العناية بالعقل

الخطبة بعنوان العناية بالعقل، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بتبالة ٢٨ ربيع الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها

أهمية العقل في الإسلام وتكريم أصحاب العقول

يُبرز أهمية العقل في الإسلام كمناط التكليف وسبب تكليف العبد، ويُشيد بأصحاب العقول السليمة الذين يتفكرون في خلق الله. يُعد العقل أساس التكليف الإلهي.

تحرير العقل من المفسدات وتفعيله في التفكر

يُحرَم كل ما يفسد العقل مثل الخمر والمخدرات والسحر، ويُحث على استخدام العقل في التفكر في آيات الله لزيادة الإيمان ومعرفة وحدانية الله. العقل يحسن ويقبح لكن الثواب والعقاب بالشرع.

ترتيب الأولويات: تقديم النقل على العقل والعقل على الشهوة

يجب تقديم النقل على العقل والامتثال للشرع، كما يجب تقديم العقل على الشهوة لتحقيق الرقي الإنساني والابتعاد عن الحيوانية. يُوضح ضرورة اتباع الشرع وتقديمه على العقل.

ختام وتأكيد على عظمة الله والصلاة على النبي

يُنهي بالتسبيح لله وتنزيهه والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر التقدير لله رب العالمين. يُنهي بالتأكيد على الصلاة والسلام على النبي محمد.

