الدرس في حال السلف في رمضان 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل فضيلة إطعام الطعام في رمضان مستدلاً بالأحاديث النبوية، مثل حديث "أفشوا السلام وأطعموا الطعام" وحديث "من فطر صائما كان له مثل أجره". كما يشرح كيف يمكن للمسلم كسب أجر الصيام بإطعام الصائمين.
يذكر هذا الفصل أمثلة من سلفنا الصالح على إطعام الطعام، مثل ابن عمر وإمام أحمد والحسن البصري وعبد الله بن المبارك، ويشير إلى انتشار هذا الخلق بينهم في رمضان ويحث على البذل والجود.
يناقش هذا الفصل آراء أهل العلم حول إفطار الصائم، حيث يختلفون بين اعتبار الإفطار بأدنى شيء أو بالإشباع، ويشير إلى أن إفطار الصائم لا يقتصر على الفقراء بل يمكن أن يكون للجميع.
يختم هذا الفصل بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويؤكد على علم الله تعالى، مما يظهر الختام الديني للدرس أو الخطبة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله في دروس خلت عما يتعلق بأحوال سلفنا في رمضان، وما يتعلق بأمر الجود، وما كان من الكرم والبذل والعطاء التي تأس به سلفنا صالح. وقد مر معنا الأدلة التي جرتهم إلى التحلي بهذه الصفة وبهذه الخلة، وذكرنا كذلك ما يتعلق بأنواع الجود وبصور الجود، وما هي الأسباب الدافعة إلى حرص سلفنا الصالح بعد أمر الصيام والقيام الإلمام بأمر الجود. قد مر ذلك معنا في دروس سابقة. ومما يذكر إخواني في الله في هذا الباب كذلك مما يتعلق بأحوال سلفنا من أمر الجود أن الملاحظ في أمر سلفنا الصالح بعد معرفتهم بأن الجود بابه واسع، إلا أن همتهم تطرقت إلى باب معين من أبواب الجود، ألا وهو إطعام الطعام. إطعام الطعام، الجود بابه واسع، قد يكون جودا بالعلم، قد يكون جودا بالمال، قد يكون جودا بالنفس، إلى غير ذلك من أنواع الجود. لكن الملاحظ أن سلفنا الصالح حرصوا على أن يكون جودهم في إطعام الطعام. ولماذا هذه الميزة؟ الميزة إخواني في الله للأدلة العامة والخاصة الدالة على فضيلة إطعام الطعام. فمن الأدلة العامة ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام». فهذا الحديث فيه دلالة على أن من شيم الأخلاق ومن مكارم النبلة أنهم يطعمون الطعام، وأن هذا سبيل وطريق إلى إدخالك الجنة يا عبد الله. وأيضا مر معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله...» فذكر منها عليه الصلاة والسلام: «أو تطرد عنه جوعا»، أي أنك تطرد جوعا عن مسلم، وذلك يكون في باب النكبات، في باب المصائب، وفي باب المجاعات. وأيضا في باب الصائمين إذا كان صائم قد اعتراه الجوع، فأنت تطرد هذا الجوع بإطعام الطعام. فهذه الأدلة العامة أسعفت سلفنا الصالح على المسارعة إلى بذل الجود في إطعام الطعام. وهكذا الأدلة الخاصة كما جاء في السنن من حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما كان له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجره شيء». فمن فطر صائما، تأمل يا عبد الله، فلك أجر الصائم. وهذا الحديث إخواني في الله وإن كان فيه علل، إذ أنه من طريق عطاء عن زيد بن خالد، والصحيح أن عطاء لم يدرك ولم يسمع من زيد بن خالد كما صرح بذلك ابن المديني رحمه الله تعالى في العلل. إلا أن هناك شواهد تؤيد معنى هذا الحديث، تؤيد معنى هذا الحديث، وهو أنه من أعان على الشيء فإنه أجر هذه الفعلة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير فله أجره»، قال عليه الصلاة والسلام: «من جهز غازيا فقد غزى». فدل ذلك على أنك إن أنت عبد من عباد الله على طاعة، فلك يا عبد الله أجر الطاعة. فهذه العمومات تدل على صحة معنى الحديث: «من فطر صائما كان له مثل أجر صاحبه». ومن هنا تأتي هذه المسألة، يقول العلماء: أيعجز أحدكم أن يصوم في الشهر الواحد أكثر من مرة؟ قد يقول قائل: وكيف هذا؟ هذا يا عبد الله بابه عن طريق هذا الباب، أنك تفطر الصائمين. فكلما فطرت الصائمين يا عبد الله، فلك أجر هؤلاء الذين قد أفطرتهم. فإن أفطرت خمسا، فكأنك صمت خمس مرات. فإن أفطرت في اليوم الواحد عشرة، فكأنك صمت عشرة أيام. وهكذا يا عبد الله، بإمكانك أن تخرج من شهر رمضان وأنت صمت عدة أشهر، وذلك على قدر الناس وعلى قدر الصوم الذين قد أفطرتهم. ولهذا إخواني في الله، مع هذه الأدلة العامة والخاصة الدالة على فضيلة إطعام الطعام، سارع سلفنا الصالح إلى البذل وإلى إطعام الناس وإلى إطعام الصوام، وضربوا لنا أروع الأمثلة. حتى أن بعضهم لربما يبدي غيره على نفسه. أثر هذا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان في ساعة إفطاره، إذ بسائل أي محتاج مسكين يطرق عليه الباب، فسأله سؤالا أراد الإطعام. فما كان من ابن عمر رضي الله تعالى عنه إلا أنه دفع فطوره لهذا المسكين وجلس بلا شيء، حبا منه في إطعام الطعام، وأنها حسنة عظيمة تكون في سجلات أعمالك يا عبد الله. وأُثر كذلك هذا عن إمام أحمد رحمه الله تعالى، كما ذكر ذلك في ترجمته، أنه قد أعد رغيفين أعد رغيفين لفطوره، فحينما أراد أن يفطر جاءه سائل سأله طعاما، فدفع له هذه الأرغفة وجلس بلا فطور رحمه الله رحمة واسعة. ونقل كذلك عن الحسن البصري أنه كان لربما يقدم الفطور لأصحابه وهو لم يفطر، يقدم الفطور لأصحابه وهو لم يفطر. ونقل كذلك عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وأثراجم كثيرة عن سلفنا الصالح، كانوا يتفننون في هذا الباب في جودهم بإطعام الطعام لغيرهم، وخاصة في رمضان. قال أبو سوار العدوي رحمه الله تعالى: «كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم لوحده قط». ما أفطر أحد منهم لوحده قط. فإن وجد أحدا يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكل مع الناس وأكل الناس معه. قم إخواني في الله في البذل والجود وإطعام الطعام، ما عثر على واحد منهم أنه كان يفطر وحده. لو ربما سحب معه في بيته من الفقراء والمحتاجين والمعوزين والصائمين، فيفطر مع هؤلاء، يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإطعام الصائمين. فإذا ما وجد أحدا يأكل معه، أخذ طعامه وذهب به إلى المسجد فأكل مع الناس فأطعم الناس، حتى ماذا يتلذذ بهذه العبودية لله سبحانه وتعالى بإطعام الطعام. فكان ذلك من أحوال سلفنا الصالح الحرص على الجود، وخاصة على إطعام الطعام. وهذا إخواني لا يمكن في هذه الأزمان من منَّ الله سبحانه وتعالى عليه بالمال، أنه ماذا ينفق في إطعام الصائمين كما يجري هنا، إما إذهاب الطعام في بيوت الله أو إذهاب الطعام إلى المنازل. وكذلك وهذا لا يختص بأرباب الأموال، حتى من كان عنده قلة بضاعة من مال، فلربما يا عبد الله تطعم على قدر الحال. لربما الجيران، الجار مع الجار، هذا يطعم ما عنده من تمر ومن ماء ومن رغيف، وذاك يطعم ما عنده. المهم يكون بين الأرحام، بين الجيران. وإلى الله الحمد، هذا المسألة إخواني في الله نراها في مجتمعات قد فشت، وهذا إن دلت دلت على حسن السريرة في المجتمع. والمسلم يتواصى، وأعظم ما في هذه الصفة من صفة الجود بطلب الطعام، كما أن فيها منفعة للآخرين، ففيها منفعة لك يا عبد الله، منها أنك تتعود على السخاء، تتعود على البذل، تتعود على العطاء على قدر ما عندك. ليس من الشرط أنك تبذل المال الكثير والمال الوفير أو الطعام الغزير، حتى ولو كان شيئا يسيرا تبذله إلى جار، إلى قريب، إلى صاحب، فهذا يعبد الله من إطعام الطعام. ويدخل في هذه الأدلة العامة تبقى هنا مسألة إخواني في الله متعلقة بإطعام الطعام، من هذه المسائل قوله عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما» ما المقصود بتفطير الصائم؟ ما مقدار الإفطار؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء على قولين اثنين. من أهل العلم من يرى أن الفطر وإفطار الصائم يكون بأي شيء، بأي شيء تدفعه للصائم يفطر عليه، حتى ولو كان تمرة. تمرة تعطيها للصائمين، فهذا ينفع الله جل وعلا بها، فتكون من عداد من أفطر الصائم. وهذا الذي يرجحه جمع من العلماء، إن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، على أن إفطار الصائم يكون بأدنى شيء، بأقل شيء يكون إفطارا. فمن أهل العلم من لم يقل بهذا، العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في الاختيارات الفقهية، عند هذا الحديث، ذكر أن المقصود بتفطير الصائم، قال: أن تشبعه. التمرة والتمرتي ما تنفع، بل يرى أنك تشبع الصائم، تعطيه أكلة، هذه الأكلة فيها ما تغنيه عن العشاء، لو ربما توصله إلى السحور، وهو الحمد لله بكفاية. فمن أهل العلم من يرى أن إفطار الصائم يكون بأدنى شيء، ومن أهل العلم من يرى أن إفطار الصائم يكون ماذا؟ بأعلى شيء، يكون في إشباع الصائم. ومنها العلم من رأى هذا وذاك، ما ذكر ذلك المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير، ذكر أن كل ما يعد إفطارا فهو إفطار، سواء كان بعشاء أو كان بشربة ماء أو كان بماذا؟ بحبة تمرة، كل ذلك يعد إفطارا. فرق يا عبد الله بين من يفطر صائما بتمرة، وبين من يفطر صائما بوليمة، فرق بين هذا وبين ذاك. فإن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين. فالمهم يا عبد الله أنك تبذل. فإذا علمنا ذلك، فمن أنفق القليل فهذا نافعه، ومن أنفق الكثير فهذا أيضا نافعه. المهم يا عبد الله أنك تبذل. فعل قول الأول: هذا باب يعطى لكل أحد، ترسل التمرات وترسل شيء يسير لجيرانك ولأقاربك وأرحامك. وكذلك لك يا عبد الله أنك تطعم الطعام الكثير، وهذا من كان عنده قدرة على ذلك. ولا شك أن الإشباع أكمل، والإشباع أطيب، وهذا الدلالة على السخاء وعلى الجود وعلى العطاء. كذلك مسألة ثانية متعلقة بإفطار الصائم، وما كان من أمر سلفنا الصالح. يقول العلماء: ليس من شرط إفطار الصائم أن يكون صائم مسكين أو محتاج، وإن كانوا هم أولى. صحيح الصائم إن كان مع وصف الصوم أنه صاحب مسكنة وصاحب فقر، فهو أولى من غيره أن يفطر وأن يسارع إلى إفطاره. لكن إذا كان إفطارك يا عبد الله يصل إلى أهل الغنى، فهذا لا شيء فيه. بعض الناس يرى أن إفطار الصائمين إنما يتعلق بالفقراء والمحتاجين، هذا ليس بصحيح. بل لك يا عبد الله أن تفطر من كان غنيا، من كان غنيا. وما تأتي المسألة ما يتعلق ببعض البيوت، جيران بينهم، فيهم بين الله الحمد كلهم على كفاية، وكلهم على غنى، هذا موظف، وهذا رجل قد فتح الله عليه بمال، وهذا الله الحمد عنده المحلات. هل يدخل هؤلاء إذا أفطرتم؟ أدخل في حديث «من فطر صائما»؟ نعم يدخل في هذا الحديث، لا بأس يا عبد الله، لأن الحديث لم يعلق الأمر بالمسكنة، وإنما علقه بالصوم. فمن كان صائما ولو كان تاجرا وهو صائم، فأفطرته، فلك أجر صومه. طبعا وإن كان الأولى أن يدفع ذلك إلى الفقراء والمساكين. وهكذا يا عبد الله ينفع أن يكون ذلك مع أصحابك، مع زملائك، مع إخوانك، إذا استطعت أن تطعمهم فأطعمهم. حتى قال بعض سلفنا الصالح: «لأن أدعو عشرة من أصحابي إلى طعام يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل». لأن أدعو عشرة من أصحابي ليسوا فقراء، لكن صحبتي من إخواني وخلتي، أدعوهم إلى طعام يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل. فدل ذلك على فقه السلف على أن الإطعام ليس من اللزوم أن يكون لأهل الفقر، وإن كان هم أولى وهم بالدرجة الأولى أحوج. لكن يدخل كذلك في الأجر أنك تطعم كل صائم، ولو كان جيران، ولو كان من الأقارب، أو كذلك من عامة الناس. تدخل مسجدا فتطعم من في المسجد، منهم القادر ومنهم المقتدر ومنهم الضعيف، فكل ذلك يرجع أجر الإفطار لك يا عبد الله. فلا تتحرج يا عبد الله ببسط اليد وببسط ماذا؟ إطعام الطعام لكل أحد من عامة المسلمين. فهذا إخواني في الله مسألة سريعة حول أحوال سلفنا الصالح في جودهم وبذلهم وعطائهم، وخاصة ما كان من إطعام الطعام ومن إفطار الصائمين. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.