الدرس في كتاب الصلاة 5، ألقاها
يتناول هذا الفصل شرط ستر العورة في الصلاة، حيث يُشرح مفهوم العورة للرجل والمرأة وما هي الشروط لسترها بشكل صحيح. يستند الشرح إلى أدلة من الأحاديث النبوية ويوضح أحكام عورة الرجل والمرأة في الصلاة.
يتناول هذا الفصل ضوابط لباس المرأة وحدود ما يجوز كشفه في الصلاة، كما يتناول حكم الصلاة في ثوب أو دار مغصوبة، وضوابط لبس الحرير والذهب للرجال والنساء. يُوضح الفصل الأحكام الفقهية المتعلقة بلباس المصلي.
يتناول هذا الفصل حكم الصلاة في ثوب واحد وستر العورة، حيث يُجمع بين حديثي أبي هريرة وجابر بن عبد الله بأن الأول يُحمل على من كان عنده ثوب واسع، والثاني على من لم يكن عنده إلا إزار ضيق. كما يشير إلى قاعدة فقهية هامة تنص على عدم وجود واجب مع العجز وعدم وجود محرم مع الضرورة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على بعض شروط الصلاة، ونأخذ بإذن الله تبارك وتعالى في هذا اليوم ما تيسر من شروط الصلاة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: الشرط الثالث ستر العورة بما لا يصف البشرة. وهذا كما ذكر رحمه الله تعالى كذلك شرطٌ من شروط الصلاة. واستدل له العلماء رحمهم الله تعالى بأدلة من أشهرها حديث عائشة عند أبي داود وغيره: «لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار»، وهو حديثٌ حسن بمجموع طرقه. الشاهد: «لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار»، فدل على أن ستر العورة من شروط الصلاة؛ لأنه كما سيأتي معنا أن من عورة المرأة الرأس. فقوله رحمه الله تعالى: ستر العورة بما لا يصف البشرة، وقوله رحمه الله تعالى: بما لا يصف البشرة، أي بساترٍ لا يُظهر البشرة؛ إذ معناه أن يكون فيه غلظة بحيث يكون ساترًا للبشرة، وسواء كان ذلك الساتر بثوب قطن أو غير ذلك من اللباس المشروع. قال رحمه الله تعالى: وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها. قوله رحمه الله تعالى: وعورة الرجل والأمة، الأمة ضد الحرة وهي المملوكة. وقوله رحمه الله تعالى: وعورة الرجل ما بين السرة والركبة، يدل على ذلك ما جاء في حديث جرهد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «غطي فخذك؛ فإن الفخذ عورة»، وهو حديث حسن به شواهده وطرقه الذي في الباب. وجاء أيضًا من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه: «أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة». وهذا الحديث رواه الدارقطني والبيهقي، ولكنه ضعيف؛ بل ضعيف جدًا كما نبه على ذلك وبين العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه «إرواء الغليل». فالشاهد أن في قوله: «غطي فخذك؛ فإن الفخذ عورة»، دل على ما تقدم ذكره، وهذا هو القول الراجح في المسألة. فعورة الرجل ما بين السرة إلى الركب لحديث جرهد المذكور. وجاء في حديث أنس في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه، قال أنس: حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستدل بعض العلماء بحديث أنس رضي الله عنه وأرضاه على أن فخذ الرجل ليس بعورة. والصحيح بأنه عورة، ولكن كما قال علماء رحمهم الله تعالى: حديث أنس يحمل على أن ذلك كان وقت انشغال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالغزو والقتال، فيحمل على هذا المعنى أنه كان منشغلًا عن ذلك بالغزو والقتال؛ لأنه كما ذكر أن ذلك كان يوم خيبر، لم يكن ذلك في حال الدعاء والاطمئنان والراحة، وإنما كان كما ذكر في حال الغزو، وحال الغزو ربما ينشغل إنسان بأمور القتال ونحوها عن مثل هذه الأمور. استدل العلماء رحمهم الله تعالى بحديث أنس المذكور على أن عورة الرجل عورتان: عورة مغلظة لا يجوز كشفها إلا عند الضرورة، وهما السوأتان: القُبُل والدُّبُر، وهذه عورة مغلظة فلا يجوز إظهارها بحال إلا عند الضرورات. وعورة أخرى مُخففة قد يحتاج الإنسان إلى كشفها عند الحاجة، وهي من عورة الرجل الفخذ. وبهذا يُستطاع الجمع بين حديث أنس وبين حديث جرهد وما جاء في الباب. وقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى ذكر حديث جرهد معلقًا، وذكر أيضًا حديث أنس رضي الله عنهم جميعًا، وقال: حديث أنس أصح، وحديث جرهد أحوط؛ أو بهذا المعنى. فالحاصل من هذا أننا نخلص بأن الصواب والصحيح في عورة الرجل أنها ما بين السرة إلى الركبة، وأن للرجل عورتين: مغلظة ومخففة، ولا يجوز