كتاب الصلاة 20

الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها

الساعات المنهي عن الصلاة فيها وتعدادها

المقطع يتناول شرح الإمام موفق الدين بن قدامة للساعات التي نهي عن الصلاة فيها، ويعدد الأوقات الخمسة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. يستند إلى أدلة من السنة النبوية.

أوقات النهي عن الصلاة واستثناءاتها

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثلاث أوقات، مع وجود استثناءات مثل إعادة الجماعة وركعتي الطواف. هذه الاستثناءات تبيح الصلاة في أوقات النهي في حالات معينة.

حكم قضاء الصلاة الفائتة لعذر والتأني فيها

إذا نام الإنسان عن صلاة أو نسيها، فعليه أن يصليها متى ذكرها، مع التأني في أدائها خاصة في آخر الوقت. التأني يجعل الصلاة أكثر إتقانًا ويُجنب الأخطاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم قال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب الصلاة منه: باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، أي التي جاء فيها النهي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن الصلاة فيها. وقوله رحمه الله تعالى: «باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها»، قوله «نهي» كما سمعتم جاء النهي فيها، ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى منهم من حمل هذا النهي على الكراهة مطلقًا في جميع الأوقات الآتي ذكرها، ومنهم من فصل في أحكام تلك الأوقات فجعل منها ما هو محرم ومنها ما هو مكروه، ومنهم من جعلها كلها محرمة إلا أن بعضها أشد في الحرمة من بعض، وهذا هو الصحيح، وسيأتي الكلام على هذه الأوقات وعلى بيان ما هو محرم لذاته وما هو محرم تحريم وسائل في ثنايا الكلام على هذه الأوقات بإذن الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: «باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها وهي خمس»، أي خمس ساعات نهي عن الصلاة فيها، والمقصود بالساعة ليس الساعة التي نعرفها اليوم في عرفنا، ولكن المقصود بالساعة الزمن والوقت. فقوله «باب الساعات» أي الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، قال «وهي خمس»: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، هذا هو الوقت الأول. بعد الفجر حتى تطلع الشمس، قال «وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح»، وهذا هو الوقت الثاني بعد طلوعها، أي طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح. وعند قيامها حتى تزول، وهذا هو الوقت الثالث عند قيامها، أي في وقت الظهيرة حتى تزول، أي حتى تزول عن كبد السماء. قال «وبعد العصر حتى تتضيف الشمس للغروب»، ومعنى «بعد العصر» أي بعد صلاة العصر حتى تتضيف الشمس للغروب، ومعنى «تتضيف» أي تشرف وتقرب من الغروب، هذا هو الوقت الرابع. والخامس قال «وإذا تضيفت حتى تغرب»، وإذا تضيفت حتى تغرب، وهذا هو الوقت الخامس. أولًا دل على النهي عن هذه الأوقات، دل على النهي عن هذه الأوقات أو عن الصلاة في هذه الأوقات أدلة كثيرة من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. منها ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: شهد عندي رجال مرضيون أرضاهم، قال وأرضاهم عندي عمر، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وهذا هو الوقت الأول عن الصبح حتى نهى عن الصلاة بعد الصبح، أي بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس، ومقدار ذلك كما جاء في الحديث الآخر: حتى ترتفع قيد رمح. قال «وبعد العصر حتى تغرب الشمس»، أي حتى يغرب ويغيب قرص الشمس ويدخل وقت المغرب. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس»، وهذا كذلك بمعنى حديث عمر السابق. