شرح تطهير الإعتقاد 31

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 31، ألقاها

مقدمة في حكم النذور والنحائر

يناقش حكم النذور والنحائر من حيث الشرع، ويبين أن النذر عبادة لله تعالى. النذر يتضمن تعظيم وإجلال للمنذور له، وصرف العبادة لغير الله شرك بالله.

تفصيل في النذر كعبادة لله تعالى

النذر عبادة لله تعالى لأنه يتضمن فعلًا محبوبًا له، والوفاء به يدل على إخلاص العبادة لله. العبادة حق لله تعالى وهو أعظم واجب على العبد.

الشرك في الذبائح والاستعانة

الذبائح التي تذبح لغير الله تعتبر شركًا، مثل الذبح للجن أو للضيف تعظيمًا وتقربًا. نهى الله عن الشرك في الاستعانة والعبادة، مثل الذبح باسم غير الله أو الاستعانة بغيره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام محمد بن إسماعيل بن الأمير الصنعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد"، وهو في صدد ذكر شبه القبورية ومناقشتها: قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: هذه النذور والنحائر، ما حكمها؟ فإن قلت: أي هذا سؤال يطرح إذا قال القائل: أنتم تقولون بأن الذبح لغير الله والنذر لغير الله بأنه لا يجوز، فيقول: ما حكمها؟ ما حكم النذر؟ وكذا ما حكم الذبائح والنحائر؟ فقبل أن نقرأ كلام الإمام رحمه الله، ينبغي أن يعلم أن القاعدة عند العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب -أي حتى يُحكم على الشيء بأنه شرك بالله جل وعلا، ولا سيما إذا كان شرك العبادة- لابد أن يُثبت أن ذلك الفعل عبادة. فلابد لمن أراد أن يُثبت أن ذلك الفعل بأنه شرك بالله جل وعلا إذا صُرِف لغير الله جل وعلا، ينبغي له أولاً أن يُثبت أن ذلك الفعل عبادة، وأن ذلك الفعل حق لله تبارك وتعالى لا يجوز صرفه لغير الله جل وعلا. لذا قال الإمام رحمه الله تعالى: فإن قلت: ما حكمه؟ فإن قلت: هذه النذور والنحائر، ما حكمها؟ أي: من حيث الشرع، ما حكمها الشرعي؟ في الشرع. والنذور جمع نذر، والنذر في اللغة: التزام فعل الشيء. وفي الشرع: التزام مكلف فعل طاعة لم تجب عليه بأصل الشرع. هذا هو معنى النذر شرعًا: أن يُلزِم الإنسان نفسه شيئًا، ويُوجب على نفسه شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع، ولكن بنذره. والنذر عبادة، وكونه وكونها عبادة يتبين بأمور ثلاثة. كون النذر عبادة يتبين بأمور ثلاثة. أولها: حقيقة النذر ومعنى النذر. فإن النذر في الشرع -كما تقدم- حقيقته: إلزام الإنسان نفسه شيئًا لم يكن واجبًا بأصل الشرع تعظيمًا للمنذور له. تعظيمًا للمنذور له، فهو عبادة بهذا الاعتبار؛ لما فيه من معنى التعظيم والإجلال والتقرب للمنذور له. فهذه عبادة بهذا الاعتبار، وصرف العبادة لغير الله جل وعلا شرك بالله جل وعلا. هذا أمر. أمر آخر: من قول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، أي: ما أنفقتم من نفقة في سبيل الله، أو ما نذرتم من نذر في سبيل الله، فإن الله يعلمه. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: تعليق الشيء بعلم الله جل وعلا يدل على ترتب الثواب والجزاء على ذلك الفعل. ولا يترتب الثواب والجزاء إلا على محبوب إلى الله جل وعلا، على فعل محبوب إلى الله جل وعلا مرضي لله جل وعلا. وهذه هي حقيقة العبادة؛ لأن العبادة -كما مر معنا مرارًا- بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فهي كذلك عبادة بهذا الاعتبار. والاعتبار الثالث، والوجه الثالث في بيان أن النذر عبادة: قول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. والوفاء بالنذر يدل على أن ذلك محبوب إلى الله جل وعلا، على أن ذلك محبوب إلى الله جل وعلا. وما كان محبوبًا لله جل وعلا فهو عبادة -كما تقدم-، وصرف العبادة لغير الله جل وعلا شرك بالله؛ لأن العبادة حق لله جل وعلا، بل هو أعظم حق لله جل وعلا. الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، الله جل وعلا: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. فإخلاص الدين لله جل وعلا، وإخلاص العبادة لله جل وعلا مطلوب، بل هو أعظم واجب على العبد. قال نبينا صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه- قال له: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟» ثم قال: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». هذا هو حق الله الأعظم: أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا. فصرفوا العبادة لغير الله جل وعلا، شركوا بالله جل وعلا. وقوله رحمه الله تعالى: والنحائر، النحائر مفردها نحيرة، والنحيرة هي الذبيحة، أو هي التي تنحر من النحائر من الإبل ونحوها. والأصل في الذبائح الإباحة إذا كانت على وفق الشريعة الإسلامية، أي: كانت لله أو كانت مباحة لأجل شيء مباح، لكن بأن يستعين بالله جل وعلا. وكما يقول علماء رحمهم الله تعالى: الذباح إذا كانت فيه مباح فهي مباحة؛ كمن يذبح أو ينحر لأجل اللحم، أو لأجل أن يتجر بذلك اللحم. كالجزار يذبح شاة، يذبح بقرة لأجل أن يتجر بها، يبيعها، هذا مباح. لكن الكلام ها هنا الكلام ها هنا على النحائر والذبائح التي فيها معنى التقرب، وفيها معنى التعبد والتعظيم والإجلال لذلك المذبوح له. لذا يقول علماء رحمهم الله تعالى: أن الذبائح إذا كانت على هذا الوجه، فإنها تكون مشروعة، بل تكون عبادة وتوحيدًا إذا كانت لله وبالله. إذا كانت لله وبالله، أي: لله خالصة، وبالله استعانة، أي: يذبحها باسم الله، بعون الله، ويذبحها لله جل وعلا. فالذبائح إذا كانت باسم الله، وكانت لله جل وعلا، طيب. من أجل أن نتم ما تقدم، قلنا: النحائر هي عبادة. ويدل على أنها عبادة -كما سمعتم أولًا- أنها تذبح تقربًا للمذبوح له، تقربًا للمذبوح له، هذا أمر. والأمر الثاني: أن الله تبارك وتعالى أخبر بأنها عبادة، كما في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فقل: الله جل وعلا: ﴿وَنُسُكِي﴾، على أحد التفسيرين: أن المراد بالنسك الذبائح. وأيضًا في قول الله جل وعلا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، هذا أمر، والله جل وعلا لا يأمر إلا بمحبوب له، فهو عبادة كذلك بهذا الاعتبار. وصرفه لغير الله جل وعلا شرك بالله جل وعلا. لذا يقول علماء رحمهم الله تعالى: أن الذبائح إذا صرفت لغير الله تقربًا لغير الله جل وعلا، سواء كانت تقربًا لجني، أو تقربًا لسيد، لولي، أو لملك، أو لشمس، أو لقمر، أو لغير ذلك، هذا شرك بالله جل وعلا. ومما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى كذلك من الشرك بالله جل وعلا في الذبائح: أن تذبح الذبيحة تقربًا للضيف، سلطان، أمير يأتي، تذبح الذبيحة لا لقصد الإكرام، تذبح لله، أو لقصد الإكرام، لكن تذبح تقربًا وتعظيمًا لهذا الضيف الذي نزل سلطانًا، أو عظيمًا من العظماء، كبيرًا من الكبراء، هذا ذكره كذلك بأنه شرك بهذا الاعتبار؛ لأنه فيه تقرب لغير الله جل وعلا. وكذلك منهم من يفعله بعض الجهال إذا دخل بيتًا جديدًا، ذبح ذبيحة، يقول: هذه لأجل الجن، لأجل أن يدفع بها شر الشياطين، هذه لأجل الجن، هذه كذلك ذبيحة لغير الله جل وعلا، تقرب بها لغير الله جل وعلا، فيمنى الشرك بالله جل وعلا. وكلها من أنواع الشرك بالعبادة. ومن الشرك في الاستعانة: أن يذبح الذبيحة ويقول: باسم الولي الفلاني، هذا يحصل، وكما تفعل النصارى، فتقول: باسم المسيح، هذا شرك في الاستعانة. والأول شرك في العبادة، وكله من الشرك بالله جل وعلا الذي نهانا الله جل وعلا عنه، وحذرنا منه في آيات كتابه الكريم. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على