كشف العورة لغير حاجة. ومن كشف عورته لغير حاجة في الصلاة، أو صلى في ثوب رقيق تظهر منه عورته، فإن صلاته لا تصح؛ لأن ستر العورة في الصلاة من شروط الصلاة. وقوله رحمه الله تعالى: والأمة، أي أن الأمة عورتها كعورة الرجل؛ وذلك لما رواه شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإنما تحت السرة إلى الركبة عورة». يريد الأمة، ويدخل فيه كذلك العبد. فتكون عورة الرجل وعورة المرأة الأمة ما بين السرة إلى الركبة. وكذلك كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن الأمة ليس من عورتها الرأس اتفاقًا؛ أي تغطية الرأس، بل كنا النساء الإماء كنا نؤمر بأن لا نغطي رؤوسهن حتى لا يتشبهن بالحرائر. قال رحمه الله تعالى: والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها. قوله رحمه الله تعالى: والحرة كلها عورة، لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه كما في مسند أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة عورة؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان». الحديث. الشاهد: «المرأة عورة»، فعمم الحكم. والعلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة خاصة اختلفوا فيما هو المباح للمرأة كشفه من جسدها. فمنهم من ذهب إلى أن المرأة كلها عورة إلا الوجه واليدين، أي الوجه والكفين. ومعنى هذا أنه يجوز للمرأة أن تكشف في الصلاة عن وجهها وكفيها، ولا يجوز لها أن تتجاوز ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن القدمين أيضًا مما يشملها عدم العورة في الصلاة؛ بمعنى أن المرأة إذا صلت كاشفةً عن وجهها وكفيها وكذا قدميها، فإن صلاتها صحيحة. وبالأول قال الجمهور، وبالثاني ذهب أبو حنيفة، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فالحاصل أن مسألة عورة المرأة في الصلاة: إما الوجه والكفين على قول الجمهور، وإما زيادة على ذلك كذلك القدمين. بمعنى أن لو كشفت قدميها مع كفيها وكذلك وجهها، فإن صلاتها تكون صحيحة. مع التنبيه على أن هذا يكون في مكان لا تُرى فيه المرأة بين الرجال الأجانب؛ بمعنى أن المرأة إذا كانت بين الرجال الأجانب، فإنها تغطي كل شيء. قال رحمه الله تعالى: ومن صلى في ثوبٍ مغصوب أو دارٍ مغصوبة لم تصح صلاته. لماذا لم تصح صلاته؟ قالوا: لأن النهي يقتضي الفساد، ولا سيما إذا كان ملابسًا للعبادة. قالوا: والأمر هاهنا كذلك؛ لأن الثوب المغصوب أو الدار المغصوبة محرمة، وأنه يقتضي الفساد. فمن صلى فيها أو بها، فإن صلاته لا تصح. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: صحة الصلاة في الثوب المغصوب، وكذا في الأرض أو الدار المغصوبة؛ وذلك لأن جهة النهي غير جهة الأمر، والقاعدة عند المحققين من العلماء رحمهم الله تعالى: أن جهة النهي إذا كانت غير جهة الأمر، فإن الأمر يكون صحيحًا مع وجود الإثم بسبب تلبسه وفعل ذلك المحرم. قال رحمه الله تعالى: لبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال إلا عند الحاجة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرير والذهب: «هذان حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثهم». قال رحمه الله تعالى: ومن صلى طيب... وقوله رحمه الله: ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال؛ لأحاديث كثيرة جاءت في الباب من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذهب وكذلك الحرير: «هما حرام على ذكور أمتي، حلال على إناثها»؛ أو كما قال صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وقوله رحمه الله تعالى: إلا عند الحاجة؛ لحديث أنس في الصحيحين من أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام اشتكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحكة، وفي رواية: من القمل، فأذن لهما النبي صلى الله عليه وسلم بلباس الحرير. فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى بحديث أنس على جواز لبس الحرير للحاجة. والقاعدة عند العلماء رحمهم الله تعالى: أن ما نهي عنه نهي وسائل، فإنه يجوز للحاجة. وما نهي عنه نهيًا مقصودًا لذاته، فإنه لا يجوز إلا للضرورة. قال رحمه الله تعالى: ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك. فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها. فإن لم يكفي جميعها ستر الفرجين. فإن لم يكفيهما ستر أحدهما. فإن