أهمية الوصية بالجار

الخطبة بعنوان أهمية الوصية بالجار، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 شوال 1437هـ ألقاها

أهمية حق الجار في الإسلام

يتناول هذا الفصل أهمية الإحسان إلى الجيران كما أوصى الله ورسوله، ويشرح حقوق الجار سواء كان قريبًا أو بعيدًا، مسلمًا أو غير مسلم. يشدد النبي على ضرورة حسن الجوار ويعتبر عدم الإحسان إلى الجار نقصًا في الإيمان.

عقوبة إيذاء الجار وخطورتها

يؤكد هذا الفصل على عظم ذنب إيذاء الجار ويعتبره كبيرة من كبائر الذنوب، حيث يضاعف الإثم إذا وقعت المعصية على الجار. يحذر النبي من لعنة الله وطرده من رحمته بسبب إيذاء الجار.

أهمية حسن الجوار وتأثيره

يؤكد هذا الفصل على أهمية حسن الجوار في الإسلام ويعدد حقوق الجار على جاره، مشيرًا إلى أن الجار السوء سبب للشقاء، بينما حسن الجوار يزيد في الأعمار ويعمّر الديار. يستشهد بمواقف من السلف الصالح في احترام حق الجوار.

دعاء للأمة بالإصلاح والحماية

يتضمن هذا الفصل دعاءً شاملاً يطلب فيه الداعي إصلاح الدين والدنيا والآخرة، ويتوسل إلى الله بالأمن في الأوطان وإصلاح الحكام، كما يسأله رفع البلاء والفتن. يختم الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿واعبدوا الله ولا تشريكوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا﴾، هذه الآية يسميها العلماء بآية الوصايا العشرة، أوصى الله جل وعلا فيها بعشرة وصايا، ونحن في هذا المقام نتكلم عن وصيةٍ من هذه الوصايا، ألا وهي الوصية بالجار. أوصى الله جل وعلا بالجوار، فقال ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾، الجار ذي القربى أي الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب الذي ليس بينك وبينه أي قرابة، أوصى الله جل وعلا بالإحسان إلى الجيران، سواء كان بينك وبينهم قرابة أم لم يكن بينك وبينهم قرابة. فإن كانت هناك قرابة زاد ماذا؟ زاد الإحسان، وكانت الوصية أعظم، إذ يكون له حق الجوار وحق القرابة، وإن كان جنبًا فله حق الجوار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره»، والحديث في الصحيحين. وفي حديث من عمر وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، أي من شدة تكراره للوصية بالجار والإحسان إليه، ظن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيجعل له نصيبًا من الإرث. وهذا يؤكد ماذا عباد الله؟ يؤكد مدى ما للجار من فضل، ومن حق على المسلم وعلى جاره. فلذلك عباد الله ينبغي أن نعلم ما للجار من حق، وأن نحسن إلى جيراننا طاعة لله جل وعلا وطاعة لرسوله عليه الصلاة والسلام. وحد الجار اختلف العلماء في تحديده، فمنهم من قال من سمع النداء فهو جار، كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه، وقيل من صلى الصبح معك فهو جار. وقالت عائشة رضي الله عنها الجوار أربعون دارًا من كل جهة، أي من الأمام ومن الخلف ومن اليمين وعن الشمال. ويطلق لفظ الجار ويشمل هذا اللفظ كما قال الحافظ من حجر على المسلم والكافر والفاسق والعابد، فكل واحد منه له حق من الجوار. فإن كان الجار مسلمًا فله حق الإسلام وله حق الجوار، وإن كان ذا قرابة زاد حق القرابة، وإن كان جنبًا فله حق الإسلام والجوار، وإن كان كافرًا فله حق الجوار. عباد الله، إن النبي عليه الصلاة والسلام نفى الإيمان عن من لم يحسن إلى جاره بل أساء إليه، ولم يبعد عنه أذاه وشره، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «والله لا يؤمن، قال من يا رسول الله؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه»، أي الذي لا يبعد عن جاره أذاه وشره، فليس بمؤمن، ومعنى ذلك أن إيمانه ناقص، وفيه كذلك خلل. وجاء في صحيح الترغيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما حرم الله، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه»، هكذا يقسم النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه، الذي لا يبعد عن جاره شره ولا يبعد عنه سوءه ولا يبعد عنه أذاه، فإنه لا يدخل الجنة. ولا شك أن ذلك يدل على عظم هذا الذنب وأنه كبير من كبائر الذنوب، ولذلك كان الاعتداء على الجار أعظم ذنبًا وأعظم إثمًا من الاعتداء على غيره، وإن كانت المعصية واحدة. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث المقداد رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «ما تقولون في الزنا؟ قالوا حرام حرمه الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»، ثم قال «ما تقولون في السرقة؟ قالوا حرام حرمها الله ورسوله، قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره». انظروا عباد الله كيف ضاعف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم في هاتين المعصيتين إذا وقعت من الجار على جاره، كيف أن جعل النبي صلى الله عليه وسلم زنا الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره، مع أن الزنا بحد ذاته كبيرة من كبائر الذنوب، ومع ذلك يعظم إثمها ويعظم جرمها إذا كانت في حق الجار وفي أهل الجار. لأنه ينبغي للجار أن يحفظ عرض جاره وأن يكون أأمن الناس عليه في ماله ودمه وعرضه. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بلعنة الله جل وعلا على من آذى جاره، جاء عند الطبراني وحسنه العلامة الألباني رحمه الله أن رجلًا جاء يشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام مما يلقى من جاره من أذية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أخرج متاعك إلى الطريق»، فأخرجه في الطريق، فجعل الناس يمرون فيرون هذا الرجل وهو واضع متاعه في الطريق، فعلموا أنه بسبب أذية جاره له، فجعلوا يلعنونه. فجاء هذا الرجل الذي آذى جاره إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال يا رسول الله ألا ترى ما لقيت من الناس؟ قال وما لقيت؟ قال إنهم يلعنونني، فقال عليه الصلاة والسلام «لقد لعنك الله قبل الناس، لقد لعنك الله قبل الناس». انظروا عباد الله إلى خطورة هذا الذنب، كيف أنه يوقع العبد في لعنة الله جل وعلا، ولعنة الله الطرد والإبعاد من رحمته، الطرد والإبعاد من رحمته. فلذلك ينبغي للمسلم أن يكون على حذر عظيم من أذيته لجاره، بل ربما أن أذية الجار تكون سببًا في محق الأعمال وفي ذهاب ثواب الأعمال الصالحة من صيام وصلاة وصدقة بسبب أذيته لجاره. جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر لهم رجلًا وذكر من كثرة صيامه وصلاته وصدقته، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام «هي في النار»، ثم ذكر لهم رجلًا وذكر ما يفعله من قلة الصيام وقلة الصلاة وقلة الصدقة، لكنها تحسن إلى جيرانها، فقال «هي في الجنة»، قال «هي في الجنة». فانظروا عباد الله انظروا كيف أن هذه الأعمال مع كثرتها ومع عظيم أجرها ذهب ثوابها وذهب أجرها بسبب إساءة الجوار، وتلك الأعمال مع قلتها ومع عدم كثرتها، لكن بسبب حسن الجوار كانت سببًا في دخولها الجنة. عباد الله ينبغي للمسلم أن يحسن إلى جيرانه، نعم ينبغي أن يحسن إلى جاره وأن يكف أذاه عنه حتى يكمل بذلك إيمانه، ويحذر من سخط الله ومن لعنة الله عليه، وكذلك أيضًا حتى ينجو من عذاب الله جل وعلا. لذلك عباد الله ينبغي عليك أيها المسلم أن تنظر أن تنظر إلى حسن الجوار قبل أن تنظر إلى الدار، فالجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق كما قال علي رضي الله تعالى عنه. فكم من جار لربما يدخل الشر على جاره ويدخل عليه التعاسة والشقاء في حياته بسبب سوء