  • 12 جمادى الأولى 1438هـ - 08/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من نعم الله سبحانه وتعالى التي أنعم بها على الإنسان وفضله بها على غيره من الخلق نعمة العقل، أن جعل الله سبحانه وتعالى له عقلًا يفكر فيه وينظر فيه، فيعلم ما ينفعه مما يضره، وما يكون عونًا له في حصول الخير له، وفي إدراكه وفي الانتفاع به، وفي البعد عما يضره ويؤذيه، وعما يعود عليه بالفساد وبالشر. فـ﴿إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان وإنه كان ظلومًا جهولًا﴾، وكرم الله عز وجل به الإنسان، ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا﴾. هذا العقل، عباد الله، الذي هو مناط التكليف وسبب تكليف العبد، إذ به يدرك الأمور ويفهمها، ولولا ذلك لما كلف، ولذلك فإن خطاب الله جل وعلا إنما يتوجه إلى المكلفين الذين لهم عقول يدركون بها أوامر الله وأحكامه ويفهمونها بعقولهم. فمن لم يكن له عقل أو زال عقله فإنه يرتفع عنه الخطاب، ولذلك جاء عند الإمام أحمد وأبي داود من حديث عائشة وعلي رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم». هؤلاء الثلاثة لما زال العقل عن بعضهم وقصر عن بعضهم رفع عنهم التكليف، فالمجنون الذي زال عقله فلا يدرك الأمور ولا يعرف الأشياء ولا يفقه أحكام الله من صلاة وصيام وغيرها، لأجل ذلك رفع عنه قلم التكليف فلم يكلف بها. وهكذا النائم فإنه في حال نومه يشبه المجنون في فقد عقله، فهو لا يدرك ما يفعله في حال النوم من أفعال وأقوال، فلذلك رفع عنه التكليف في تلك الحال، وهكذا الصبي الذي لم يبلغ لم يكتب عليه التكليف لأنه ليس أهلًا لذلك حتى يصل إلى زمن البلوغ، فحينئذ يكون من المكلفين ومن من يكتب عليهم القلم. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، علمنا أهمية العقل الذي جعله الله سبحانه وتعالى للإنسان، ولذلك جاءت هذه الشريعة بالحفاظ عليه والعناية به، فهو أحد الضروريات الخمس التي اعتنت بها الشريعة وغيرها من الشرائع في حفظه عما يفسده وعما ينقصه، وفي ما يكون سببًا في زيادة هذا العقل وفي نمائه وكثرة نفعه. هذا العقل، عباد الله، مدح الله سبحانه وتعالى أهله الذين انتفعوا بعقولهم، والذين جعلوا عقولهم تتفكر في خلق الله وتتفكر في آيات الله سبحانه وتعالى، قال الله جل وعلا: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، أي لأصحاب العقول السليمة الذين يتفكرون في آيات الله جل وعلا. وقال سبحانه: ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾، هكذا مدحهم الله سبحانه وتعالى بأنهم أولو الألباب، أي أصحاب العقول السليمة التي تتعظ والتي تعتبر والتي تتذكر بآيات الله سبحانه وتعالى. ولذلك، عباد الله، فإن الشريعة حررت هذا العقل عما يفسده وعما يضره، ومن ذلك أنها حرمت شرب الخمر الذي يفسد العقل بما يقع للإنسان من سكر بشربه، فجاءت الشريعة بتحريمه، قال الله جل وعلا: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾. وهكذا يلحق بالخمر كل ما كان مثله وما كان أشد منه مما يفسد العقل ويذهبه كالمخدرات وغيرها، وما ذاك إلا حماية لهذا العقل أن يذهب، وكذلك أن يزول فيكون الإنسان الذي يستعمل تلك المسكرات عبئًا في المجتمع، وكذلك أيضًا رجل سوء وشر وأذية للناس. بل رتب الشر على من شرب الخمر ومن سكر بأن يجلد أربعين جلدة يحد بها حتى يكون ذلك ردعًا لمن أفسد عقله بمثل تلك المفسدات، وهكذا كذلك أيضًا تحرير العقل من الخرافات والخزعبلات، ولذلك حرمت الشريعة السحر والكهانة والشعوذة وغير ذلك من هذه الأمور التي تضر بالأبدان والعقول فتفسدها وتذهبها. بل حكمت الشريعة بأن فاعل ذلك يعتبر كافرًا، قال الله جل وعلا: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ولذلك، عباد الله، ينبغي للمسلم أن يعمل هذا العقل فيما يدركه وفيما يستطيعه، فلذلك حثت الشريعة ورغبت أن يعمل الإنسان عقله في التفكر في آيات الله، سواء كانت الآيات الكونية أو الآيات الشرعية، مما به يزداد القلب إيمانًا، وكذلك يعرف العبد وحدانية الله جل وعلا بعد مجيء الشريعة والأخذ بما ورد في شرع الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون ألا تتفكر في خلقك كيف أحسن الله جل وعلا خلقك أيها الإنسان فخلقك في أحسن تقويم﴾، وقال جل وعلا: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾. وقال سبحانه: ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن شاء نخصف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفًا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكذلك نوري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾، وقال جل وعلا: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. هذه الآيات فيها الأمر بالتفكر في آيات الله الكونية مما خلق الله جل وعلا في هذا الكون من السماء والأرض، وهكذا غيرها من الشمس والقمر التي تدل على وحدانية الله جل وعلا وأنه المتفرد بخلقها والمتفرد بإيجادها، وكذلك التفكر في آيات الله الشرعية، التفكر في كتاب الله الذي هو من عند الله جل وعلا. من نظر فيه علما أنه كلام الله وأن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صدق، فما اجتمع عليه القرآن من ذكر الأحكام ومن ذكر الآيات المتشابهة والقصص كذلك المتشابهة، وهكذا ما اجتمع عليه من اختلاف في القراءات، وكل ذلك لم يقع فيه شيء من التناقض أو من التضاد مما يدل على أنه تنزيل من حكيم حميد. ولو كان من عند غير الله، أي من وضع البشر ومن كلام البشر، لوقع فيه الاختلاف الكثير والتناقض في دفتيه، فينقض بعضه بعضًا ويكذب بعضه بعضًا، ولكن لما كان من عند الله صدق بعضه بعضًا ويشهد بعضه لبعض. هكذا حثت الشريعة على إعمال العقل فيما ينفعه وفيما يوصله إلى الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فإن العقل لا ينفرد في الأحكام ولا ينفرد في إثبات الثواب والعقاب، وإنما مرجع ذلك إلى الشريعة، فالعقل يحسن ويقبح كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن ترتب الثواب والعقاب لا يكون بالعقل وإنما يكون بالشرع. فما ورد الشرع فما جاء في الشريعة في إثبات الثواب أثبت، وما ورد في الشرع في إثبات العقاب أثبت عن طريق الشريعة، ثم العقل يكون تابعًا لشريعة الله. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، علمنا أن نترتب الثواب والعقاب في الأفعال والأقوال إنما هو عن طريق الشريعة، والعقل يكون تابعًا لها لا منفردًا عنها، فمن الخطأ أن يقدم العقل على النقل، أن يقدم الإنسان عقله على ما جاء في شريعة الله جل وعلا. فبعض الناس أو المسلمين ربما يرد أحكامًا ويرد أوامر ونواهي بعقله مع ثبوت الشرع بها لأن عقله لم يقبلها أو أن عقله لم يفهمها، وهذا خطأ عظيم ومنزلق كبير يؤدي بصاحبه إلى الضلال والانحراف. بل الواجب التسليم لأحكام الله والإيمان بها والعمل بمقتضاها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، وقال جل وعلا: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. فإذا علم عقلك وأدرك عقلك ما جاءت به الشريعة فالحمد لله، وإن لم يدرك عقلك ذلك فليس الخلل في الشريعة وإنما الخلل في عقلك وفكرك وفهمك، لأن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح. نعم، العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، بل إنه يوافقه ويصدقه ويؤكده، ومع ذلك فإن العقل مع النقل كما قال أهل العلم كالعام المقلد مع العالم المجتهد، العام المقلد يقلد العالم ويتبعه فيما يقول، فكذلك العقل يتبع النقل فيما يأمر وفيما ينهى، وبذلك يسلم الإنسان من الوقوع في الخطأ. فاحذر أيها المسلم أن تجعل عقلك إلهك الذي تتبعه والذي تنقاد له، كما قال الله جل وعلا: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تتذكرون﴾. هذا من أعظم الضلال ومن أعظم الانحراف أن تجعل عقلك إلهك الذي يأمرك والذي ينهاك والذي يقودك والذي يسوقك إلى ما أراد هواك وما أرادت شهواتك، فتقع بسبب ذلك في محارم الله وفيما يغضب الله سبحانه وتعالى. كذلك احذر أيها المسلم أن تقدم شهوتك على عقلك فتقع في الحضيض وتنزل في أسفل الدرجات وأدناها، إن الله عز وجل كرمك بالعقل وكذلك شرفك به، فينبغي أن تضعه في موضعه وأن تنتفع به فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: خلق الله الخلق على ثلاثة أصناف: قوم لهم عقول وشهوات، وقوم لهم شهوات ولا عقول لهم، وقوم لهم عقول ولا شهوات لهم. أما القسم الأول ممن لهم شهوات وعقول فهم الإنس والجن، وأما القسم الثاني فالذين لهم شهوات ولا عقول لهم فهي البهائم، وأما القسم الثالث فالذين لهم عقول ولا شهوات لهم فهم الملائكة. قال: فمن قدم عقله على شهوته ارتفع إلى درجة الملائكة، ومن قدم شهوته على عقله نزل إلى درجة البهائم، فاحذر أن تكون من هذا الصنف الذي ينزل نفسه في درجة البهائم التي لا تعقل ولا تدرك ولا تفهم ما ينفعها وما يضرها. بل اجعل نفسك في الدرجات العالية في درجة الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لطاعته. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على