما يسمى بدعة، ترك المحرمات والمكرهات ما يسمى بدعة، بل هذا مطلوب شرعًا، فإن ترك المحرم واجب، ترك المحرم واجب، وترك المكروه مطلوب ومرغب فيه، ويثاب فاعله، ويثاب فاعله. فقولنا إذن من شرط البدعة التركية أنك تترك ما كان مباحًا أو ما كان مستحبًا أو ما كان واجبًا، أما ترك المكروه والمحرم فهذا لا يدخلك في حيز البدعة، بل أنت مطالب بأن تترك المحرمات والمكروهات. فقال ترك ما هو مباح في الشرع أو مطلوبًا إيجابًا أو ندبًا استحسانًا، وهذا قيد مهم، أن التارك للمباحات والتارك للواجبات أو التارك للمستحبات يدخل في حيز البدعة إذا ترك من باب الاستحسان، ترك ذلك من باب استحسان. فخرج بهذا إن كان تركه ليس من باب الاستحسان، مثاله كمن أبتلي بعذر كعذر المرض، رجل ترك مباح، ترك مندوب، ترك واجب، ترك هذه الأشياء بحجة المرض، هل هذا يسمى مبتدع؟ لا، ما يسمى مبتدع، وفعل هذا لا يدخل في حيز البدعة، أو ترك ذلك تكاسلًا أو ترك ذلك تأويلًا، كل ذلك لا يدخله في حد البدعة، إنما يدخله في حيز البدعة إذا ترك ذلك استحسانًا. إذا ترك ما هو مباح في الشرع أو مطلوبًا ندبًا أو إيجابًا استحسانًا، تأتي مسألة هنا وهي نوضح بها المثال، قد يقول قائل: وهل معنى هذا أن من ترك الواجب أو من ترك المستحب يسمى فعله بدعة ويكون مبتدع؟ التفصيل الآتي. يقول علماء: أن التارك للمطلوب شرعًا، التارك للمطلوب الشرعي هو على أحد أمرين، أو قل على نوعين من الضروب، إما أنه يترك ذلك لغير تديّن، يترك ذلك لغير تديّن، كمن يترك الواجب ليس تدينًا وإنما تقاعسًا وتخاذلًا، يترك المستحب تقاعسًا وتكاسلًا وتخاذلًا. فمن ترك المطلوب الشرعي وتركه ليس من باب التديّن، فهذا فعل مخالف للأمر، فإن كان تركه للواجب فهي معصية، وإن كان تركه للمستحب فهي ليست معصية، لكن نأتي للنوع الثاني، إن كان تركه للواجب والمستحب من باب التديّن، إن كان تركه للواجب والمستحب من باب التديّن، فهذا الذي يوصف فعله بأنه بدعة. هذا واجب شرعي فيتركه، لماذا يتركه؟ تدينًا لله، هذا أمر مستحب، لماذا ترك المستحب؟ تدينًا لله، فإذا وجدت هذه النية وهذا المقصد أن ينقص من شرعي لا تدينًا لله، هذه هي البدعة، وصاحبه مبتدع. وقد مثل علماء بأمثلة كثيرة من هذا الباب، كمن يريد أن يترك الطعام تدينًا لله عز وجل، يقول هذا الفعل منك ابتداء، هذا الفعل منك ابتداء، وهكذا من أراد أن يترك مثل أن يترك الزواج، وغثبت في الصحيح أن جماعة من الصحابة استأذنوا النبي عليه الصلاة والسلام بالإخصاء، بالإخصاء لن يخص أنفسهم حتى يتجنبوا غشيان وقربان الأزواج، وقصدهم من ذلك التقرب لله سبحانه وتعالى، فهذا قطع للنسل، هذا نقص، فنهاهم نبينا عن ذلك، نهاهم عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وأيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، عندما جاء الثلاثة سألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فكان من عزم بعضهم أنه قال: وأما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، والزواج أمر شرعي، الزواج أمر شرعي، فهذا ترك الزواج، لماذا ترك الزواج؟ استحسانًا تدينًا لله عز وجل، فنها نبينا عن ذلك، حتى قال: من رغب عن سنتي فليس مني، دل أن فعله هو خلاف السنة، أن فعله خلاف السنة يدخله في المحدثات. ومثل ما جاء في رواية في صحيح مسلم أن أحدهم قال: وأما أنا فلا آكل اللحم، فلا آكل اللحم، فنهاهم نبينا عن ذلك، لما في ذلك من النقصان في باب التعبد، أو قل نقصان في أمر أباحه الله جل وعلا تدينًا. فعلى هذا يا عبد الله لنتصور الصورة الحقيقية للبدعة التركية، البدعة التركية هو أنك تترك ما هو مباح لك في الشرع أو مرقب فيه، إما طلب إيجاب أو طلب استحباب، تترك ذلك كله من باب التدين استحسانًا، وماذا تعظيمًا لدين الله أو طلب القرب لله سبحانه وتعالى. فمن فعل ذلك فإن هذا الفعل ماذا يدخله في حيز البدعة، وما يسميه العلماء بالبدعة التركية، التركية، وقس على ذلك الصور كثيرة، ومن أعظم هذه الصور ما نسمعه من بعض الغلاة من أهل البدع ممن يدعي أن التكاليف قد سقطت عليه، أن التكاليف قد سقطت عليه، فيترك الواجبات ويترك المستحبات، فلا يصلي مع المصلين، ولا يصوم مع الناس في رمضان، فإذا سئل لما لا تفعل ذلك؟ يقول: خلاص أنا سقطت عني التكاليف، اعتعبُّدًا لله، يترك التكاليف تعبُّدًا لله، هذا أوقعه في البدعة. ولو أن رجلًا من الناس عباد الله ترك واجب، ترك واجب تكاسلًا، ويدخل في حد البدع معصية، لهو أحب إلى الله جل وعلا من أن يترك الواجب تدينًا فيدخل في البدعة، لأن البدعة أضر على صاحبها في الدنيا والآخرة من المعصية، انتبه يا عبد الله، انتبه يا عبد الله، لا تجعل أمر سيّان. يقول: ما ذا الذي يفعل يترك الواجب لغير تديّن هو عاصي، والذي يترك الواجب بتديّن هو مبتدع، هذا سوى هذا، سوى مبتدع ومعصية، كله على مخالفة، نقول: نعم هو كله على مخالفة، لا شك في ذلك ولا ريب، لكن حانانيك بعض الشر أهوى من بعض. وقد ذكر العلماء كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن البدعة أشد وأخطر من المعصية بالسنة والإجماع، بإجماع الأمة على أن آثار البدعة أعظم عند الله من آثار المعصية. فالحاصل رحمكم الله أن ما ذكر المؤلف رحمه الله واضح الدلالة، من أن من فعل أهل الجاهلية أنهم كانوا ينقصون في باب التعبد تدينًا لله سبحانه وتعالى، وهذا يعتبر مخالفة من المخالفات، فليس الشأن كل الشأن يا عبد الله أنك تتدين لله، وإنما الشأن كيفية التدين لله سبحانه وتعالى. فإن كان التدين على الكتاب والسنة فنعم التدين، لكن على خلاف ذلك زيادة أو نقصان، فإن ذلك محذور، وإن ذلك كذلك محذور، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.