الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 28، ألقاها
يناقش التحذير من الشرك بالله وعبادة القبور وتعظيم المخلوقين، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يُظهر خطورة الشرك في إحباط الأعمال الصالحة.
يشرح حكم الحلف بغير الله، موضحًا أنه نوعان: شرك أكبر إذا كان بتعظيم المقسم به، وشرك أصغر إذا لم يكن كذلك، ويبين كفارة الحلف بغير الله.
يشرح أهمية تحقيق شروط لا إله إلا الله وعدم الاكتفاء بقولها باللسان، ويبين أن من ينقضونها بأفعالهم الشركية لا تنفعهم، مشيرًا إلى أهمية إفراد العبودية لله.
يُنبه إلى خطورة الشرك بالله تعالى في إحباط الأعمال الصالحة، ويحذر من الأفعال الشركية التي تنقض كلمة التوحيد، مؤكدًا على أهمية تحقيق التوحيد.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم من يزجد لهم؟ لا يستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني. وقوله رحمه الله تعالى: "بل أخبرني" هذه "بل" تستخدم للإضراب أو للانتقال، فقوله "بل" أي ثبت عندي بخبري من أثق به، لذا قال: "بل أخبرني" من أثق به أنه رأى من يزجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيمًا له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم، أي يحلفون بأسماء أولئك السادة، والقسم كما هو معلوم فيه معنى تعظيم المقسم به. قال: "بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه"، أي وصل به ملحد لهذا الأمر أن الإنسان إذا حصل منه شيء أو ريبه فطلب منه اليمين فحلف بالله رب العالمين لم يقبل ذلك اليمين، قال: "فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه"، قبلوه وصدقوه، وهذا يدل على ماذا؟ على أن المعظم هو ذلك السيد أو ذلك الولي، وأما الله تبارك وتعالى فليس كذلك في قلوبهم. بل بلغ ببعضهم من هؤلاء من عباد القبور أنه إذا فعل شيئًا فقيل له احلف بالله ربما حلف وهو كاذب، وإذا قيل له احلف بالولي الفلاني مع أنه لا يجوز امتنع عن الحلف، إذا قيل له احلف بالله حلف ولا يبالي، وإذا قيل له احلف بالولي الفلاني بسيد الفلاني بذلك صاحب الضريح ممن يعظمهم لا يفعل، وهذا تعظيم واضح لذلك المخلوق فوق تعظيم الله رب العالمين تبارك وتعالى، وهذا هو الشرك بالله جل وعلا أن يعظم مخلوق تعظيمًا مساويًا أو أعظم من تعظيم الله جل وعلا، مع ما فيه من معنى خوف السر من ذلك المخلوق، فهو شرك بالله تبارك وتعالى. قال رحمه الله: "وهكذا كان عباد الأصنام" أي يفعلون كفعلتهم، "وإذا ذكر الله وحده شمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون"، هذا هو حال المشركين إذا ذكر الله وحده تبارك وتعالى نفرت قلوبهم، وأما إذا ذكر غير الله من السادة من الأولياء من المعظمين في قلوبهم من المخلوقين إذا هم يستبشرون. قال: "وفي الحديث الصحيح: من حلف فليحلف بالله أو ليصمت"، من حلف من ألفاظ العموم فليحلف بالله أو ليصمت، أي لا يجوز أن يحلف بغير الله تبارك وتعالى لما فيه من معنى تعظيم لغير الله جل وعلا، لما فيه من معنى تعظيم بذلك المحلوف به. قال: "وسمع صلى الله عليه وسلم رجلًا يحلف باللات فأمره أن يقول لا إله إلا الله"، والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: "وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم فأمره أن يجدد إسلامه، فإنه قد كفر بذلك كما قررناه في شرح بلوغ المرام". وقوله رحمه الله تعالى في ذلك الرجل الذي حلف باللات وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "قل لا إله إلا الله"، أو قال: "من حلف باللات فكفارتها أن يقول لا إله