عدم الستر بكل حال صلى جالسًا يومئ بالركوع والسجود، وإن صلى قائمًا جاز. قال رحمه الله تعالى: ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو مكانًا نجسًا صلى فيهما، ولا إعادة عليه. هذه جملة من المسائل المذكورة في هذا الشرط. أولها قوله رحمه الله تعالى: ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك. فهذا منطوق ومفهوم. فمنطوقها: أن من صلى بهذه الحال أو على هذه الحال أن صلاته صحيحة. ومفهومها: أن من لم يصل على هذه الحال بأن صلاته غير صحيحة. وهي رواية عن أحمد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «لا يصلي الرجل وليس على عاتقيه من ثوبه شيء». والحديث متفق عليه. والشاهد منه: «لا يصلي»، فهذا نهي. والأصل في النهي أنه يقتضي الفساد؛ ولا سيما إذا كانت الجهة واحدة، أو كان النهي عائدًا إلى شرط ذلك الأمر أو وصف ملازم له. وأما إذا كان عائدًا إلى ذات الأمر، فإنه يكون فاسدًا أو يقتضي الفساد بلا خلاف. والأمر هاهنا وقع فيه إشكال: هل هذا النهي يقتضي الفساد أم لا؟ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الرواية: أن من صلى في ثوب واسع ولم يضع على عاتقه من ذلك الثوب شيئًا، فإن صلاته لا تصح. فجعل ستر العاتقين من عورة الصلاة بالنسبة للرجل. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ذلك ليس بشرط في الصلاة؛ بل وذهب منهم إلى أنه ليس بواجب. واستدل على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه صلى بإزار واحد، ورداءه على المشيب من غير أن يغطي عاتقيه، وهو كاشف أو حاسر على عاتقيه. فلما قضى صلاته وقيل له: كيف صليت على هذه الحال؟ فقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: لأجل أن يراني جاهل مثلك فيقول لي كما قلتك. «لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون كذلك»؛ أو قال: «وهل لكل واحد منكم إزاران؟». فالشاهد من هذا أن حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه سدل به العلماء رحمهم الله تعالى على صرف ظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه يحمل على الأكملية؛ فيكون: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء»، هذا على سبيل الكمال لا على سبيل الشرط. قال رحمه الله تعالى: فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها. وهذا مصير من الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى إلى التفصيل الذي ذكره بعض العلماء جمعًا بين حديث جابر وحديث أبي هريرة: من أن حديث أبي هريرة يحمل على من كان عنده ثوب واسع، وحديث جابر يحمل على من لم يكن عنده إلا إزار ضيق. فمن كان عنده إزار ضيق لا يكفي إلا لستر عورته، ستر عورته وأجزأه ذلك. ومن كان عنده ثوب واسع فإنه يستر على عاتقيه ويغطي على منكبيه. قال رحمه الله تعالى: فإن لم يكفي جميعها ستر الفرجين؛ لأن ستر الفرجين ستر للعورة المغلظة. فإذا كان ما عنده الثوب إلا ما يكفي ذلك، فعلى ذلك وأجزأه؛ أي ستر العورة المغلظة وأجزأه. قال: فإن لم يكفيهما ستر أحدهما؛ لأنهما سوأتان وهما سواء في الستر أو في وجوب الستر. وهذا قد تصور الجماعة في إنسان مثلًا حرقت ثيابه، ما بقي معه إلا قطعة حضرت وقت الصلاة، أو رجل كان في سفر في مكان سرقت ملابسه، جاءوا قطاع الطريق فسرقوا كل ما عنده ما أبقوا له إلا قطعة، فماذا يصنع؟ قال: فإن عدم الستر بكل حال، أي ليس عنده شيء، صلى جالسًا يومئ بالركوع والسجود، وإن صلى قائمًا جاز. وهذا كما يقال: اجتهد؛ يعني يجتهد؛ لأنه بين أمرين: القيام رفعه، وستر العورة شرط، فصار الأمر مرجوحًا. ماذا يصنع؟ فيصلي قاعدًا؛ إن فعل ذلك أجزأه. فإن استطاع وصلى قائمًا، فإن ذلك أيضًا يجزئه؛ لأن هذا يكون في حالة اجتهاد. قال رحمه الله تعالى: ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو مكانًا نجسًا صلى فيهما، ولا إعادة عليه. يعني: مثال ذلك كذلك لو أن إنسانًا مثلا ربطه لصوص أو كان في سجن، وحصل منه مثلا أن صارت نجاسة في ثوبه، حضرت وقت الصلاة يريد أن يصلي، ماذا يصنع؟ ما عنده إلا ذلك ثوب النجس وتلك الأرض النجسة التي هو فيها، فماذا يصنع؟ يقال له: اتق الله ما استطعت، صلي على أية حال؛ صلي على أية حال. «فلا واجب مع عجز، ولا محرم مع ضرورة»، هذه قاعدة من القواعد الفقهية التي يذكرها الفقهاء. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.