جواره، فيكون صاحبه في تعاسة لا يعلم بها إلا الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «أربع من السعادة: حسن الجار الصالح، والمرأة الصالحة، والبيت الواسع، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: البيت الضيق، والمرأة السوء، والمركب السوء، والجار السوء»، الجار السوء سبب لشقاء الإنسان وسبب لتعاسته وأن يعيش في حالة من الشقاء لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لقد كان العرب في الجاهلية والإسلام يعتنون بحسن الجوار ويجعلون له منزلة ويجعلون له حظًا عظيمًا في نفوسهم، وفي ذلك يقول القائل: أعمى إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي جدراها أي أنه لا ينظر إلى امرأة جاره بل يغض بصره وطرفه عنها حفظًا لحق الجار وإحسانًا لجاره. نعم عباد الله، فإن من حق الجار على جاره أن يحسن إليه وأن يكف عنه أذاه وأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وأن يعوده إذا مرض، وهكذا أن يعزيه في فقده لأقاربه وغير ذلك من الحقوق التي تكون من حق المسلم على أخيه، فإن الجار أولى وكذلك من أحق الناس أن تكون له هذه الحقوق. روى عن إبراهيم بن حذيفة رحمه الله أنه أراد بيع بيته وبيع داره فجاء المشتري ليشتري داره، فلما أراد أن يشد قال لا حتى تشتروا جوار سعيد بن العاص، أي يريد أن يبيع جوار جاره، قال لا حتى تشتروا جوار سعيد بن العاص، فزايدوا في الثمن وارتفع الثمن، فقال بعضهم لإبراهيم يا إبراهيم فمن الذي يبيع الجوار؟ أرأيت أحدًا يبيع جوارًا أو يشتري جوارًا؟ فقال ألا تشترون جوارًا من إذا أسأت إليه أحسن، ومن إذا جهلت عليه حلم، ومن إذا أعسرت أغاث؟ ردوا علي داري فلا أبيعها لكم. فبلغ ذلك جاره سعيد بن العاص فبعث إليه بمئة ألف درهم إحسانًا له إذ عرف قدر جوار جاره له. انظروا عباد الله كيف فعل ذلك لما علم من حسن جوار جاره، فحفظ له حقه وعلم له منزلته. فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تعرف لجارك حقه. وانظروا عباد الله في حال كثير من الجيران تجد الكثير لربما يتخاصمون ويتشاجرون ويتقاطعون ربما بسبب تشاجر الأولاد والأطفال يتخاصموا الإثنان ثم يصطلح الأولاد ويبقى الآباء في خصام في مدة طويلة، وهما في مقاطعة لا يعرف الجار لجاره حقه، لا يسلم عليه ولا يزوره ولا يعرف له من حق الجوار شيئًا. ولا شك أن هذا ذنب عظيم ينبغي للمسلم أن يتفقد نفسه وأن يرجع إلى ربه وأن يحسن إلى جاره. وليعلم أن من خاصم أخاه المسلم من أجل دنيا فإن أعماله لا ترفع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «ترفع الأعمال في كل اثنين وخميس إلا رجلين بينهما خصومة فيقول الله انظروا هذين حتى يصطلحا»، انظروا هذين حتى يصطلحا، هذا وإن لم يكونا جارين فكيف إذا كان بينهما جوار كان إثمهما أعظم ومقاطعتهما أشد. فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تتفقد نفسك وأن تنظر كيف أنت مع جيرانك، فإن حسن الجوار كما سمعنا سبب لكمال الإيمان ولزيادة الأجر والثواب، بل وكذلك سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، بل وسبب لزيادة الخير وزيادة الأعمار وبركة الدار. قال النبي عليه الصلاة والسلام «حسن الخلق وحسن الجوار وصلة الأرحام يزيدان في الأعمار ويعمران الديار»، فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تعطي لهذه الوصية حقها كما أمر الله جل وعلا وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أمنا في أوطاننا وأصلح أمتنا وولاة أمورنا، اللهم واجعل ولايتك فينا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغزر أمطارنا وارخص أسعارنا، اللهم وارفع عنا البلاء والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على