إلا الله". وقول الصنعاني رحمه الله تعالى: "وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم فأمره أن يجدد إسلامه، فإنه قد كفر بذلك" هذا الكلام ليس بصواب؛ لأن من صدر منه هذا الكلام صحابي، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أمره إلا أن يكفر عن ذلك القول بأن يقول لا إله إلا الله، فدل ذلك على أنه وقع منهم ما وقع من سبق اللسان مما اعتاده الناس في جاهليتهم من الحلف بغير الله جل وعلا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم معلمًا أن من صدر منه هذا القول سبق لسانه إلى هذا القول، فكفارته أن يقول لا إله إلا الله، لا أنه ارتد ولا أنه كفر بالله العظيم. حكم هذه المسألة أي حكم الحلف بغير الله تبارك وتعالى، ما حكم من حلف بغير الله جل وعلا؟ الحلف كما يقول علماء رحمهم الله تعالى هو الإقسام بمعظم، فهو إقسام بمعظم، فلذا جعل العلماء رحمهم الله تعالى أن من حلف بغير الله جل وعلا أنه مشرك، وقد دلت على ذلك أدلة أنه وقع منه الشرك؛ لأن أصل الحلف والقسم تعظيم للمقسم به. يقول علماء رحمهم الله تعالى: إن الحالف بغير الله جل وعلا لا يخلو من حال من حالين، إما أن يقسم بغير الله جل وعلا وقد قام في قلبه معنى التعظيم لذلك المقسم به تعظيمًا كتعظيم الله رب العالمين أو أعظم، فمن حلف بغير الله جل وعلا معظمًا لذلك المقسم به كتعظيم الله تبارك وتعالى أو أعظم من ذلك فإنه مشرك بالله، أشرك الشرك الأكبر؛ لأنه سوى غير الله جل وعلا بالله جل وعلا، وهذا هو حقيقة الشرك بالله تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا. وهذا هو حال القبورية الذي يدندن حولهم الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في هذا المقام، أن الرجل منهم إذا قيل له احلف بالله لا يبالي، وإذا قيل له احلف بسيد الفلاني أو بالولي الفلاني تتعتع وتفكر وتدبر ونظر هل قوله صواب أم لا، وإذا أقسم في مقام قسم بذلك الولي على سبيل التأكيد والتقري والتعظيم لذلك القسم يقسم بذلك الولي على أن ذلك الأمر حق لا ريب فيه. وهذا هو التعظيم لغير الله جل وعلا كتعظيم الله أو أشد، بل هو أشد كما هو ظاهر؛ لأنه يحلف، وقبل أن يحلف يعظم ويهول، فإذا أقسم يقول: "والسيد الفلاني" أو "وسيدي فلان" ثم يقول ما يقول، وهذا تعظيم لغير الله جل وعلا كتعظيم الله تبارك وتعالى، وهذا شرك أكبر. الحالة الثانية: أن يحلف بغير الله جل وعلا دون أن يكون في قلبه ذلك التعظيم لغير الله جل وعلا تعظيم الله، إما أنه وقع منه على سبيل أن اللسان قد جرى عليه واعتاده من قبل في زمن الجهل، أو وقع منه ذلك القسم بغير الله جل وعلا لكن لا على سبيل التعظيم كالتعظيم لله رب العالمين تبارك وتعالى، فهذا نوع شرك بالله جل وعلا وهو من الشرك الأصغر، وكفارته أن يقول لا إله إلا الله، بخلاف الأول فإنه يجب عليه أن يتوب إلى الله وأن يرجع إلى الإسلام بالشهادتين، وأن يفعل ما يفعله المرتد إذا رجع إلى دين الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "فإن قلت لا سواء" أي إن قال ذلك القبوريون لا سواء، أي ليسوا سواء، لماذا؟ يقول: "فهؤلاء قد قالوا لا إله إلا الله"، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، والحديث متفق عليه، جاء من حديث أبي هريرة وجاء من حديث ابن عمر وجاء عن صحابة آخرين رضي الله عنهم. قال: "وإذا قال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟" قال: "وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين"، أي خلاصة الشبهة كيف تسوون بين القبورية وبين المشركين الأول مع أن المشركين الأول لا يقولون لا إله إلا الله، والقبورية يقولون لا إله إلا الله بل ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون، فكيف تسوون هؤلاء بأولئك؟ قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى قلت: أي إجابة على هذه الشبهة، قال: "قلت قال صلى الله عليه وسلم إلا بحقها"، أي في الحديث السابق: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، أي بحق ماذا؟ بحق لا إله إلا الله، أي أن النفس والدماء لا تكون معصومة إلا بحق لا إله إلا الله، أن يقوم الإنسان بلا إله إلا الله وبلوازمها ومقتضياتها وشروطها وأركانها، لا بد من عمل بلا إله إلا الله من كل جانب. قال رحمه الله تعالى: "قلت قال صلى الله عليه وسلم إلا بحقها، وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى"، والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ لماذا؟ لأنهم ينقضونها ليلًا ونهارًا، يقولون لا إله إلا الله بألسنتهم وهم يطوفون حول القبور ويدعون الأولياء ويستغيثون بهم ويلجأون إليهم ويتضرعون بهم ويعتقدون فيهم ما لا يعتقد إلا في الله رب العالمين تبارك وتعالى. فهم يقولون لا إله إلا الله بألسنتهم وقلوبهم مؤلها لغير الله جل وعلا، متعبدة لغير الله جل وعلا، معتمدة متوكلة متضرعة خائفة معظمة مجلة لغير الله جل وعلا، ما تنفعهم لا إله إلا الله وهم يعتقدون في غير الله جل وعلا من جلب النفع ودفع الضر والإغاثة وإجابة الدعوات وتفريج الكروبات إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا يستحقها إلا الله يعتقدونها. ثم العجب العجب أن بعضهم ربما قال لا إله إلا الله وهو يقول: "يا سيد فلان أغثني، يا سيد فلان أرزقني الولد، أسألك المدد، أسألك الرزق، أسألك الجاه" إلى غير ذلك، يسأل من يسأل غير الله جل وعلا إذا جاءه الكرب والضيق، قال: "يا سيد فلان فرج عني كربة واقضي عني حاجة" إلى غير ذلك. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وهؤلاء يدعون مع الله خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: "نحن لا نشرك بالله، ونحن نقول لا إله إلا الله"، وهم ينقضونها ليلًا ونهارًا، فأين حق لا إله إلا الله؟ أين لا إله إلا الله والعمل بها والعلم بها واليقين والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من شروط لا إله إلا الله منتفية في حقهم أو لا؟ قال رحمه الله تعالى: "فلم تنفع كلمة الشهادة؛ لأنهم ينقضونها ليلًا ونهارًا"، أليس أولئك الذين أنزل الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرُسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. مع أنهم خرجوا مع رسول الله ويقولون لا إله إلا الله، بل هم في غزو وجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما فعلوا ما ينقض لا إله إلا الله أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، هل نفعتهم لا إله إلا الله وقد أتوا بما ينقضها؟ الجواب: لا. كذلك من أتى بالشرك بالله تبارك وتعالى وإن قال لا إله إلا الله بلسانه هل تنفعه لا إله إلا الله؟ لا تنفعه، ربنا تبارك وتعالى يقول لسيد الأولين والآخرين لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ويقول له ربنا تبارك وتعالى بعد أن ذكر جملة من أنبيائه ورسله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. ثم يأتي هذا المتحذلق فيقول: "كيف نكون مشركين وكفارًا ونحن نقول لا إله إلا الله؟" وما درى المسكين أنه ينقضها ليلًا ونهارًا بأفعاله الشركية بالله تبارك وتعالى. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.