ذم المسألة

الخطبة بعنوان ذم المسألة، ألقاها

فضل التعفف ونهي النبي عنه

يتناول فضل التعفف عن المسألة وعدم سؤال الناس، ويبين نهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا الشأن. يشجع على الاستغناء والتعفف لتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة.

تحريم سؤال الناس واستثناءات

يشرح تحريم سؤال الناس لما فيه من ذل، ويوضح الاستثناءات مثل إصلاح ذات البين أو التعرض لمصيبة مالية. يحث على التعفف والإقبال على الله.

التعفف والاكتفاء برزق الله

يوصي بالتعفف عن سؤال الناس والاكتفاء برزق الله، ويحذر من سؤال ما زاد عن الحاجة. يشدد على أهمية العمل لكسب الرزق وأنه خير من سؤال الناس.

ابتلاء الله تعالى وختام الدرس

يشرح أن الله تعالى يبتلي عباده بالنعم والمصائب ليمتحنهم كما جاء في القرآن. يدعو الله أن ينفع بما سمع ويصلي على النبي محمد.

  • 23 جمادى الآخرة 1435هـ - 23/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. هذه الآية، عباد الله، يمدح الله جل وعلا بها صنفا من عباده المؤمنين، وصنفا من عباده المتقين، الذين تعففوا عن المسألة والسؤال. الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، حبسوا في سبيل الله جل وعلا، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، يحسبهم بسبب تعففهم عن المسألة أنهم أغنياء، وذلك لأنهم لا يسألون الناس إلحافا، أي أنهم لا يلحون ولا يكثرون السؤال تعففا واستغناء بما آتاهم الله سبحانه وتعالى. وهذا، عباد الله، لما في التعفف من فضل عظيم، ومن خلق كريم، كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وربى عليه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فقد جاء في صحيح الإمام البخاري، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». ليس الغنى عن كثرة العرض، أي ليس الغنى بكثرة الأموال، ولكن الغنى غنى النفس، أن يكون الشخص مستغنياً وغنياً بما آتاه الله سبحانه وتعالى. وفي صحيح الإمام مسلم، عن عبد الله بن عمر بن العاص، الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه». قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، أي رزق رزقا ما يكفيه ويسد حاجته، وقنعه الله بما آتاه. وفي الصحيحين، عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه، قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال حلو خضرة، إن هذا المال حلو خضرة، من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع». أي من أخذ هذا المال من غير أن يتطلع له، ومن غير أن يستشرف له أو أن يسأله، فهو مال مبارك، ومن أخذه بإشراف نفس وتطلع وسؤال، فحاله كحال الذي يأكل ولا يشبع. قال حكيم: والله يا رسول الله، لا أرجع إليه أحدا بعدك حتى ألقى الله. أي لا أسأل أحدا بعدك حتى ألقى الله. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء أبو بكر فدعاه ليعطيه نصيبه من المال، فأبى، ثم جاء عمر فدعاه ليعطيه نصيبه من المال، فأبى. قال عمر: يا أيها الناس، أشهدكم أني أدعو حكيما ليعطيه نصيبه من الفيء مما كتب الله له، فيهدى. قال: فما سأل حكيم أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي. عباد الله، كيف ربى النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه على التعفف عن المسألة، وهكذا رباهم على هذا الخلق العظيم. وجاء في السنن، من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي أن لا يسأل الناس شيئا، وأضمن له الجنة». من يضمن لي أن لا يسأل الناس شيئا، وأضمن له الجنة. قال ثوبان: فقلت أنا يا رسول الله. قال: فما سأل أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبصريح الإمام مسلم، عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسعة أو ثمانية أو سبعة، وكنا حديث عهد ببيعة، أي أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة قريبة. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا تبايعون رسول الله؟ ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا: يا رسول الله، قد بايعناك. قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: يا رسول الله، قد بايعناك، فعلى ماذا نبايع؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا»، قال: «وأسر كلمة: ولا تسألوا الناس شيئا». قال: «ولا تسألوا الناس شيئا». قال: فرأيت بعض أولئك القوم، يسقط سوط أحدهم، يسقط سوط أحدهم، فما يمد أحد يده ليأخذه له، يسقط سوط أحدهم، وما يمد أحد يده ليأخذه له. انظروا إلى تعففهم، وكذلك تطبيقهم لما عاهدوا به النبي عليه الصلاة والسلام. وآخر عباد الله، جاء في الصحيحين، عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى». جاء تفسير هذه الكلمات من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي السائلة». اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، اجعل النفقة والصدقة على من تعول، من أهلك وقاربك. خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، أي خير الصدقة أن يتصدق الشخص بما جاد عن حاجته، وكان مستغنياً عنه. ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله. وجاء في صحيح الإمام مسلم، عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلحفوا في المسألة، لا تلحفوا في المسألة». أي لا تلحفوا بالسؤال. فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا، فتخرج له مني مسألته شيئا، وأنا كاره، فلا يبارك له فيه. وجاء ذلك أيضا في الصحيح، عند الإمام الترمذي وغيره، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس، لم تستقم عزيمته، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل». أي من أصابته فاقة فأنزلها بالناس، أي أقبل على الناس وسأل الناس، لم تستقم عزيمته، ومن أنزلها بالله، أقبل إلى الله وسأل الله، وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا يعجل له برزق عاجل أو آجل. وهذا، عباد الله، لعظم التعفف عن المسألة، ولهذا حث الله جل وعلا على الإنفاق على المتعفف، قال الله جل وعلا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال أهل التفسير: القانع هو الفقير الذي يستعفف عن السؤال، تقنعا وتعففا بما معه، والمعتر هو الفقير الذي يسأل. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس». أي أن النبي عليه الصلاة والسلام يحث على النظر إلى قرى المساكين الذين يتعففون عن المسألة، ويتعففون عن السؤال، مع حاجتهم ومع فقرهم، فهذا هم الذين ينبغي أن ينفق عليهم، وأن يتفطن لهم. ولهذا، عباد الله، كانت المسألة مذمومة، بل وهي كبيرة من كبائر الذنوب، إذا سأل، الشرص، من غير حاجة، ومن غير ضرورة، فإنما يسأل جمرا. فقد جاء في صحيح الإمام مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل جمرا». يسأل جمرا. فليستقل أو ليستكثر مسألة الناس تكثرا، أي تكثرا لجمع المال، ولجمع الصدقات والأموال من أيدي الناس، فإنما يسأل جمرا، يسأل جمرا ونارا يحف بها نفسه. فليستقل أو ليستكثر، أي فليقلل من المسألة أو ليستكثر. والجزاء عند الله سبحانه وتعالى. وجاء في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة لحم». لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله، أي يوم القيامة، وليس في وجهه مزعة لحم، أي يوم القيامة، وهو عظام، وجهه عظام لا لحم فيه، عقابا بسبب سؤاله للناس، وتكثيره من أموال الناس. وجاء عند الإمام الترمذي، من حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسألة كد يخدش بها وجه الرجل، إلا أن يسأل الرجل سلطانا، أو لأمر لا بد منه». إلا أن يسأل الرجل سلطانا، أو لأمر لا بد منه، أي أن الرجل إذا سأل، فهو يخدش وجهه، كما عبر النبي عليه الصلاة والسلام، إلا إذا كان سؤاله لولي سلطان، أي حاكم وأمير، فإن للراعي، أي لكل شخص من الناس، حق فيما في يد ولاة الأمور، من بيت مال المسلمين، فإذا سأل السلطان فيما له، فليس في ذلك شيء. أو كذلك أن يسأل في أمر لا بد منه، وهذا الأمر الذي لا بد منه، بينه النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث قبيصة بن المخارق رضي الله تعالى عنه، وهو في صحيح الإمام مسلم، قال قبيصة: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: يا رسول الله، تحملت حمالة، فجئت أسألك فيها. ومعنى ذلك: أنه إذا حصل قتال بين قبيلتين ونحوه، فيأتي شخص ويصلح بينهما، ويدفع مالا من عنده، فإنه له أن يسأل السلطان، أو كذلك من كان في مقامه، أن يسأل ما أعطى من المال، بسبب ما تحمله من الحمالة. ولهذا، قال: يا رسول الله، إني تحملت حمالة، فجئت أسألك فيها. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «قم عندنا حتى تأتي الصدقة، فنأمر لك بها». ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك». أي أنه إذا دفع مالا لإصلاح قبيلتين ونحو ذلك، فلا بأس أن يسأل حتى يمسك، أو يصيب هذا المال الذي دفعه، ثم يمسك عن المسألة. وكذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «ورجل اجتاحت أمواله جائحة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سببا من عيش». أي أن رجلا إذا كان له مزرعة ونحو ذلك، فأصابته جائحة، أمطار أو صيول أو رياح، فذهبت بما معه من المال، فجاز له أن يسأل حتى يصيب قواما من عيش، أي ما يقوم به عيشه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فما سواهن يا قبيصة، سحت يأكله صاحب سحته». أي ما سواهن، ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، أي ثلاثة من ذوي العقول من قومه، أو سببا من عيش. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فما سواهن يا قبيصة، سحت يأكله صاحبه سحته». أي ما سواهن من المسائل، فهو سحت يأكله صاحبه سحته. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أيما لحم نبت من سحت، فالنار أولى به». فيمتثل للمسلم أن يتحذر من هذا الأمر، وأن يتعفف عن السؤال. ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، قسمنا في هذه الآيات، وفي هذه الأحاديث، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتعفف عن المسألة، والاستغناء بما آتاه الله جل وعلا لكل عبد، وأن ذلك خير للإنسان. وبهذا، عباد الله، نعلم أن ما يفعله كثير من الناس، من تعودهم للمسألة والسؤال، أن ذلك عادة عليهم، وهو أيضا كبيرة من كبائر الذنوب، إلى دعوى أو صلاة، الشخص من غير ضرورة وحاجة، بل قد أجده في أرض المسلمين، من يتخذ التصور والسؤال عملا يتكسب به، ويتأكل به، ولو كان ذلك بسمي الإنفاق على الفقراء والمساكين، فهو تحت وعيد النبي عليه الصلاة والسلام. والواجب على المسلم أن يتعفف، وأن يحرص على أن يأكل من عمل يده، وأن يعمل، ولو كان عملا يسيرا، خير له من أن يسأل الناس. ولذا، جاء في الصحيحين، أو في صحيح الإمام البخاري، من حديث الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، وكذلك بمعنى في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره، فيبيع، فيكف الله به وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه. والمعنى: أنه لا يزيل نفسه، لا يزيل نفسه للناس، وخير له أن يعمل، وأن يأكل من عمل يده. وجاء في صحيح الإمام البخاري، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده». ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده. وكان داود عليه السلام يأكل من عمل يده. وجاء في صحيح الإمام مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا عليه السلام نجارا». أي كان يعمل بالنجارة، ويأكل من عمل يده. حتى النبي عليه الصلاة والسلام، يحث على أن يأكل غدا من عمل يده، وذلك خير له من أن يمد يده إلى الناس، ويتملقه بالمسألة والسؤال. وكذلك، عباد الله، إذا علمنا أن المسألة لا تحل، ولا كذلك يجوز أن يسأل الشخص شيئا زائدا عن حاجته، أو كذلك تكثرا لجمع أموال الناس، فإن هذا الأمر، كما سمعنا، كبيرة من كبائر الذنوب. وكذلك أيضا، التخول في أموال الناس، وكذلك التصرف فيها بغير حق، وكبيرة من كبائر الذنوب. وقد جاء في صحيح الإمام البخاري، عن حفصة بنت سيرين رضي الله تعالى عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن رجالا يتخللون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة». أي إن رجالا يتصرفون في مال الله، أي في الأموال التي يجب إنفاقها في مواضعها، وإعطاؤها لمستحقيها، وهم يتصرفون فيها كيف شاءوا، وعلى ما أرادوا، فهؤلاء، وعدهم النبي عليه الصلاة والسلام، أن لهم النار. وكذلك أيضا، إذا علمنا ذلك، فإن شاء إذا جاء له شيء من المال، ولم يكن متشوفا ولا سائلا، فلا مانع أن يأخذ هذا المال. فقد جاء في الصحيحين، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: عبد الله بن عمر، قال عمر: كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتيني بالمال، فأقول: يا رسول الله، أعط من هو أحوج إليه مني. قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خذه، فإذا ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشغف ولا سائل، فخذه، فإن شئت فكله، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبع نفسك». قال سالم: فكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما لا يسأل الناس شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه. أي أن النبي عليه الصلاة والسلام، قال لعمر: «ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشغف»، أي لم تتشوف وتبخل لهذا المال، «فخذه، فإن شئت أن تأكله، وإن شئت أن تصرفه في غير ذلك من المصارف، وإن شئت تصدقت به، وما لا»، أي ما لم يأتك إلى عندك، «فلا تتشوف له، ولا تتطلع له، بل تعرض عنه». هذا المراد، النبي عليه الصلاة والسلام، بهذا العمر. ولهذا، عباد الله، ينبغي على الشخص أن يصبر إذا كان فقيرا، وأن يتعفف، ويعلم أن ذلك خير له، أن ذلك خير له. فقد جاء في صحيح الإمام مسلم، عن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل متعفف ذو عيال». انظر إذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام، هذا المتعفف صاحب العيال، من أهل الجنة، لأن صاحب الأولاد تكثر عليه الحاجات، وتزيد عليه الطلبات، ومع ذلك إذا صبر وتعفف، كان ذلك خير له، وسبب في أن يكون من أهل الجنة. وإن بغيت أن تعلم، أيها المسلم، أن الفقر ليس دليلا على عدم محبة الله جل وعلا لك، فقد كان الفقر خيرا لك من الغنى. والله جل وعلا يقول: ﴿كِلَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. فإن الإنسان إذا آتاه الله المال، واستغنى، كان ذلك سببا في طغيانه. وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾. وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾. ليس الأمر كذلك، ليس من علامات محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، المال، وفقه عليه، نعمة الدنيا، أن ذلك دليل على محبة الله له، وليس كذلك، كل من ضيق الله عليه، وكذلك أيضا جعله فقيرا في هذه الدنيا، أن ذلك دليل على عدم محبة الله جل وعلا له. بل إن الله جل وعلا يبتلي بالنعم، ويبتلي بالمصائب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. أسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.

شاركنا على