الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 16، ألقاها
الأصل في الأمر الشرعي أنه يقتضي الوجوب، ويمكن صرفه عن الوجوب بوجود قرائن متصلة أو منفصلة. يُبَيِّن المبحث الأدلة والقرائن التي تصرف الأمر عن الوجوب.
يناقش المبحث معاني الأمر في اللغة والشريعة، حيث يمكن أن يدل على وجوب أو استحباب أو إباحة وغيرها. يُفَسَّر ذلك من خلال الآيات والأحاديث مع تقديم أمثلة.
يتناول المبحث دلالة صيغة الأمر على التكرار، ويبين أنها لا تدل عليه بمفردها، وإنما بحسب القرائن والدليل. يُستَدَل على ذلك بأمثلة من القرآن والسنة.
يختتم المبحث بتلخيص ما نوقش ويطلب التوفيق من الله. يُعرب المؤلف عن رغبته في التوسع مستقبلاً ويختم بالصلاة على النبي وآله.
بسم الله الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام الجويني رحمه الله تعالى: والصيغة الدالة على «افعل» عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه. قال صاحب الحاشية: قوله «والتجرد عن القرينة» أي في قولي «والتجرد عن القرينة». قال: عطف على «الإطلاق» أي في قولي «عند الإطلاق والتجرد عن القرينة». قال: عطف على «الإطلاق» بيّن به أن المراد به الإطلاق عن شيء مخصوص، الإطلاق عن شيء مخصوص. إذن في قولي «عند الإطلاق» كما قال صاحب الحاشية: أراد بهذا الإطلاق ليس الإطلاق المطلق، ولكن أراد بذلك الإطلاق شيئًا مخصوصًا. إذا قال «والتجرد عن القرينة» فدل ذلك على أنه عند عدم الإطلاق المخصوص ووجود القرينة لا يدل على ما تقدم، من أنه لا يدل على الوجوب. أي إذا وُجّهت القرينة خرج عن أصله، ما هو الأصل؟ أنه للوجوب، أي الأمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة، فيحمل عليه. أي على الندب أو على الإباحة. مثال الندب: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، ومثال الإباحة: ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾. وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والصيد. قوله رحمه الله تعالى: «تحمل عليه» أي على الوجوب، إلا ما دل الدليل على أن المراد به الندب أو الإباحة، فيحمل عليه. ومعنى هذا كما تقدم تقريره: أن الأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، إلا أن يدل دليل يخرج هذا الأصل أو يخرج الأمر عن أصله إلى معنى آخر، وهو ما سماه رحمه الله تعالى «بالدليل»، وبعضهم سماه «بالقرينة». قرينة أو دليل يخرج نص الأمر أو لفظ الأمر عن أصله وظاهره، وهو الوجوب إلى أمر آخر، إما الندب وإما الإباحة وإما غير ذلك. لأن العلماء رحمهم الله تعالى -جماعة من العلماء- ذكروا أن صيغ الأمر من حيث هي -أي صيغ الأمر عمومًا- أوصلها بعضهم إلى أكثر من ثلاثين معنى. فهذه المعاني التي خرجت دلت عليها القرائن. وهذه القرائن وهذه الأدلة قد تكون متصلة، وقد تكون منفصلة. قد تكون متصلة، أي كأن يكون النص نفسه يدل على عدم الوجوب، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب»، «صلوا قبل المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء». فقوله «لمن شاء» صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. أي صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ لأنه قال: «صلوا»، ثم قال: «صلوا»، ثم قال: «لمن شاء». فهذا صارف للوجوب إلى الاستحباب. وقد يكون صارفًا للوجوب إلى الاستحباب بنص آخر منفصل، كقوله صلى الله عليه وسلم مثلًا: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». جاء اللفظ هنا بلفظ الوجوب. ومنه نعلم -كما يقال: الشيء بالشيء يذكر- أن الوجوب قد يستفاد بلفظ الأمر، وقد يستفاد بألفاظ أخرى تدل على الأمر، كقوله: «واجب»، «لازم»، «حق»، وما شابه ذلك. فنرجع إلى مسألتنا، قوله صلى الله عليه وسلم: «واجب على كل محتلم أن يغتسل». يغتسل أن يغتسل كل سبعة أيام، أو «حق على المسلم»، أو «من أتى الجمعة فليغتسل»، أمر. جاء حديث آخر فيه دلالة على أن الأمر ليس للوجوب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحسن عن سمرة: «من أتى الجمعة أو من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». فقوله: «فالغسل أفضل» دل