الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 21، الدرس الحادي والعشرون:من(32ـ وأل تفيد الكل في العموم*في الجمع والإفراد كالعليم...يعم كل عمل بدني ومالي عبادي أو مادي والله أعلم). ألقاها
يناقش هذا الفصل دلالة أل الاستغراقية والعهدية على العموم، حيث أفادت أل الاستغراقية العموم مطلقًا بينما أفادت أل العهدية العموم أو الخصوص بناءً على معهودها. يقدم أمثلة من القرآن الكريم لتوضيح ذلك.
يشرح هذا الفصل صفات الإنسان العامة ويستثني من آمن وعمل صالحًا، ثم ينتقل إلى دلالة دخول أل على أسماء الله وصفاته، موضحًا أنها تفيد العموم والكمال في تلك الصفات.
يدخل هذا الفصل في تطبيقات دلالة أل على العموم في العبادات مثل الجهاد والحج والذبح، ويوضح أن هذه العبادات تحتاج إلى نية لكي تكون مقبولة.
قال رحمه الله: وَأَلْتُفِيدُ الْكُلُّ فِي الْعُمُومِ فِي الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ كَالْعَلِيمِ. قال في الشرح: إذا دخلت أَلْ على لفظ مفرد أو لفظ جمع أفاذت الاستغراق والعموم لجميع المعنى. وأراد بهذا البيت والتي بعده ذكر بعض الألفاظ والألفاظ التي تذلع العموم. وهذه في الحقيقة ليست هي من القواعد الفقهية، وإنما هي من القواعد الأصولية. من القواعد الأصولية هو ذكر الألفاظ التي يعرف بها العموم، والتي تفيد العموم. فذكر منها أل، فقال: إذا دخلت أَلْ على لفظ مفرد أو لفظ جمع أفاذت الاستغراق، يعني استغراق جميع أفراد الداخل في هذا الجنس، والعموم لجميع المعنى. والمراد بأل هنا الاستغراقية، فهي التي تفيد العموم. وأما العهدية، فإنها قد تفيد العموم وقد لا تفيد العموم. تفيد العموم إذا كان معهودها عامًا، إذا كان معهودها عامًا فإنها تفيد العموم، وإن كان خاصًا فإنها تفيد الخصوص. الأهدية الاستغراقية تفيد العموم، أما الأهدية فقد تفيد وقد لا تفيدها. قلنا: إذا كان معهودها عامًا، يعني الذي تعود إليه عامًا، فتفيد العموم، وإن كان خاصًا فتفيد الخصوص. مثال العموم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أو ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. وقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾، ألف الملائكة هنا ماذا؟ للعهد، أهل للعهد. وهنا هل معهودها عام أو خاص؟ يعني الآن الملائكة هذه مرد بها الملائكة، أي الذين ذكروا المعهود ذكرهم في أول آية: ﴿قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾، ثم قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾، هنا الآن أفادت آل الأهدية العموم، لماذا؟ لأن معهودها عام، لأن معهودها عام فأفادت العموم. ومثال الخصوص قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. فعصى فرعون الرسول، الآن قول الله جل وعلا: ﴿الرَّسُولَ﴾، الهنا للعهد، هل تفيد العموم أم الخصوص؟ هنا تفيد الخصوص، المراد بالرسول من؟ موسى، المراد بالرسول موسى، إذن فلم تفيد العموم هنا، فهي على حسب معهودها، بخلافة الاستغراقية فإنها تفيد العموم مطلقًا. قال: فدخولها فعال المفرد، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر أي آخر السورة. فالآن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾، أل في الإنسان إيش؟ الاستغراق، استغراق الجنس، تشمل وتعم كل إنسان، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي كل إنسان. ولهذا يقول أهل العلم من النحات: يقولون إذا أردت أن تعرف آل الاستغراقية، فضع محلها كل، ضع محلها كل، فأخبر الله سبحانه وتعالى أن كل إنسان خاسر. ومما يذل كذلك في هذا الموضع على إفادتها العموم مجيء الاستثناء بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. والاستثناء معيار العموم، الاستثناء معيار العموم، إذا وجد استثناء فاعلم أن هذا الكلام عام، تعلم أن هذا الكلام عام، ولا يمكن أن يستثناء من كلام خاص، لا يكون الاستثناء إلا من العموم. قال: أي كل إنسان في خسر، إلا يقتص بإنسان دون غيره، إلا من استثناء، وهم الذين آمنوا، هؤلاء الذين استثناهم الله سبحانه وتعالى، أهل الإيمان بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، وتواصوا بالحق الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وتواصوا بالصبر على ذلك، فهؤلاء هم الرابحون. قال: فمن فاته شيء من هذه الخصال، كان له من الخسار بحسب ما فاته، أي كل ما قصر في أمر الإيمان والعمل والتواصي بالحق والصبر، كان له من الخسارة نصيب، كان له من هذه الخسارة نصيب. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعٌ﴾. قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي كل إنسان، فهو عام يشمل كل إنسان، كل إنسان خلق من هلع، يعني شدة الضجر والحرص، يكون عنده حرص إذا مسه الشر جزوعًا، يعني يصيبه الجزع والخوف، وإذا مسه الخير منوع، إذا جاءه الخير امتنع، امتنع عن الطاعة، وامتنع كذلك على الإنفاق إلى آخر ذلك من أبواب الخير. قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي كل إنسان، لربه لكنود، يعني كثير الكفر والجحود نعمة الله سبحانه وتعالى، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، أي كل إنسان، كل إنسان فهو ظلوم، أي يقع في الظلم، وكفار، أي يكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى. قال: أي كل واحد من الناس هذه صفته، إلا من أخرجه عن هذه الصفات المذمومة إلى صفات الخير التي هي أضدادها، يعني من استثنى الله سبحانه وتعالى ورحم الله، فخرج من هذه الصفات المذمومة. قال: ومن أمثلة دخول أل على المفرد دخولها على أسماء الله وصفاته. قال: كلما دخلت على اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته أفادت جميع ذلك المعنى، واستغرقت وبلغت نهايته، يعني في دلالة للعموم إذا دخلت على المفرد من ذلك. دخوله على أسماء الله وصفاته وصفاته. قال: قال لك: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، أي الذي له الحياة الكاملة المستلزم لصفات الذات، والقيومية الكاملة الذي قام بنفسه وقام بجميع الخلق تدبيرًا. يعني لما دخل أل على اسم الله جل وعلا الحي والقيوم، أفادت عموم معنى هذين الإسمين، فالحي أفادت معنى عموم الحياة، الحياة المستمرة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يتخلى لها نقص إلى آخر ذلك من كمال الحياة. قال: وهكذا العليم الذي له العلم الكامل الشامل لكل معلوم، أي له عموم العلم، العلم الشامل لكل شيء، يعلم سبحانه وتعالى ما ظهر وما خفى، ويعلم كذلك ما يحصل في هذا الكون وما يجري فيه، حتى دبيب النمل، وحتى كذلك سقوط الأوراق، كلها يعلمها الله، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، هذا من كمال علم الله سبحانه وتعالى. قال: الرحمن الرحيم الذي له الرحمة العامة الواسعة لكل مخلوق، له الرحمة العامة الواسعة لكل مخلوق، وهذا من عموم رحمة الله سبحانه وتعالى، رحمة الحيوانات حتى الحيوانات رحمها الله سبحانه وتعالى، يسر لها رزقها، ويسر لها مستقرها ومستودعها، ونهى عن قتلها، ونهى كذلك عن تعذيبها. وهكذا أيضًا الرحمة حتى الكافر، ما الذي يرزقه وينعم عليه؟ والله سبحانه وتعالى، وهذا من عموم رحمته. قال: الغني الذي له الغناء التام المطلق من جميع الوجوه، غناء الذات والأفعال، فهو غني سبحانه وتعالى عن مخلوقاته، وغني عن أفعالهم، وغني كذلك عن عباداتهم، صدقاتهم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي شيء يذهبكم ويأتي بخلق جديد؟ الله غني عن إباداتنا وأفعالنا وطاعاتنا، فلا يحتاج، لا يحتاج لها، وإنما نحن الذين نحتاج إلى العبادة، ونحتاج إلى الطاعة. قال: العلي الأعلى، أي الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، يعني علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. قال: العظيم الكبير الجليل الجميل الحميد المجيد، الذي له جميع معاني العظمة والكبرياء والجلال والجمال والحمد والمجد. وقص على هذا بقية الأسماء والصفات، يعني لما دخلت عليها الأفادة فيها معنى العموم، العظيم عموم معنى العظمة، عظيم في ذاته، وفي أفعاله، وفي أمره، وفي شرعه، وهكذا جل وعلا الكبير، فلا شيء أكبر منه سبحانه وتعالى. قال: ولو لم يكن بهذه القاعدة إلا هذا الموضع الشريف لكفى به شرفًا وعظمة، يعني إذا لم يدل على العموم أو لم تفد أل العموم إلا في أسماء الله سبحانه وتعالى، كفى ذلك شرفًا وعظمة. قالوا: مثال دخول أل على الجمع مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، الناس جمع، أفاد العموم، أي جميع الناس، فكل الناس فقراء إلى الله سبحانه وتعالى، إلى رحمة الله، وإلى عفو الله، وإلى رضا الله، والله هو الغني الحميد. قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، يدخل في هذا الخطاب جميع الناس، فكل الناس مأمورين بالتقوى. قال: وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يدخل فيه عموم المؤمنين، يشمل كل المؤمنين، ما يخرج المؤمن من هذا الخطاب أبدًا. قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، يدخل فيها كل مشرك، كل مشرك يدخل في هذه الآية، فهو نجس، والمراد بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية، ليس من النجاسة الحسية، المعنوية عن نجاسة الكفر. قال: وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخرها، يعم هذه الأوصاف المذكورة، يعني كل مسلم وكل مسلمة تدخل في هذه الآية. قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، يعم كل عمل بدني ومالي، عبادي أو مادي، والله أعلم، فتشمل هذه الآية تشمل، يشمل هذا الحديث كل عمل، كل عمل فهو داخل في هذا الحديث، «إنما الأعمال بالنيات»، فكل عمل لابد له من نية، كل عمل لابد له من نية، سواء كان عمل بدني كالصلاة والجهاد والحج والصيام إلى آخر ذلك، أو مالي مالي كالزكاء والنفقة. قال: ويدخل فيه أيضًا يدخل فيه الجهاد والحج إذا كان بالمال، والحج يشترك فيه المال والبدن، وكذا أيضًا الذبح. قال: عبادي أو مادي، يعني إذا كان العمل مقصود به العبادة، أو مقصود كذلك به الدنيا، الدنيا ماديًا كان، يكون مثلًا التعامل مع الناس والإحسان إليهم تحتاج إلى نية، وهكذا أيضًا الإنفاق على الأهل والأولاد إذا احتسب ذلك، فإنه يؤجر إذا نوى.