الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 29، ألقاها
يشرح الدرس أهمية قول لا إله إلا الله وعدم الاكتفاء بمجرد النطق بها، بل يجب العمل بمقتضاها وعدم الإتيان بما ينقضها. يستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لتوضيح ذلك.
يتناول الدرس شرك القبوريين ومدى شدته، ويبين أن من ينكر البعث أو يجعل لله ندا يعتبر كافرا ويستحق القتل. يستدل بقصة علي بن أبي طالب مع أصحاب عبد الله بن سبأ.
يشرح الدرس حكم الخوارج الأول في زمن علي بن أبي طالب، حيث اعتبروا باغين وخارجين عن طاعة الإمام. قاتلهم علي لإرجاعهم إلى الطاعة ولم يعتبرهم كفارا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»: قال «فإن قلت: لا سوى، فهؤلاء قد قالوا لا إله إلا الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"». وقال «لأسامة بن زيد: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، بخلاف المشركين»، قلت: قال صلى الله عليه وسلم «إلا بحقها»، قالا: «وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها». وهذا كله قد تقدم معنا في الدرس الماضي، وإنما قرأناه لأجل ربط الدرس بالدرس، قالا: «ولم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء»، أي أن اليهود يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم أتوا بنواقض منها أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ومنها أنهم يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض، فلم تنفعهم لا إله إلا الله؛ لأنهم أتوا بما ينقضها. قالا: «وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبيا لم تنفعهم كلمة الشهادة»، ألا ترى أن بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويصلون، ولكن قالوا: «إن مسيلمة نبي»، فقاتلهم الصحابة وسبوهم. وهذا يبين لنا أن من قال لا إله إلا الله وأتى بما ينقضها، فإن لا إله إلا الله لا تنفعه، إذا قال بلسانه لا إله إلا الله ثم هو ينقضها ليلا ونهارا. وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أمثلة على ذلك من اليهود ومن أصحاب مسيلمة الكذاب، كانوا يقولون: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن مسيلمة رسول الله»، فلم تنفعهم لا إله إلا الله؛ لأنهم أتوا بما ينقضها، أثبتوا النبوة لرجل بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولم ينزل الله تبارك وتعالى لهم في ذلك من سلطان. بل أخبر ربنا تبارك وتعالى أن نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْأَمُونَ وَلَا يَضْعُفُونَ وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَعَدُهُمُ اللَّهُ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:29]، وقال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:40]. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «إلا أنه لا نبي بعد»، فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ومن زعم ذلك فقد كفر. فهؤلاء يقولون لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ولكنهم أتوا بما ينقضها، فما نفعتهم لا إله إلا الله. وتقدم معنى مثل ذلك في أولئك القوم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، خرجوا مجاهدين، ولكنهم أتوا بكلمة قبيحة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفروا بها، قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكذب ألسنات وأرغب بطون وأجبن عند اللقاء»، فأنزل ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:65-66]. وهذا حكم من الله رب العالمين جل وعلا: «لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». كانوا يقولون لا إله إلا الله ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويصلون ويصومون، بل وهم في غزوة مع رسول الله، لكن لما أتوا بالناقض من نواقض لا إله إلا الله ما نفعتهم لا إله إلا الله، بل كفرهم ربنا تبارك وتعالى: «لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». قال رحمه الله تعالى: «فكيف من جعل للولي خاصة -وفي بعض النسخ "خاصية"- الإلهية، ويناديه للمهمات»، وفي بعض النسخ «للملمات»، والمعنى متقارب، أي ينادون أولياءهم وآلهتهم عند الشدائد، ينادونهم من دون الله تبارك وتعالى. وهذا يدلنا على أن الشرك الذي وقع فيه القبوريون أشد من شرك المشركين الأول؛ إذ أن المشركين الأول إنما يدعون آلهتهم في حالة السراء، أما في حالة الضراء والكرب والضيق فإنهم لا يدعون إلا الله تبارك وتعالى مخلصين له الدين، فإذا رجعوا إلى الأمن والرخاء أشركوا مرة أخرى، بخلاف القبوريين فإنهم يدعون غير الله ويقصدون غير الله في السراء والضراء. قال رحمه الله تعالى: «وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق أصحاب عبد الله بن سبأ -اليهود الذي أظهر الإسلام نفاقا لأجل أن يدخل فيه ما ليس فيه-، وما علم ذلك الخبيث بأن دين الله تبارك وتعالى محفوظ بحفظ الله تبارك وتعالى له». قال: «وكانوا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكنهم غلوا في علي بن أبي طالب، ولكنهم غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقده القبوريون وأشباههم -أي في ساداتهم وأوليائهم وأصحاب أضرحتهم-، وقع منهم ما وقع من الأولين الذين ألهوا عليا». لكن انظر إلى حكم علي فيهم رضي الله عنه وأرضاه، حرقهم؛ لأنهم كفار؛ لأنهم مرتدون بعد إسلامهم، زعموا أن عليا إله، تعالى الله وتقدس عن قول الأفاكين علوا كبيرا. قال رحمه الله تعالى: «بل عاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة»، أي لم يعاقب بها علي أحدا من العصاة؛ فإنه حفر لهم الحفائر وأجج لهم نارا وألقاهم فيها. وقال: «لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا». وقال الشاعر في عصره: «لترمي بي المنية حيث شاءت إذا لم ترمي بي في الحفرتين»، إذا ما أججوا فيهن نارا: «رأيت الموت نقدا غير درهم ... غير دين»، رأيت الموت نقدا غير دين. فأشهد من هذا أن قصة علي مع هؤلاء الزنادقة ثابتة، وأصلها في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لما بلغه أن عليا رضي الله عنه وأرضاه حرق بعض الزنادقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاه: «أما لو كنت مكانه لما حرقتهم؛ لقول الله -أو لقول النبي صلى الله عليه وسلم-: "لا يعذب بعذاب الله"، لأن النار معذاب الله، ولقتلتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"». فالحاصل أن القصة ثابتة، وقد ذكرها مطولة وذكر فيها تفاصيل جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى في كتبهم، كالإمام أحمد وأبي داود والطبري في «تهذيب الآثار» والبيهقي في «الكبرى» وغيرهم ممن ذكر هذه الواقعة التي حصلت في زمن علي رضي الله عنه وأرضاه، وتداولها من ألف في الملل والنحل من المصنفين. قال رحمه الله تعالى: «والقصة في "فتح الباري" -أي "فتح الباري شرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر-»، قالوا: «والقصة في "فتح الباري" وغيره من كتب الحديث والسيَر»، أي أنها ثابتة، وثبوتها معلوم عند العلماء رحمهم الله تعالى. والشاهد منها أن هؤلاء مع أنهم كانوا يقولون لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ولكنهم لما أتوا بما يناقضها قتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه، بل وحرقهم، وهو في أمر التحريق مجتهد في ذلك. قال: «وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل»، ولو قال لا إله إلا الله، «فكيف من يجعل لله ندا؟!» أي فكيف الذي يجعل لله ندا، فهو أشد وأولى بهذين الحكمين: بأنه كافر وأنه يقتل مرتدا؛ لأنه نقض لا إله إلا الله. قال رحمه الله تعالى: «فإن قلت: قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتل رجل لمن قال لا إله إلا الله»، كما هو معروف في كتب الحديث والسيَر، وهي قصة معروفة ومشهورة: أن أسامة في بعض الغزوات رأى رجلا قد أوقع في المسلمين فتوجه إليه أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه، ورجل من الأنصار، فلما علوه بالسيف قال: «لا إله إلا الله»، فأمسك الأنصاري وقتله أسامة بن زيد. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما جرى، أنكر ذلك وقال لأسامة: «كيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!» الحديث. أشهد بأن هؤلاء يقولون: «فكيف تفعلون؟ كيف تقولون بأنه يكفر وأنه يقتل؟! والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة ما قال حينما قال ذلك المشرك لا إله إلا الله، فكانت لا إله إلا الله عاصمة له من القتل بنص حديث رسول الله»، هذه حاصل وملخص شبهة هؤلاء القبوريين. فقال الشيخ رحمه الله: قال الإمام الصنعاني: «قلت: لا شك أن من قال لا إله إلا الله من الكفار حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله»، هذا محل اتفاق: أن الإنسان إذا كان مشركا، إذا كان كافرا فقال لا إله إلا الله، يتوقف في أمره، ولا يقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». فإذا قال: يتوقف في أمره، ثم ينظر: هل هو ملتزم لمعنى لا إله إلا الله؟ هل هو عامل بمقتضى لا إله إلا الله؟ أم أنه قالها بلسانه وهو ينقضها ليلا ونهارا كما يفعل كثير من المشركين وكثير من الفجار؟! قال رحمه الله تعالى: «ولذا أنزل الله في قصة محلم بن جثامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:94] الآية»، أي الأصل أن من قال لا إله إلا الله أن نتوقف في أمره، وأن لا نتعجل في أمره بأمر قتله، بل نتوقف وننظر. قال: «فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي تثبتوا»، قال: «فإذا تبين التزامه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبين خلافه لم يحقن بمجرد التلفظ ماله ودمه؛ لما تقدم»، لماذا؟ لأنه أتى بما ينقض لا إله إلا الله. قال: «وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، ولم تنفع هذه الكلمة بمجردها اليهود، ولا نفعت هذه الكلمة الخوارج -مع من ضم إليها من العبادة التي يعتقد الصحابة عبادتهم- إلى جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"». وذلك لما خالفوا بعض الشريعة، وكانوا شر القتل تحت أديم السماء، كما ثبت به الأحاديث. فثبت أن مجرد قول كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكاب ما يخالفها من عبادة غير الله. بمعنى أن لا إله إلا الله إذا قالها بلسانه ونقضها بجنانه، وكذلك بأفعاله وبأقواله، فإن لا إله إلا الله لا تنفعه؛ لماذا؟ لأنه ينقضها، يقول لا إله إلا الله ويعبد غير الله، أو يقول لا إله إلا الله ويسب الله أو يسب رسول الله أو يسب دين الإسلام أو ما شابه ذلك، هل تنفعه لا إله إلا الله؟ ما تنفعه لا إله إلا الله. لابد من العلم بمعناها والعمل بمقتضاها، وأن لا يعمل شيئا ينقضها، فإذا فعل شيئا ينقض لا إله إلا الله لم تنفعه لا إله إلا الله. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا بحقها»، أي لابد أن يأتي بحق لا إله إلا الله من العمل بمقتضاها، وكذلك البعد عن نواقضها. فمن أتى بخلاف مقتضاها أو أتى بشيء من نواقضها، لا تنفعه لا إله إلا الله. قال رحمه الله: «وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، ولم تنفع هذه الكلمة بمجردها اليهود، ولا نفعت هذه الكلمة الخوارج -مع من ضم إليها من العبادة التي يعتقد الصحابة عبادتهم- إلى جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم». وفيه إشارة منه رحمه الله تعالى إلى مذهبه في الخوارج: وأن الخوارج كفار، مع أنهم يقولون لا إله إلا الله، وعندهم ما عندهم من العبادة، وهذه مسألة خلافية بين الأئمة رحمهم الله، أي مسألة تكفير الخوارج: هل الخوارج كفار أم لا؟! مسألة خلافية، الجمهور من العلماء على عدم التكفير، وعن أحمد -عن إمام أحمد رحمه الله تعالى- رواية بالقول بتكفير الخوارج؛ للأدلة المذكورة في الباب. وأما الخوارج الأول الذين كانوا في زمن علي رضي الله عنه وأرضاه، فإن حكمهم حكم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، حينما قال لهم: «من الكفر فر»، قال: «إخواننا بغوا علينا»، جعلهم علي رضي الله عنه وأرضاه من الفئة الباغية التي خرجت عن طاعة الإمام، فقاتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه لإرجاعهم إلى الطاعة. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.