وقفات مع آيات الصيام  3

وقفات مع آيات الصيام 3

الدرس في وقفات مع آيات الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل رمضان ونزول القرآن ودور التدبر

يتميز شهر رمضان بنزول القرآن فيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن فيه اقتداءً به في كثرة القراءة والتدبر. يؤكد الدرس على أن الغاية هي الفهم والتدبر لا مجرد الإسراع في الختم، ورجح أهل العلم التدبر مع كثرة الختم.

أفضلية التدبر والعمل على كثرة الختم

تقرر القاعدة أن قراءة القرآن بتدبر وتفهم وإن قل الختم هي الأولى والأفضل، لأن الغاية من إنزاله التدبر والذكرى لأولي الألباب. وبين أن القرآن حجة للعامل به وحجة على تاركه، وأن سورتي البقرة وآل عمران تحاجان عن قارئهما العامل بهما يوم القيامة.

محاسبة النفس والتطبيق العملي للقرآن

يحث الدرس القارئ على مراجعة نفسه عند مرور الآيات بالأوامر والنواهي، متسائلاً عن مدى امتثاله للعبادة الخالصة وإقامة الصلاة واجتناب الشرك. ويؤكد أن الهدى بالقرآن لا يتحقق إلا بالعمل به، فمن قرأ وتدبر وعمل نال أجر القراءة والتدبر والعمل.

خاتمة الدرس والوداع

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى الاكتفاء بما تم طرحه من فوائد حول التدبر والعمل، مع تفويض العلم لله تعالى. ووجه الشكر للمشاهدين على متابعتهم وحسن استماعهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن قوله تعالى في آيات الصيام: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 185] الآيات. قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾، هذه خصيصة من خصائص هذا الشهر دون غيره من أشهر السنة، أن الله عز وجل أنزل فيه القرآن. ولذلك شهر رمضان هو شهر القرآن. فقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. هذا هو وجه الشاهد، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدارسه جبريل القرآن في هذا الشهر المبارك. فينبغي للمسلم أن يقتدي بنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعتني بهذا القرآن، ويكثر من قراءته، ومن التدبر فيه، ومن العمل به، ومن كذلك المذاكرة والمدارسة للقرآن في هذا الشهر المبارك. ولتعلم أخي المسلم أن القرآن ينبغي أن يؤثر عليك، لا أن تقرأه هذًّا سريعًا، وتكون الغاية من قراءته هو الانتهاء منه، وختم القرآن عدة مرات في هذا الشهر. بعض الناس هذه غايته، بغض النظر عن انتفاعه بالقرآن وتدبره للقرآن، وهذا مفهوم خاطئ. فينبغي عليك أن تهتم بأمر التدبر والتفهم لما تقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى. وإن كان هذا التدبر سببًا في تأخر ختم القرآن، فسئل كثير من أهل العلم فيما هو الأفضل: التدبر للقرآن وإن كان المرء لا يختمه كثيرًا، أو القراءة السريعة للقرآن مع ختمه مرات وكرات؟ فكان الجواب الأول: أن قراءته بالتدبر والتفهم، وإن لم يختم القرآن كثيرًا، هو الأولى وهو الأفضل. وهو الأفضل لأن الغاية والحكمة من القراءة مع رجاء الأجر في هذه القراءة التدبر. ومن أجل هذا أنزل القرآن، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. فهذه هي الغاية، وهذه هي كذلك الهدف الأسمى الذي ينبغي أن يسعى إليه المسلم: التدبر. وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، يعني: إذا لم يتدبروا القرآن ويؤثر فيهم القرآن، فهذا دليل على وجود الران وعلى وجود القسوة في قلوبهم. ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾. فهكذا ينبغي للمسلم أن يعتني بتدبر القرآن، وبكذلك العمل بالقرآن. ما الفائدة في أن المرء يقرأ القرآن ولا يعمل به؟ فيكون القرآن حجة عليه. كما جاء في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه في الصحيح، في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والقرآن حجة لك أو عليك». حجة لك إذا أنت عملت به، إذا أنت استفدت منه بالائتمار بالأوامر والانتهاء عن النواهي، فأنت في ذلك تنتفع بالقرآن، فيحاج القرآن عنك، يحاج القرآن عنك بعملك به. كما جاء أيضًا في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا». انظر إلى هذا القيد: الذين كانوا يعملون به في الدنيا. تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما، تحاجان عن صاحبهما. انظر فضل وشرف من عمل بكتاب الله سبحانه وتعالى. فأنت في هذا القرآن تمر بك الكثير من الأوامر، فاسأل نفسك: هل أنت ممن يأتمر بها؟ تمر بك الكثير من النواهي، فاسأل نفسك: هل أنت ممن ينزجر وينتهي عن هذه النواهي؟ يمر بك قول الله عز وجل: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36]، فهل قد حققت العبادة وتخليت عما يناقضها من الشرك بالله عز وجل؟ هل علقت قلبك بالله سبحانه وتعالى وحده؟ هل دعوت الله وحده؟ هل ذبحت لله وحده؟ هل استعذت بالله وحده؟ اسأل نفسك كذلك. يمر بك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]، فهل أنت ممن يحافظ على الصلوات في أوقاتها المحددة التي حددها الشرع؟ هل أنت ممن يقيم هذه الصلاة في جماعة؟ لأن الله عز وجل خاطبك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]، فهل أنت من الراكعين لله عز وجل مع المسلمين الراكعين في المساجد؟ فاسأل نفسك. وهكذا تمر بك الكثير والكثير من الأوامر ومن النواهي، فاسأل نفسك: هل أنت ممن يمتثل الأوامر وينتهي عن النواهي؟ فهذا أمر مهم جدًا. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ﴾، فهل اهتديت بهذا الهدى؟ هذه الآية فيها إشارة أيضًا إلى العمل بالقرآن، إذ أن الله عز وجل أنزله هداية للعالمين، هداية للمؤمنين. فهل أنت ممن اهتديت بهذا القرآن؟ وكيف تكون مهتديًا بالقرآن إلا إذا كنت عاملًا به؟ إلا إذا كنت عاملًا به؟ فهذا لفت مهم جدًا في قراءة المسلم لكتاب الله سبحانه وتعالى. فإذا قرأ القرآن، وتدبر القرآن، وعمل بالقرآن، فقد نال الشرف العظيم، وقد نال الأجر الكبير: أجر القراءة، وأجر التدبر، وأجر كذلك العمل. فحاز هذه الفضائل وهذه المناقب الكثيرة والكثيرة. إن شاء الله نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة.