الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 6، الدرس السادس:من(الدين مبني على المصالح*في جلبها والدرء للقبائح... وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ثم أطال رحمه الله تعالى ). ألقاها
الدين الإسلامي قائم على جلب المصالح ودرء المفاسد، والمصالح تشمل حفظ الضرورات الخمس. الأحكام الشرعية مصدرها مصالح العباد.
الأحكام الشرعية مثل الزكاة والبيع والعقود وتحريم الخبائث تحقق مصالح العباد وتدرء المفاسد عنهم، مما يدل على حكمة التشريع الإسلامي.
درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهذه قاعدة شرعية معتبرة تستند إلى أدلة من القرآن والسنة وقصص الصحابة، وتعتبر أساسا في اتخاذ القرارات.
قال رحمه الله: الدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للقبائح. قال رحمه الله في الشرح: هذا الأصل العظيم والقاعدة العامة يدخل فيها الدين كله، فكله مبني على تحصيل المصالح في الدين والدنيا والآخرة، وعلى دفع المضار في الدين والدنيا والآخرة. يعني كل الدين مبني على جلب المصالح، تحقيق المصالح، تكثيرها، ودرء القبائح وتقليلها. وهذه قاعدة يردها الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيرًا في كتبه، يقول: هذا الدين مبني على تحقيق المصالح أو جلب المصالح، تحقيقها وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. إذن، فهذا الدين مبني على هذا الأصل العظيم في جلب المصالح ودرء القبائح، يعني ردها. والمصالح جمع مصلحة، والمصلحة هو كل ما فيه حفظ لأحد الضرورات الخمس. كل ما فيه حفظ لأحد الضرورات الخمس، وما هي الضرورات الخمس؟ ما هي الضرورات الخمس التي جاء الشرع بحفظها؟ النفس، والمال، والعرض، والدين، والعقل. هذه الضرورات الخمس: النفس، والمال، والعرض، والعقل، والدين. إذن، في المفسدة كل ما فيه مضرة على أحد هذه الضرورات الخمس، وكان فيه مضرة على أحد هذه الضرورات الخمس فهو مفسدة، قلت أو كثرت. وهذه القاعدة العظيمة من القواعد الكبرى أو القواعد الكلية احتاج بعض أهل العلم أن عامة القواعد ترجع إلى هذه القاعدة. عامة القواعد هي عبارة عن جلب المصالح ودرء المفاسد، عبارة عن جلب المصالح ودرء المفاسد. وفصل العلماء رحمه الله لهذه القاعدة بأدلة كثيرة، منها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». جاءنا عن أبي سعيد عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم موصولًا ومرسلًا. وعقب قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلم»، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرار ولا ضرار»، «لا ضرار ولا ضرار». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم». قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري». قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تمنع فضل الماء لتمنع به الكلأ». وذلك من الأحاديث الكثيرة التي من تأملها رأى أن فيها بيانًا لهذه القاعدة، وهو جلب المصالح ودرء المفاسد. فكل أمر أمر الله سبحانه وتعالى به فيه جلب مصلحة، وكل أمر نهى الله سبحانه وتعالى عنه فيه درء مفسدة. قال: وما أمر الله بشيء إلا وفيه من المصالح ما لا يحيط به الوصف، وما نهى عن شيء إلا وفيه من المفاسد ما لا يحيط به الوصف. يعني ما من شيء أمر الله به إلا فيه مصالح عظيمة لا تحيط بها العقول، وهكذا أيضًا ما من شيء نهى الله سبحانه وتعالى عنه إلا وفيه من المفاسد ما لا يحيط به الوصف. قال: ومن أعظم ما أمر الله به التوحيد، الذي هو إفراد الله بالعبادة، وهو مجمل على صلاح القلوب وسعتها ونورها وانشراحها وزوال أدرانها، وفيه مصالح الدنيا والدنيا والآخرة. هذا أعظم ما أمر الله سبحانه وتعالى به التوحيد، أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد، إذ هو من كل الأوامر أعظم. أعظم أمر أمر الله سبحانه وتعالى به التوحيد، وهو الذي من أجله خلق الله سبحانه وتعالى الجن والإنس، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، خلق الجنة والنار إلى آخر ذلك. وهو مجمل على مصالح عظيمة، فيه صلاح القلوب، فيه حياة القلوب، وفيه حصول الخير للناس، بما يحصل من التوحيد هو سبب لزوال المعاصي، وزوال الأدران والأوصاف، وكل ذلك يسبب للنجاح في الدنيا والآخرة. قال: وأعظم ما نهى الله عنه الشرك في عبادته، الذي هو فساد وحسرة في القلوب والأبدان والدنيا والآخرة. الشرك أعظم ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، أعظم ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. ولهذا جعله الله سبحانه وتعالى من الأعمال التي يخلد صاحبها في النار إن مات عليها. وهكذا أيضًا إن مات على الشرك لا يغفر الله سبحانه وتعالى له، وما ذاك إلا لعظم هذا الذنب، لعظم هذا الذنب وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهو فساد وحسرة في القلوب، يكون القلب مظلمًا لماذا؟ لأنه جعل غير الله سبحانه وتعالى شريكًا معه يرجوه ويدعوه ويلجأ إليه، فلم يكن القلب خالصًا لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا حسرة على المشرك في الدنيا والآخرة، في الدنيا بما يكون فيه من الذل، وفي الآخرة بما يكون فيه مصيره من دخول النار خالدًا مخلدًا فيها. قال: فكل خير في الدنيا والآخرة فهو من ثمرات التوحيد، وكل شر في الدنيا والآخرة فهو من ثمرات الشرك. كل خير فهو من ثمرات التوحيد، ثمر من ثمرات التوحيد. فالتوحيد يثمر الخير، يثمر الخير، والشرك يثمر الشر. ولهذا تجدون أن البلاد التي ينتشر فيها التوحيد الخير فيها أكثر، الخير فيها أكثر، بخلاف البلاد التي تكثر فيها الشرك تجد الشر فيها أعظم. انظر إلى بلاد الكفر التي يعمها الشرك والكفر كيف الشر الذي حاصل فيها: زنا، شرب الخمور، قتل النفس، هتك العرض، أخذ الأموال إلى آخر ذلك من الشرور العظيمة. وتجد في بلاد التوحيد الخير العظيم من نشر الخير والمحافظة على العبادة والطاعة وقلة الشر، فهذا كله من ثمرات التوحيد. قال: ومما أمر الله به الصلاة والزكاة والصيام والحج، الذي فيه فوائد كثيرة. الذي من فوائد هذا انشراح الصدر ونوره وزوال همومه وغمومه ونشاط البدن وخفته ونور الوجه وسعة الرزق والمحبة في قلوب المؤمنين. يعني في الصلاة من فوائدها انشراح الصدر، يكون في الصدر انشراح وطمأنينة ونور في القلب وفي الوجه، وهكذا زوال الهموم والغموم، بصلة العبد بربه سبحانه وتعالى، ونشاط البدن، فالصلاة تعين الشخص على النشاط، تجد الذي لا يصلي في كسل وخمول. وهكذا سعة الرزق، لأن من أعظم أسباب الرزق الطاعة، الطاعة وتقوى الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا سبب لحصول المحبة في قلوب المؤمنين. قال: وفي الزكاة والصدقة ووجوه الإحسان زكاة النفس وتطهيرها وزوال الوسخ والدرن عنها، ودفع حاجة أخيه المسلم، وزيادة بركة ماله ونماؤه، مع ما في هذه الأعمال من عظيم ثواب الله الذي لا يمكن وصفه، ومن حصول رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، وزوال سخطه. يعني هذه من فوائد ومصالح الأمر بالزكاة أنها تزكية للنفس وتطهير هذه النفس، تطهير هذه النفس من البخل والشح كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّ، بِهَا﴾ [التوبة:103]. والصدقة تزكية للنفس، تطهير. وهكذا دفع حاجة أخيه المسلم، هذه من المصالح التي في الزكاة أنك تعين أخاك الفقير، تدفع عنه ما عنده من حاجة. وهكذا أيضًا أنها سبب لزيادة وبركة هذا المال، أنت تنفق والله سبحانه وتعالى يبارك في مالك، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:39]. كما قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:276]، يعني يبارك ويزيد الصدقات. هذه من بركة الزكاة والصدقة، مع ما في ذلك من حصول الثواب والأجر العظيم. قال: وكذلك شرع العباد الاجتماع للعبادة في مواضع كالصلوات الخمس والجمعة والأعياد ومشاعر الحج، والاجتماع لذكر الله والعلم النافع، لما في الاجتماع من الاختلاط الذي يوجب التوادد والتواصل، وزوال التقاطع والأحقاد بينهم، ومراغمة الشيطان الذي يكره اجتماعهم على الخير، وحصول التنافس في الخيرات، واقتداء بعضهم ببعض، وتعليم بعضهم بعضًا، وتعلم بعضهم من بعض. وكذلك حصول الأجر الكثير الذي لا يحصل بالانفراد، إلى غير ذلك مما في حكم هذه من حكم الاجتماع في العبادة كالصلوات الخمس والجمعة والأعياد ومشاعر الحج، الاجتماع في منى، في عرفة، في المزدلفة، في مكة. الاجتماع لذكر الله والعلم، الاجتماع والعلم النافع، في هذا الاجتماع يحصل مصالح عظيمة، منها حصول التوادد والتواصل، حصول التوادد والتواصل بين المسلمين، وزوال التقاطع والأحقاد بينهم. وهكذا أيضًا ترغيم الشيطان، فالشيطان يحب أن يفرق المسلمين وأن يشردهم، ففي اجتماعهم تضعيف في هذا الشيطان وتخذيل له. وهكذا أيضًا حصول التنافس في الخيرات، في الاجتماع يحصل التنافس في الخيرات، هذا يرى هذا يصلي فينشط للصلاة، يرى يقرأ قرآن فينشط لقراءة القرآن، يرى يجتهد مثلًا في الحج أو في العمرة في الطواف فيجتهد في الطواف، وهكذا في العلم يرى هذا مجتهدًا في العلم فيجتهد. وهكذا يتنافسون في فعل الخيرات. وهكذا يقتدى بعضهم ببعض، ويعلم بعضهم بعضًا، العالم يعلم الجاهل، سواء كان في الجمعة في الخطيب يعلم المستمعين، أو كذلك في طلب العلم، فالمدرس يعلم المتعلم. وهكذا أيضًا في الأعياد، ومشاعر الحج. وهكذا أيضًا حصول أجر كثير الذي لا يحصل بالانفراد، فالاجتماع يعظم الأجر، هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة رجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه بضعين وعشرين ضعفًا». إذن، اجتماع في أجر أعظم. قالوا: أباح سبحانه البيع والعقود المباحة لما فيها من العدل وإحالة الناس إليها. هذا من مصالح الله سبحانه وتعالى أباح البيع، وأحل الله البيع وحرم الربا. فإحلال البيع فيه مصالح للناس، وذلك لأن في ذلك عدل، أن الله سبحانه وتعالى أحل البيع وحرم الربا، فالإنسان الذي يبيع شيئًا يملكه له أن يتصرف فيه، له أن يتصرف فيه، فله أن يبيعه ما دام أنه يملكه. فكان إحلال البيع من العدل، لأن العدل يقضي أن مالك الشيء له التصرف فيه. وهكذا أيضًا حاجة الناس إليها، هذا يحتاج أن يشتري حتى ينتفع بالبضاعة، وهذا يحتاج أن يبيع حتى ينتفع بالمال، فكان من الحكمة إحلاله. وهكذا حرم الربا وسائر العقود الفاسدة لما فيها من الظلم والفساد، والإغناء الناس عنها. حرم الله سبحانه وتعالى الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا، لماذا؟ لأن فيه مفاسد عظيمة: أكل أموال الناس بالباطل، ومحادة لله سبحانه وتعالى، تلاعب واستغلال للناس، وظلم وفساد، فحرم الله سبحانه وتعالى الربا لدرء هذه المفاسد. قالوا: وأباح طيبات من المآكل والمشارب والملابس والمناكح لما فيها من مصالح الخلق ولحاجة الناس إليها ولعدم المفسدة فيها. أباح الله سبحانه وتعالى الطيبات من المآكل والمشارب، يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا. وكما قال جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:31]. وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:32]. وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3]. فأحل الله سبحانه وتعالى هذه الطيبات لما فيها من مصالح الخلق، يحتاجون للأكل والشرب واللبس والنكاح، فأحل الله سبحانه وتعالى لهم. وكذلك لعدم حصول مفسدة فيها، ليس هناك مفسدة من الأكل من الطيبات، لهذا أحلها، بخلاف الخبائث فإنه حرمها. قال: وحرم الخبائث من المآكل والمشارب والملابس والمناكح لما فيها من الخبث والمضرة عاجلًا أو آجلًا. يعني فتحريمها حماية لعباده وصيانة لهم، لا بخلًا عليهم