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه وأرضاه قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وهذا وقت طلوع الشمس بعد صلاة الفجر، أي النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وهذا فيه من وقت طلوع الشمس حتى ترتفع، فهو الوقت الثاني على ترتيب العلامة أو الإمام بن قدامة رحمه الله. قال «وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل»، وهذا هو الوقت الثالث على ترتيب الإمام بن قدامة رحمه الله، وهو وقت الزوال، أي في وقت الظهيرة، وقت الزوال في وقت الظهيرة. قال: طيب، قلنا جاء في صحيح مسلم الحديث عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب. هذه أوقات ثلاثة. وهذه الأوقات الثلاثة يقول علماء رحمهم الله تعالى: هي في الحرمة أشد حرمة من الوقتين الباقيين من الخمسة الأوقات؛ لأن النهي عن هذه الأوقات نهي لذاته لما ذكر من تعاليل في هذه الأوقات الثلاثة. وأما الوقت الذي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، تحريمه تحريم وسائل للوقت الذي يليه، وكذلك تحريم الوقت الذي بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، كذلك تحريمه تحريم وسائل عن الصلاة في وقت غروب الشمس؛ وذلك أن الصلاة في وقت طلوع الشمس وفي وقت غروبها جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن الشمس تشرق وتغرب بين قرنين شيطان. فمن صلى والهيئة هذه كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: فيه معنى من معاني الصلاة إلى الشيطان أو بهذا المعنى، ففيه كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: قطع وسائل الشرك بالله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان في هذه الصورة تكون هيئته وصورته كأنه يسجد للشيطان. قال الإمام بن قدامة رحمه الله تعالى: «فهذه الساعات لا يصلى فيها تطوعًا»، أي ينهى عن الصلاة فيها تطوعًا، والمقصود ها هنا بالتطوع التطوع المطلق. لذا استثنى رحمه الله تعالى بعض الصلوات فقال: «إلا إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد»، أي لمن صلاها في مسجد آخر قبل ذلك أو صلاها في رحله. من صلى الجماعة في مسجد آخر ثم أتى مسجدًا والناس يصلون صلاة الصبح، فإنه يصلي معهم يصلي معهم جماعة؛ لما جاء في الصحيح من حديث بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء من حديث جابر بن يزيد عن أبيه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الفجر، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه. فقال: «ما منعكم أن تصليا؟» فقال: يا رسول الله صلينا في رحالنا. فقال: «لا تفعلوا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة». والحديث رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح. وكذلك جاء بمعناه من حديث عمران بن حسين رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح. وكذلك قال رحمه الله تعالى: «وركعتي الطواف بعده»، أي بعد الطواف إذا طاف المسلم بالبيت الحرام وأراد أن يصلي لله تبارك وتعالى ركعتي الطواف، فله أن يصلي ركعتي الطواف ولو كان الوقت وقت نهي. لما جاء عند الترمذي وغيره من حديث جابر بن المطعم رضي الله عنه وأرضاه بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار». الشاهد «وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار»، فدل هذا الحديث على أن من طاف بالبيت فله أن يصلي في أي وقت شاء. وهذه الأدلة بعمومها كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: عارضت في ظاهرها أحاديث النهي في عمومها؛ لأن أحاديث النهي عامة، أحاديث النهي عامة مع النهي في تلك الأوقات، وهذه الأحاديث جاءت كذلك عامة في جواز الصلاة في كل وقت، ويدخل فيها وقت النهي. لذا كان هذا كما يسميه العلماء رحمهم الله تعالى: من باب تعارض الأدلة، أي فيما يبدو للناظر والمجتهد، ويجمع بينها المجتهد فيما يظهر له من أنواع الجمع والترجيحات بين الأدلة التي ظاهرها التعارض. العلماء رحمهم الله تعالى في مثل هذا المقام رجحوا: جماعة منهم رجح الأدلة الدالة على الصلاة التي يسميها العلماء رحمهم الله تعالى: بالصلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي؛ وذلك لأن عموم جواز هذه الصلوات التي هي من الصلوات ذوات الأسباب، عمومها محفوظ، وقابله وعارضه عموم النهي، وعموم النهي غير محفوظ. والقاعدة عند العلماء كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن القاعدة في هذا إذا تعارض عام محفوظ وعام غير محفوظ، قدم العام المحفوظ؛ لأنه أقوى في الدلالة على معناه من الآخر؛ لأن الآخر قد أضعفه قد ضعف عمومه بما استثني منه، فكان العام المحفوظ أقوى فيقدم على العام غير المحفوظ. قال رحمه الله تعالى: «وقضاء السنن الرواتب في وقتين منها»، وهما بعد الفجر وبعد العصر، أي ما فاتتهم الراتبة لعذر، فلو أن يصليها في الوقت الآخر، فلو أن إنسانًا نام عن صلاة الفجر فما قام إلا وقت الإقامة، فتوضأ وأدرك صلاة الجماعة وما صلى ركعتي راتبة، فله أن يصليها بعد الصلاة. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز قضاء المفروضات في جميع الأوقات». وقوله رحمه الله تعالى: «ويجوز قضاء المفروضات في جميع الأوقات»، في هذه الفقرة مسألتان: المسألة الأولى من فاتته صلاة لعذر من الصلوات المكتوبات، مثلًا إنسان نام عن صلاة الفجر فما قام إلا قبل طلوع الشمس، أو عن صلاة العصر فما قام إلا عند غروب الشمس، فماذا يصنع؟ يصلي الصلاة كما دل على ذلك أحاديث، وأدلها قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وكما جاء كذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود، وجاء كذلك بنحو من حديث علي رضي الله عنهم جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا، شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر»، قال: «فما صلاها حتى كادت الشمس أن تغيب»، أشهدنا صلاة في ذلك الوقت لغفلته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عنها بسبب الأحزاب الذين تكالبوا عليه صلوات الله وسلامه عليه. فالحاصل أن هذه الأدلة وما جاء في معناها تدل على هذا المعنى: على أن الإنسان إذا نسي الصلاة أو نام عنها فإنه يصليها متى ذكرها. هذه المسألة الأولى، وفيها دلالة على أنه يصليها متى ذكرها، سواء كان في وقت نهي أو لم يكن في وقت نهي من باب أولى. المسألة الثانية: أن صلاتهم لتلك الصلاة التي نسيها أو نام عنها هل تسمى أداءً أو قضاءً؟ الصلاة التي فاتت عليه فما ذكرها إلا في آخر وقتها أو ذكرها بعد خروج وقتها، هل تسمى هذه الصلاة أو تسمى صلاة لهذه الصلاة أداءً أم قضاءً؟ قولان للعلماء، أي منهم من يسميها أداءً، ومنهم من يسميها قضاءً. والراجح الأول: الصواب الأول، أي أنه يصليها أداءً لا قضاءً؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حديث أنس السابق الذكر: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، جاء في بعض الروايات: «فإنه وقتها»، وهذا يدل على أنه صلى في وقتها، ومن صلى الصلاة في وقتها فإنه صلاها مؤديًا لها في وقتها، لا أنه صلاها قضاءً. وكذلك كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: على الصحيح من أقوالهم أن إنسانًا نسي الصلاة أو نام عنها فإنه يصليها متى ذكرها، سواء كان في وقت نهي أو لم يكن في وقت نهي. وكذلك كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: على الصحيح من أقوالهم أن كل صلاة من الصلوات ذوات الأسباب، فللإنسان أن يصلي تلك الصلاة ولو كان في وقت النهي؛ لما تقدم من أدلة وتقدم معنى أنواع من الصلوات، وهي إذا نظر إليها الإنسان يجدها أنها من ذوات الأسباب. كصلاة مثلًا الكسوف، وصلاة الجنازة، كما ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: إجماع العلماء على جواز صلاة الجنازة في وقت النهي إن خشي عليها من التغير ونحوه. وكذلك تحية المسجد، أو من توضأ فأراد أن يمكث في المسجد، فله أن يصلي. مع التنبيه على أن جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى: نبهوا على أن الإنسان إذا دخل المسجد وفي وقت هو وقت التحريم الشديد، قالوا: فالأولى له أن يتأنى ولا يصلي حتى يذهب وقت ذلك النهي. والعلماء رحمهم الله تعالى: قدروا هذه الأوقات أوقات النهي الشديد في الصبح بنحو ربع ساعة، وكذا المغرب، وفي وقت الظهيرة بنحو عشر دقائق. فلو أن الإنسان تأنى لكان أولى، ومن صلى فلا ينكر عليه، لكن الأولى كما سمعتم أن يتأنى، ولاسيما إذا كان في آخر الوقت، عملًا بالدليلين. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على