الدرس في كتاب الصلاة 18، ألقاها
يتحدث عن صلاة الكسوف كصلاة تطوع تسن لها الجماعة، ويشرح كيفية أدائها بركعتين في كل ركعة ركوعان وسجدتان. الإمام ابن قدامة ذكرها في كتابه عمدة الفقه.
يشرح معنى كسوف الشمس وخسوف القمر كآيتين يخوف الله بهما عباده، ويتناول حكم صلاة الكسوف حيث اختلف العلماء بين استحبابها ووجوبها لورود الأمر بها في الأحاديث.
يبدأ وقت صلاة الكسوف مع بداية الكسوف وتُصلى ركعتان بأربعة ركوعات وأربع سجدات، ويُسن للإمام أن يخطب بعد الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
ينهي النص بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويؤكد على علو الله تعالى علمًا ومنزلة، ويظهر التزامًا بالآداب الإسلامية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى، وهو يتكلم على الضرب الثاني من أنواع صلاة التطوع، وهو ما تسن له الجماعة، قال: والثاني صلاة الكسوف، أي من صلاة التطوع الذي تسن له الجماعة صلاة الكسوف. قال: فإذا كسفت الشمس أو القمر، فزع الناس إلى الصلاة، إن أحبوا جماعة وإن أحبوا فرادى، فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة، ثم يركع ركوعًا طويلاً، ثم يرفع ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون التي قبلها، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يقوم فيفعل مثل ذلك، فيكون أربع ركعات وأربع سجدات. ذكر رحمه الله تعالى في هذه الفقرة، أو في هذا النوع، الكلام على صلاة الكسوف، وصلاة الكسوف يعقد لها الفقهاء بابًا خاصًا يتكلمون فيها على مسائلها وعلى أحكامها. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه هذا، كما هو معلوم، "عمدة الفقه"، ألفه للمبتدئين مختصرًا، واعتمد فيه على رواية راجحة في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فذكر رحمه الله تعالى هنا صلاة الكسوف وحكمها وصفتها مختصرًا. فقوله رحمه الله تعالى: "صلاة الكسوف"، هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي الصلاة التي سببها الكسوف. والكسوف في اللغة، كما يقول علماء اللغة، هو تغير الشيء من شيء إلى شيء غير مرضي، أو غير مرغوب فيه، من شيء إلى شيء مكروه. لذا يقال: كسف وجهه إذا سود. ومنه قيل: كسوف الشمس، وكذلك يقال: كسوف القمر. ومن أهل العلم من يفرق بين الكسوف والخسوف، يجعل الكسوف للقمر والخسوف للشمس، وعكس بعضهم ذلك. والأمر في ذلك واسع، والأمر في ذلك واسع من حيث اللغة، وكذلك من حيث التعبير الشرعي. الأمر في ذلك واسع، يقال: كسوف الشمس، ويقال: كسوف القمر. الأمر في ذلك واسع. والمراد بكسوف الشمس أو كسوف القمر هو ذهاب ضوئها بالكلية أو ذهاب بعض ضوئه. والكسوف وكذلك الخسوف هي من آيات الله جل وعلا التي يخوف الله تبارك وتعالى بها عباده، كما جاءت الأحاديث في ذلك. منها ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما آيتان يخوف الله بهما عباده». قال: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة». جاءت أحاديث تدل على أنهما آيات من آيات الله سبحانه وتعالى. ومنه يعلم الخطأ الكبير الذي شاع وذاع بين كثير من الجهال من أن هذه الآيات التي يخوف الله تبارك وتعالى بها عباده إنما هي مجرد ظواهر طبيعية. هذا كلام يخالف ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فكونها تأتي على حسابات معروفة عند الفلكيين وتترتب عليها أسباب، وتكون بسبب كذلك أشياء، لا يمنع هذا أنها آيات. لأن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق الأسباب وهو الذي يهيؤها. فالله تبارك وتعالى لما خلق هذه الأشياء وهيأها وجعلها على تلك الصورة وعلى ذلك المنظر، أي تغير أو يغير لون الشمس وحال الشمس أو لون القمر، هذه آيات لأجل أن يخوف الله تبارك وتعالى بها عباده فيرجعوا إلى الله. صلاة الكسوف، أكثر العلماء على أنها من المستحبات، أي من صلاها جماعة أو صلاها فرادى فقد فعل الذي يُثاب عليه. ومن تركها فلا شيء عليه. يستدلون على ذلك بأدلة منها ما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه وغيره في حديث طلحة بن عبيد الله في خمس صلوات فرضهن أو كتبهن الله على العبد في يومه وليلته. وذهب بعض أهل العلم إلى القول بالوجوب، وهو الأظهر لدلالات الأدلة على ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة»، هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر قال: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا»، وهذا أمر أيضًا، والأصل في الأمر أنه للوجوب. صلاة الكسوف متى يبتدئ وقتها؟ يبتدئ وقتها كما يقول علماء رحمهم الله تعالى بابتداء الكسوف. ثم الإمام إذا أطال في القراءة والصلاة حتى انكشفت الشمس ورجعت إلى حالتها، أتى بالذي عليه. وإن صلى وسلم قبل أن تنكشف الشمس، فإنه يبقى هو والناس سواء، كانوا في المسجد أو تفرقوا، يبقون على ذكر الله والاستغفار والتسبيح والتهليل والإكثار من الصدقة حتى يرفع الله تبارك وتعالى هذا الذي نزل بهم. صفة صلاة الكسوف على الصحيح من أقوال العلماء، وهو الذي عليه جماهير الفقهاء رحمهم الله تعالى، هو ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهو مأخوذ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها في الصحيحين. وهو أن صلاة الكسوف ركعتان بأربعة ركوعات وأربع سجدات. في كل ركعة ركوعان، وفي كل ركعة قراءتان. إذا تزاحمت صلاتان، فبأيهما يبدأ؟ الصحيح أنه ينظر ما كان وقتها أوسع، فإنها ما لا تؤجل، وما كان وقتها أضيق، فإنها تعجل. يعني مثال ذلك، لو أننا ما علمنا بالكسوف إلا في آخره، وكان وقت الصلاة مثلا في أوائل وقت صلاة الظهر أو مثلا في أوائل وقت صلاة العشاء، يبدأ بصلاة الكسوف. لأن وقتها في هذه الحال يكون ماذا؟ ضيقًا. إذا فاتت الراتبة القبلية، هل تقضى؟ نعم تقضى بعد الصلاة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى البعدية لصلاة الظهر لسبب حصل، فما صلى إلا بعد صلاة العصر. وكذلك جاء في ذلك حديث في سنن أبي داود أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، فلما قضى الصلاة وقام فصلى ركعتين، فقيل له: فقال: «فاتتني ركعتا الفجر فصليتهما الآن». هل يسن للإمام أن يخطب بعد صلاة الكسوف؟ نعم، الصحيح من أقوال العلماء أن من سنن صلاة الكسوف الخطبة بعدها، لفعله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى بأصحابه تلك الصلاة الطويلة، قام فخطبهم، حمد الله وأثنى عليه، ثم خطبهم خطبة عظيمة بليغة، فوعظ وذكر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.