بل رحمة منه بهم. فكما أن عطاءه رحمة، فمنعه رحمة. مثال ذلك أن إنزال المطر بقدر ما يحتاج إليه العباد رحمة منه تعالى، فإذا زاد بحيث تضر زيادته كان منعه رحمة. يقول: تحريم الخبائث من المآكل والمشارب والملابس هذا من المصالح العظيمة التي شرعها الله سبحانه وتعالى، درءًا لهذه المفاسد، لأن فيها الخبيث من المأكل والمشارب، مفاسد، من معه الضرر على الإنسان في بدنه، أو كذلك قد يكون الضرر في الآخرة. وهكذا أيضًا في الملابس حرم الله سبحانه وتعالى الإسبال، وحرم تشبه بالكفار، وحرم لبس الحرير لغير ذلك، لما في ذلك من المصالح العظيمة. وهكذا أيضًا في المناكح، وحرم نكاح الأقارب، وحرم نكاح الشغار، والتحليل إلى آخر ذلك من المحرمات من أنكحة، لما في ذلك من درء المفاسد العظيمة التي تحصل فيها. وسواء كان هذا الخبث المضر كما قال رحمه الله عاجلًا أو آجلًا، قد يكون الضرر عاجلًا يظهر بسرعة، قد يكون في الدنيا، وقد يكون آجلًا أي في الآخرة، أو يكون ضرره متأخرًا. فتحريمها حماية للعباد، حرمها الله سبحانه وتعالى حماية للعباد ورحمة بهم، لا أنه جل وعلا بخل عليهم، لا، بل رحمة منه سبحانه وتعالى بهم. كما ذكر رحمه الله أن المطر نعمة من الله سبحانه وتعالى، فإذا نزل فوق حاجة الناس كان ضررًا عليهم، ورما كان سبب هلاكهم، فإمساكه ماذا؟ رحمة. وهكذا إمساك هذه المحرمات ومنعها عن العباد رحمة من الله سبحانه وتعالى لعباده. قالوا: بالجملة، فإن أوامر الرب قوت القلوب وغذاؤها، ونواهيه داء القلوب وكلومها. يعني جوارحها، الكلم بمعنى الجرح. قال: وكذلك المواريث والأوقاف والوصايا وما في معناها اجتمعت كلها على غاية المصلحة والمحاسن، ولا يمكن ضبط الحكم والمصالح في باب واحد من أبواب العلم فضلًا عن جميعها. يعني كذلك المواريث والأوقاف والوصايا كلها فيها غاية المصالح، من تقسيم الله سبحانه وتعالى الميراث، ففيه مصالح عظيمة. وهكذا أيضًا الحكم في الوقف بأن يحبس فلا يباع ولا يورث ولا يوهب، فيه مصالح عظيمة. وهكذا الوصايا، أن الإنسان يجب عليه أن يوصي إذا كان عند أحد حق أو عليه حق لأحد لا يعلم فيه أحد، فيجب عليه أن يوصي ويكتب الوصية، فذلك فيه مصالح عظيمة حتى لا تضيع حقوق الآخرين، حتى يبرئ ذمته. وهكذا جميع الأوامر والنواهي. قال المنقيم رحمه الله تعالى: وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها، ولا يدرك الوصف حسنها، ولا تقترح عقول العقلاء لو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل واحد منهم فوقها، فحسب العقول الكاملة الفاضلة إن أدركت حسنها وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل منها ولا أعظم ولا أجل، ففيها الشاهد والمشهود له والحجة والمحتج له والدليل والبرهان. قال: والدليل والبرهان ولو لم يأتِ الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانًا وآية وشاهدًا على أنها من عند الله تعالى، وسعة الرحمة، وكلها شاهدة لله بكمال العلم وكمال الحكمة والبر والإحسان، والإحاطة بالغيب والشهادة، والعلم بالمبادئ والعواقب، وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده، فما أنعم على عباده نعمة أجل من أن هداهم لها وجعلهم من أهلها ومما ارتضاهم لها وارتضاها لهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:164]. ثم أطال رحمه الله تعالى في الكلام على ذكر المصالح العظيمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، أو فيما أمر الله سبحانه وتعالى به من أوامر ونهى عن النواهي. وهنا نذكر شروطًا للمصلحة التي يريد الإنسان أن يفعلها، إذا كان هناك أمر يريد أن يقدم عليه وليس عليه دليل صريح من الكتاب أو السنة، فهنا يجب أن تكون هذه المصلحة فيها هذه الشروط. الشرط الأول: أن لا تخالف النص، أن لا تخالف النص، فإن خالفت النص فهي مردودة. إن خالفت النص فهي مردودة، مثلًا أكل الميتة للمضطر يجوز أكل الميتة للمضطر، فإذا ألجأ الإنسان إلى ميتة وليس عنده إلا ميتة إنسان، هل يجوز له أن يأكلها؟ في ذلك مصلحة حتى يحيى ويسلم من الموت، نقول: لا، لا يجوز، لماذا؟ لأن هذه المصلحة مخالفة للنص، هو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:12]، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسره حيا». إذن، فهذه المصلحة مردودة لمخالفتها للنص. والشرط الثاني في المصلحة: أن يكون المقرر لها هم أهل العلم، أهل العلم هم الذين يعرفون هذا من المصلحة فعله أو ليس من المصلحة، وهم الذين يقررون المصالح والمفاسد. أن يكون المقرر لها هم أهل العلم. وشرط الثالث: أن تكون متحققة الوقوع، يعني تكون مصلحة واقعة لا وهمية، تكون عبارة عن أوهام. أن تكون متحققة الوقوع لا وهمية، يعني مصلحة لا حقيقة لها. مثل ما يصيح به الإخوان المسلمون في الدعوة للانتخابات والصعود للبرلمانات، وأن ذلك فيه مصلحة تحكيم الشريعة إلى آخر ذلك، عبارة عن أوهام لا حقيقة لها، لا حقيقة لها. قد وصلوا إلى مثل هذه المواضع وما فعلوا شيئًا، ولا يفعلوا، هذه مصالح وهمية. ومن المصالح التي فعلها الصحابة رضي الله تعالى عليهم جمع المصاحف على مصحف واحد، هذه مصلحة عظيمة لا تخالف النص، بل تدل عليها عموم النصوص، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9]، هذا يؤيد فعل الصحابة رضي الله تعالى عليهم. وكان الذي فعلها هم الصحابة، هم أهل العلم، وكانت مصلحة متحققة. وهنا أيضًا نعلم أنه إذا أراد الإنسان أن يحكم على شيء فإنه ينظر إلى مصالحه ومفاسده، ينظر إلى مصالحه ومفاسده. فإذا غلب جانب المصالح فهو حلال، يعني إذا لم يكن هناك مخالفة من النصوص. وإذا غلب جانب المفسدة فهو حرام، فهو حرام. مثلًا التلفاز، لو أتينا محققًا معه هذه القاعدة: هل مصالحه أعظم أو مفاسده أعظم؟ الجواب: مفاسده أعظم، مفاسده أعظم، وما فيه من المصالح فهو مغمور في بحر الفساد الذي فيه، إذن فيكون الحكم بالتحريم. وهكذا لو أتينا إلى شيء آخر، مثلًا هذه الأجهزة الموجودة الآن: كمبيوتر والإنترنت ونحو ذلك، والراديو، قد يقول قائل: هذه فيها مفاسد، صح، فيها صور قد تطلع في كمبيوتر أو في الإنترنت، وهكذا الراديو فيها غناء. لكن نقول: هذه المفاسد في جانب المصلحة التي فيها لا تؤثر فيها، مغمورة، لماذا؟ لأنك تستطيع أن تزيل هذه المفاسد، الصور تستطيع تمسحها، وهكذا الأغاني تستطيع تنزعها، تستمع للخير الذي فيه، تستطيع تحكم فيه، بخلاف ماذا؟ بخلاف التلفاز، فالتلفاز لا تتحكم فيه، لهذا كان فساده وشره أعظم. وهنا أيضًا يندرج تحت هذه القاعدة: «وديننا مبني على المصالح في جلبها ودرء القبائح»، قاعدة وهي درء المفاسد، درء المفاسد أولى من جلب المصالح. دل العلماء بهذه القاعدة بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:108]. قالوا: فالله سبحانه وتعالى نهى عن سب آلهة المشركين، لماذا؟ مع أن في ذلك مصلحة: إظهار لعزة الدين، وإذلال المشركين، ومع ذلك نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك، لأن فيه مفاسد وهو أن يسبوا الله بغير علم، لما كان في ذلك مفسدة أن يسبوا الله عز وجل، قدم درء المفسدة على جلب المصلحة. وأخذ حيث عائشة في الصحيحين حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم». فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك هذا الأمر وفيه مصلحة عظيمة، لكن لما كان فيه مفسدة فدرءًا لهذه المفسدة ترك النبي عليه الصلاة والسلام هدمها، دل ذلك على معنى هذه القاعدة العظيمة، وهي درء المفاسد أولى من جلب المصالح. كذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين، لماذا؟ قال: «حتى لا يقولوا محمد يقتل أصحابه». ترك قتل المنافقين درءًا لهذه المفسدة. إذن، فهذه قاعدة شرعية معتبرة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، شرعية معتبرة.