على أن الأمر في الأمر الأول أنه ليس للوجوب، ولكن للاستحباب. إذن القارينة أو الدليل الصارف للأمر عن ظاهره وعن أصله الذي هو للوجوب، إما أن تكون هذه القارينة متصلة، وإما أن تكون منفصلة. هذا أمر. قوله رحمه الله تعالى: «أو الإباحة فيحمل عليه» أي على الندب أو الإباحة أو غير ذلك مما دلت عليه السياق. لأن الأمر -كما سمعتم- لفظ الأمر قد يؤتى بأصله أنه الوجوب، وقد يراد به الاستحباب، وقد يراد به الإباحة، وقد يراد به التهديد، وقد يراد به التوبيخ، وقد يراد به التهكم. معاني كثيرة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى مأخوذة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل أن قوله رحمه الله تعالى: «أن المراد منه الندب أو الإباحة أو ما دلت القارين عليه» سواء كان ندبًا أو إباحة أو غير ذلك. قوله رحمه الله تعالى: «مثال الندب فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا». «فكاتبوهم» فعل أمر، وقوله جل وعلا: «فكاتبوهم» فعل أمر، لكن أجمع العلماء على أن المكاتبة ليست بواجبة ولكن مستحبة. والآية الأخرى وهي قوله رحمه الله تعالى: «ومثال الإباحة وإذا حللتم فاصطادوا». «وإذا حللتم فاصطادوا» هذه الآية، وهي قوله جل وعلا: ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾، هل للصيد بعد الإحلال للوجوب أو الاستحباب أو للإباحة؟ للإباحة. من أين أخذت الإباحة؟ قيل: إن الإباحة أخذت من قاعدة ذكرها بعض العلماء، وهي أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة. وهذه القاعدة محل بحث ونظر، إذ غير هؤلاء ذهب إلى قول آخر في هذه المسألة. وفي المسألة أقوال، لكن أشهرها قولان: القول المذكور، والقول الثاني: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر. فإن كان قبل الحظر واجبًا رجع إلى الوجوب، وإن كان مستحبًا كذلك، وإن كان مباحًا كذلك. ففي قول الله جل وعلا: ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾، الصيد قبل الإحرام ما حكمه؟ مباح. حضر في أثناء كون الإنسان محرمًا، فإذا أحل رجع الأمر إلى ما كان قبله. وقد يكون للوجوب، مثاله قول الله جل وعلا: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. هذا الإتيان قد يكون مباحًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون واجبًا. فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، «فأتوهن» قد يكون الأصل في إتيان الرجل المرأة أنه مباحًا، وإن احتسب يكون مستحبًا، وإن كان لإعفاف المرأة أو لإعفاف نفسه قد يكون واجبًا. لكن نستدل بدليل آخر يدل على الوجوب دون الاستحباب أو الإباحة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المرأة الحائض إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فصلي». هنا أمر بعد حضر، قوله: «فصلي»، هل الصلاة هنا للإباحة أو للاستحباب أو للوجوب؟ للوجوب. لماذا؟ لأنها قبل الحضر كانت ممنوعة، فإذا زال الحضر رجعت إلى ما كانت عليه، وهو الوجوب. إذن الحظر أو الأمر بعد الحظر يعيد الشيء إلى ما كان عليه قبل الحظر. إن كان مباحًا فمباح، وإن كان مستحبًا فمستحب، وإن كان واجبًا فواجب. قال صاحب الحاشية: قوله «إلا ما دل الدليل إلى آخره» الاستثناء منقطع؛ لأن ما دل الدليل على صرفه عن الوجوب ليس بمجرد أمر. قوله رحمه الله تعالى: «إلا ما دل الدليل» أي في قوله: «وصيغة الدالة على افعل عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه إلا ما دل الدليل». قوله «إلا ما دل الدليل» قال: استثناء منقطع. وضابط استثناء منقطع أو حقيقته: استثناء الشيء من غير جنسه. لماذا؟ قال: لأن ما دل الدليل على صرفه عن الوجوب ليس بمجرد الأمر من الاستحباب إلى الوجوب، إذن هو أجنبي ليس من جنسه. وإذا كان ليس من جنسه فهو استثناء منقطع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يقتضي التكرار على الصحيح؛ لأن ما قصد به من تحسين المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها، إلا ما دل الدليل على قصد التكرار فيعمل به، كالأمر بالصلوات الخمس، والأمر بصوم رمضان». ومقابل الصحيح أنه يقتضي التكرار، فيستوعب تكراره. قوله رحمه الله تعالى: «ولا يقتضي التكرار على الصحيح». قوله «ولا يقتضي» عائد على الأمر، أي والأمر لا يقتضي التكرار على الصحيح. لماذا قال «على الصحيح»؟ إشارة إلى أن في المسألة خلاف، وهو ما سيأتي التنبيه عليه في قوله «إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار». وسأتي أنه في المسألة خلاف في هذا المبحث، وهو أن من العلماء من جعل أن أصل صيغة الأمر بذاتها بنصها بلفظها تدل على التكرار، ومنهم من قال بأن نفس الصيغة لا تدل على التكرار. وكل واحد ولكل قائل بقول أدلّة استدل بها، سواء كانت عقلية أو نقلية. وهناك نقاشات وبحث في كتب الأصول مطولة في هذه المسائل وهذه المباحث. وتحقيق، والله أعلى وأعلم: أن يقال: إن صيغة الأمر المجردة عن القرائن هي التي يقع فيها البحث ويقع فيها النظر، أي هل هي التي تقتضي التكرار أم لا؟ والذي عليه كثيرون -بل الأكثر- أنها لا تقتضي التكرار. قال: «وأما صيغة الأمر التي دلت على الوحدة أو دلت على التكرار، فإنه يحمل على ذلك قطعًا». صيغة دلت على التكرار أو دلت على الوحدة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: حينما سمع رجل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا»، «فحجوا». فقال رجل: «يا رسول الله، أفا في كل عام؟» أعني: أفا في كل عام؟ أو قال: «في كل عام؟» كررها مرتين أو كررها مرتين، وفي الثالثة كررها إلى الثالثة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما لو قلت نعم لوجبت». فدل على أنها ليست بواجبة في كل عام. مع أن قول الله جل وعلا: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فيه معنى من معاني التكرار؛ لأن الله جل وعلا علق الوجوب بالاستطاعة لمن استطاع إليه سبيلًا. وكأنه يقول: متى استطاع إنسان أن يحج فليحج. لكن دل الحديث على تخصيص ذلك الأمر. فما كان ما دل الدليل على التخصيص حمل عليه، وما دل الدليل على التكرار حمل عليه. بقي ما لم يدل الدليل على ذلك، أو دل الدليل على ذلك بالقرينة، مثل ما قال علماء رحمهم الله تعالى: أن يكون ذلك الأمر معلقًا بصفة أو معلقًا بشرط، وكانت تلك الصفة أو ذلك الشرط علة صحيحة غير مقدوح فيها. قالوا: إذا كان كذلك، فإنه يجب أن يكون الأمر في هذه الحالة أنه يقتضي التكرار. لماذا؟ للقاعدة: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فما دام وجدت العلة يوجد معها الحكم. كلما وجدت العلة وجد معها الحكم. مثال الأول: ومثال الثاني: مثال الوصف الذي هو علة في التكرار قول الله جل وعلا: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. «فاقطعوا أيديهما»، هل يقتضي التكرار أم لا؟ هنا وصف، ما هو؟ «والسارق»، وصف السارق والسارقة. «فاقطعوا أيديهما»، فكما قال العلماء: هذا وصف الحكم هنا مرتب على سبب، ما هو هذا السبب؟ «السارق والسارقة». فمتى وجد سارق توفرت فيه شروط السرقة فإنه تقطع يده. هل تقطع يده مرة واحدة؟ كلما سرق قطعت. واضح؟ لكن إذا سرق عدة سرقات وقبض عليه مرة واحدة في آخر الأمر، تقطع يده بالأخيرة، ولا تقطع بالسابقات. لكن إذا قطعت يده ثم سرق، فهل يقال: الأمر يقتضي التكرار أم لا؟ يقال: الأمر يقتضي التكرار؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ما هو الحكم هنا؟ القطع. وما هي العلة؟ السرقة. السرقة وصف واضح. والشرط: كما في قول الله جل وعلا: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾. فقول الله جل وعلا: «فاطهروا»، أمر. هل معنى أن الإنسان إذا حصل له الجنابة مرة واحدة أن يتطهر ولا يكرر ذلك؟ الجواب: يجب عليه أن يكرر الغسل والطهارة كلما وجدت منهم الجنابة؛ لأن الجنابة علة للحكم. فمتى وجدت وجد معها الحكم. ومنه يعلم بأن الأمر المجرد عن القرائن لا يدل على التكرار إلا إن دلت عليه القرائن. ومن هذه القرائن: أن يكون الحكم مرتبًا على علة صحيحة مضطردة. سواء كانت موصوفة أو كانت شرطًا. هذا خلاصة ما يقال في هذا المبحث، ولعل الله جل وعلا يمن علينا بكلام أوسع من ذلك في كتاب أكبر من هذا. نسأل الله التوفيق والسداد، والله تعالى أعلى وأعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.