خلق الرحمة

الخطبة بعنوان خلق الرحمة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٨ ربيع الآخر ١٤٣٣هـ ألقاها

مقدمة في رحمة الله تعالى بعباده

يُبين أهمية الرحمة في الإسلام ورحمة الله بعباده حيث سبقت غضبه. يشير إلى أن الراحمين يرحمهم الرحمن.

تطبيق الرحمة في تعامل المسلمين

النبي صلى الله عليه وسلم كان رحمة للعالمين، ورحمته تشمل جميع المخلوقات. ينبغي للمسلمين التحلي بالرحمة وتجنب القسوة.

أثر الرحمة بالمخلوقات في الآخرة

الرحمة بالمخلوقات لها أجر عظيم وتؤثر على مصير الإنسان في الآخرة، وقد تكون سببًا في دخول الجنة أو العذاب.

ختام وتسبيح وتنزيه الله تعالى

يتضمن تسبيح الله وتنزيهه عن الصفات غير اللائقة، وإثبات السلامة للمرسلين، والحمد لله على نعمه، والتأكيد على عظمة الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لقد سمى الله عز وجل نفسه بالرحمن الرحيم، واتصف سبحانه بهذه الصفة العظيمة، الصفة الرحمة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ورحمة الله جل وعلا رحمة واسعة، وهو القائل سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فالله عز وجل رحيم بعباده أعظم من رحمة الأم بولدها. جاء في الصحيحين من حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: «جيء بأبي سبي، فإذا امرأة تسعى في السبي حتى وجدت صبيًا فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال عليه الصلاة والسلام: أترون هذه واضعة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله. فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها، لله أرحم بعباده من هذه بولدها». وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي». فرحمة الله جل وعلا قد سبقت غضبه سبحانه وتعالى، وهو عز وجل رحيم بعباده. ولذلك أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب بشيرًا لهم ونذيرًا لهم من عذابه سبحانه وتعالى. فإذا أردت أيها المسلم أن تنال رحمة الله جل وعلا، فلتكن رحيمًا بعباده. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء عند البيهقي وغيره من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». الراحمون يرحمهم الرحمن، أي الراحمون لخلق الله، والمشفقون عليهم يرحمهم الله سبحانه وتعالى. فإذا أردت أن تنال رحمة الله فارحم خلق الله عز وجل. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». ومن لم يكن كذلك فإنه يحرم من رحمة الله سبحانه. ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». فالذي لا يرحم الناس ولا يشفق عليهم، ولا يحسن معاملتهم، فإن الله عز وجل لا يرحمه. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع له ابن ابنته وهو في الموت بكى عليه الصلاة والسلام ودمعت عينه. فقال: «إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». وجاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أعرابيًا أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «أتقبلون صبيانكم؟» يقول هذا الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: أتقبلون صبيانكم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم». قال: «إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم». فقال عليه الصلاة والسلام: «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟». فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام رحيمًا بأمته، شفيقًا عليهم. وقد وصفه الله عز وجل بذلك بقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فهو عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين، رحمة للمؤمنين، ورحمة للمنافقين، ورحمة للكافرين، ورحمة لسائر المخلوقات. رحمة للمؤمنين بهدايتهم وإرشادهم إلى طريق الحق وطريق الاستقامة، وإلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى الله سبحانه وتعالى، وإنذارهم من طرق الغواية والضلالة التي تبعدهم عن ربهم سبحانه وتعالى. ورحمة للمنافقين بالأمن من قتلهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم على ظاهر الشخص. ورحمة للكافرين بعدم نزول العذاب عليهم وهو فيهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. ورحمة لهم كذلك بأنه يأمرهم بالإسلام، ويبين لهم فضل هذا الدين العظيم الذي به هدايتهم وبه نجاتهم في الدنيا والآخرة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل جيشًا من الجيوش يوصيهم أولًا بتقوى الله، ثم يأمر من لقي من الكافرين أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبل ذلك منهم وكف عنهم، فإن لم يسلموا طلب منهم الجزية، فإن فعلوا قبل ذلك منهم وكف عنهم، فإن لم يفعلوا فإنه يقاتلهم. ومع ذلك فلا يمثل بهم، لا يمثل بالكافر بأن يقطع عضوا من أعضائه، ولا يقتل صبيًا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا، ولا غيرهم ممن ليس هو من أهل القتال. وإنما يقاتلون من قاتل منهم. وكل ذلك من الرحمة بهم. وهكذا كذلك رحمة لسائر الخلق من البهائم وغيرها. فلذلك عباد الله ينبغي أن يكون عند المسلم هذا الخلق العظيم، بأن يكون راحمًا لإخوانه المسلمين، مشفقًا عليهم، محبًا لهم الخير. وأن لا يكون من معاملته معهم القسوة والغلظة وعدم الرحمة والشفقة. فليس من الرحمة أن يستغل المسلمون بعضهم بعضًا، أن يستغل الغني الفقير برفع أسعار السلع واحتكارها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد: «لا يحتكر إلا خاطئ». أي الذي يحتكر السلع مما يحتاج لها الناس فيخبئها حتى إذا نَفِدَتْ في السوق أنزلها للناس ورفع أسعارها. فليس هذا التعامل من الرحمة التي ينبغي أن تكون بين المسلم وأخيه. وهكذا في باب البيع والشراء ينبغي أن يكون بيننا التراحم، أن يكون المسلم رحيمًا في بيعه وشرائه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر: «رحم الله امرأ سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى». فإذا أردت رحمة الله فأحسن إلى الخلق وارحمهم، وإلا فإنك تحرم رحمة الله سبحانه وتعالى. وخاصة في مثل هذه الأزمان التي ربما يصاب فيها كثير من الناس بشدة المعيشة، وكذلك شدة الحال، فينبغي أن يكون بيننا التراحم، يرحم القريب قريبه، وذو الرحم رحمه، والجار جاره، والصديق صديقه. فيكون بين المسلمين معاني الأخوة والرحمة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى: «إن الأشعريين إذا نزل بهم الشئ جمعوه بينهم ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم». هكذا عليه الصلاة والسلام أثنى عليهم هذا الثناء العظيم لما في هذا العمل من معاني الرحمة والأخوة التي ينبغي أن يكون عليها أهل الإيمان. وقد جاء في صحيح الترغيب والترهيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم». أي يعلم أنه جائع وأنه محتاج وأنه فقير وهو عنده ما يزيد عن حاجته، ثم لا يتفقد جاره ولا يعطيه شيئًا مما فضل الله عليه. فالله الجميع لما يحب ويرضى. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن هذه الشريعة العظيمة حثت على التراحم والرحمة حتى مع الحيوان والبهيمة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعظيم الأجر والثواب الذي يناله العبد برحمته للمخلوقات. فقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه مر على غلمان وقد جعلوا طيرًا نصبوا طيرًا يرمونه بالنبال، أي جعلوه غرضًا وهدفًا. فلما رأوا ابن عمر تفرقوا. فقال ابن عمر: «لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا». وجاء في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دخلت النار امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي جعلتها تأكل من خشاش الأرض». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بدخول هذه المرأة النار بسبب هذه الهرة، بسبب هذا الحيوان الذي عاملته وعذبته، فلم ترحمه، حبسته فلم تطعمه حتى مات، فأدخلها الله سبحانه وتعالى النار. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن بغيًا من بغايا بني إسرائيل أي زانية أتت إلى بئر فشربت منها، ثم رأت كلبًا يأكل الثرى من العطش، فنزعت موقها، أي خفها، فسقت له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فغفر الله لها فأدخلها الجنة». وجاء بمعناه كذلك في الصحيح عن رجل أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فقال الصحابة رضي الله عنهم: «يا رسول الله، أوَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟» أي هل لنا في إطعام البهائم وسقيهم أجر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «في كل ذات كبد رطبة أجر». وهكذا كذلك في حديث آخر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيًا من الأنبياء قرصته نملة، فأمر بقرية النمل أن تحرق، فأحرقها. فأوحى الله إليه: «أَبِسَبَبِ نَمْلَةٍ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ النَّمْلِ تُسَبِّحُ؟». وهكذا جاء عند أبي داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى طائرًا يطير وهو فجع بولده، فقال: «من فجع هذه بولدها؟» وكان قد أخذ بعض الصحابة فرخيها. فقال عليه الصلاة والسلام: «ردوا لها ولدها، ردوا لها ولدها». رحمةً بهذا الحيوان. وغير ذلك كثير. فإذا كان عباد الله هذا الأجر والثواب الذي يجده المسلم برحمة الحيوان ورحمة البهيمة، فكيف برحمة الإنسان الذي كرمه الله وشرفه؟ وهكذا كذلك ما قد يكون للإنسان من غضب الله وعذابه بسبب تعذيب الحيوان، فكيف بتعذيب الإنسان؟ فإن ذلك أعظم إثمًا عند الله سبحانه وتعالى. فينبغي يا عباد الله أن تكون بيننا معاني الرحمة ومعاني الشفقة. فإن الجنة هي دار الرحمة، والنار هي دار أهل الغلظة والقسوة. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: في الضعفاء والمساكين. وقالت النار: في الجبارين والمتكبرين. فقضى الله بينهما، فقال للجنة: إنك رحمتي، أرحم بك من أشاء. وقال للنار: إنك عذابي، أعذب بك من أشاء. ولكليكما علي ملؤها». وفي الصحيح عن حارثة بن وهب رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن النار هي دار الجبارين والمتكبرين. فاحرص أيها المسلم أن يكون من خلقك الرحمة، وأن تكون رحيمًا بعباد الله وبخلق الله جل وعلا، حتى, تنال رحمة الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الرحماء، وأن يرحمنا سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد الله.

شاركنا على