الدرس في شرح فتح المجيد 129، ألقاها
المحور يشرح معنى إنكار نعم الله ونسبتها إلى غيره، ويبين أنه يعد نوعًا من الشرك الأصغر وكفر النعم. يستشهد بآيات قرآنية لتوضيح ذلك.
هذا المحور يشرح أقسام إضافة النعمة إلى غير الله، ويبين آراء العلماء في تفسير الآية التي تتحدث عن معرفة نعمة الله ثم إنكارها. يوضح أن إضافة النعمة إلى غير الله قد تكون شركًا أكبر أو أصغر.
المحور يبين حكم إضافة النعم إلى غير الله، ويؤكد وجوب إضافة النعم إلى الله وحده. يشرح أيضًا جواز ذكر السبب بفضل الله أولا وآخرا، ويستحب أن يُقال بفضل الله ثم بفضل الشخص الذي كان سببا.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. قال مجاهد: ما معناه هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. وقال قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾، المراد بهذه الترجمة في كتاب التوحيد التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله، وضده باب من أبواب الشكر، أي نسبة النعم إلى الله جل وعلا من باب الشكر، كما أن نسبة النعم إلى غير الله جل وعلا من باب الشرك الخفي الأصغر. فالباب له تعلق بتوحيد الربوبية باعتبار إضافة النعم إلى الله أو إلى غيره، فباعتبار إضافة النعم إلى الله هذا هو الحق، وباعتبار إضافة النعم إلى غيره يكون هذا من الشرك في الربوبية. وكذلك له تعلق بتوحيد الألوهية باعتبار شكر الله عليها، والشكر من العبادات، وعدم الشكر بإضافتها إلى غير الله جل وعلا من كفر النعم. قال مجاهد: ما معناه هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي، وهذا من باب إضافة النعمة إلى غير الله، من باب إضافة النعمة إلى غير الله. وهذا نوع كفر بالله جل وعلا وشرك بالله جل وعلا، وهو من قبيل الشرك الأصغر. يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، أي أن نعم الله جل وعلا يعرفونها ويعلمون أنها من الله لا من غيره، ومع هذا ينكرونها باعتبار إضافتها إلى غير الله جل وعلا، ونسوا المنعم الحقيقي الذي هو الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: ﴿فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾. وقال الله جل وعلا عن قارون وقومه: ﴿إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ إلى آخر الآية. قال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا، وهذا أيضا من هذا الباب، وهو من باب إضافة النعم إلى السبب، وقطع النظر عن المنعم الحقيقي الذي هو الله جل وعلا. وأما قول قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا، فهذا نوع شرك أكبر، لأنه اعتقد في غير الله جل وعلا أن لهم القدرة على الشفاعة، وهذا من الشرك الأكبر. فالحاصل أن إضافة النعمة إلى غير الله جل وعلا على أقسام: منها ما هو شرك أكبر، ومنها ما هو شرك أصغر. فمن أضاف النعمة إلى غير الله معتقدا أن غير الله هو الموجد لهذه النعمة، فهذا شرك أكبر. ومن أضافها إلى سبب وهمي، فهذا أيضا من الشرك الأصغر. قال الشارح رحمه الله تعالى: ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما ذكر بعض العلماء في معنى الآية، وقال ابن جرير: فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنى بالنعمة، فذكر عن سفيان عن السدي: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، قال: محمد صلى الله عليه وسلم. وروى عن مجاهد: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها والسرابيل من الحديد والثياب. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما أنعم الله تعالى به عليهم من عند الله، ولكنهم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم. وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيد لهم من رزقكم أقروا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم ينكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل: لا تنافى فيما ذكره هؤلاء المفسرون في هذه الآية، وهو كما ترون واضح وصريح. قال قوله: قال مجاهد، هو شيخ التفسير، الإمام الرباني مجاهد بن جبر المكي، مولى ابن مخزوم، يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات، أقف به عند كل آية، وأسأله فيما نزلت وكيف معناها. قال الشارح رحمه الله تعالى: ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما ذكر بعض العلماء بمعناها. وقال أبو العباس: بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، الحديث، وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف انعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذق، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير، يعني كما هو ظاهر أن بعض الناس يضيف النعمة إلى غير الله جل وعلا، وهذا مذموم، لا سيما إذا كان مع تناسي المنعم بها حقيقة وهو الله جل وعلا. قال شيخ الإسلام: وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة. وكلام شيخ الإسلام يدل على أن حكم هذه الآية عام فيما نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها، وأسند أسبابها إلى غيره. فالحاصل أن النعمة باعتبار وصولها إلى العبد وباعتبار توفر أسبابها وباعتبار دفع ما يعارضها ويناقضها هي من الله جل وعلا أولا وآخرا. فالله جل وعلا هو المستحق لإضافة النعم إليه سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، وهنا نعمة نكرة في سياق النفي، تفيد العموم، فما بنا من نعمة سواء كانت الأسباب التي هيئت أو العوارض التي دفعها أو إيصال ما أردناه أو دفع ما كرهناه، إنما هو بفضل من الله جل وعلا أولا وآخرا. فإذا كان الأمر كذلك، فيجب على العباد أن يضيفوا النعمة إلى الله جل وعلا وحده، والسبب لا ينظر إليه إلا بأنه سبب. واضح جماعة، بمعنى إنسان جاء لإنسان بمال، قال: هذا المال لك. الآن من الذي هيأ وقدف في قلب هذا العبد أن يأتي بذلك المال إلى ذلك الرجل وينفق على ذلك الرجل ويتصدق على ذلك الرجل؟ هو الله جل وعلا. فالحاصل أن السبب إذا نسب إليه بهذا المعنى بأنه من الله، الله هو الذي هيأه والله الذي سخره والله جل وعلا هو الذي أمده وعاناه حتى وفقه إلى إيصال تلك النعمة إلى ذلك العبد. قد يقول لنا قائل: إذن هل لنا أن نقول أن نضيف النعمة باعتبار السبب؟ الجواب أن بعض أهل العلم يقول: في مثل هذه الصورة لا بأس أن يقال: فلان جاءني هذا المال بسبب فلان. قالوا: بهذا الاعتبار. وبعض أهل العلم ظاهر كلامهم بأن النعم لا تضاف إلا إلى الله، لا باعتبار السببية وباعتبار غيرها. فتضاف النعم إلى الله جل وعلا مطلقا، وإن كان ولا بد فيقال: بفضل الله جل وعلا أولا وآخرا، ثم بفضل فلان، أي باعتبار أنه سبب. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.