الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 37، ألقاها
يناقش مفهوم التقليد والاجتهاد، ويفرق بين التقليد المحمود والمذموم. يشرح شروط تقليد العالم المعروف باجتهاده.
يؤكد أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة يجب اتباعها، وأن اجتهاده معصوم عن الخطأ. يجب اتباعه مطلقا دون اعتبار ذلك تقليدا.
يتناول شروط المجتهد وأجر الاجتهاد، ويبين أن المجتهد إذا أخطأ فله أجر على اجتهاده. يوضح أن الحق في مسائل الاجتهاد قد يكون مع أحد المجتهدين.
يتحدث عن أجر الحاكم المجتهد الذي يسعى للتوصل إلى حكم الله تعالى. يختتم بالدعاء والحمد لله والصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم قال: التقليد والاجتهاد. قال: والتقليد قول القائل بلا حجة يذكرها، فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره من الأحكام لا يسمى تقليدا. ومنه من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قال، أي لا تعلم ما أخذه في ذلك. فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، بأن يجتهد، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا لاحتمال أن يكون عن اجتهاد. وإن قلنا: إنه لا يجتهد، وإنما يقول عن وحي، وما ينطق عن الهوى إنه إلا وحي يوحى، فلا يسمى قبول قوله تقليدا لاستناده إلى الوحي. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: التقليد والاجتهاد، بعد أن ذكر رحمه الله تعالى الكلام على المفتي والمستفتي، وذكر شروط المستفتي وكذا شروط المفتي، ناسب أن يذكر هاهنا التقليد والاجتهاد، ومن يقلد ومن هو الذي يجتهد. فذكر رحمه الله تعالى هاهنا في هذا الفصل، وبه ختم هذه الورقات المباركات، بقوله رحمه الله تعالى: والتقليد قبول قول القائل بلا حجة. قبل أن نتكلم على تعريف التقليد، التقليد كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: ما أخذ من قلد الشيء يقلده تقليدا، ومنه القلادة التي توضع على العنق. والتقليد كما يقول علماء رحمهم الله تعالى على قسمين: محمود ومذموم. فأما المحمود فهو سؤال أهل العلم عما أشكل، لأنه داخل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وأما المذموم فهو التعصب لقول إمامه، لا يخرج عن قوله، ويوالي ويعادي، ويحصل منه الولاء والبراء على ذلك القول، أي على قول إمامه، فلا يرى صوابا إلا قول إمامه، وينقض وينتقد كل ما خالف قول إمامه، ولو رأى الدليل من كتاب الله تبارك وتعالى أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا جليا كالشمس في رابعة النهار، ما أخذ به ووقف مع قول إمامه، هذا التقليد مذموم. هذا التقليد مذموم هو يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ويدخل في قول الله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. هذا حكم عام على نوعي التقليد. بقي ما هو التقليد؟ التقليد كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: قبول قول القائل بلا حجة، قبول قول القائل بلا حجة كما ذكره المصنف هاهنا رحمه الله. ومعنى بلا حجة أي بلا دليل، والأدلة قد مرت معنا، سواء كان من كتاب الله أو من سنة رسول الله أو ما تفرع عنهما: إجماع، قياس، كذلك دليل الاستصحاب، كذلك على القول بقول الصحابي أنه حجة أو ليس بحجة، إلى غير ذلك. كل من قال في دليل ما بأنه حجة، واستدل به المجتهد وتابعه ذلك المقلد، فإنه يكون تابعه بماذا؟ بحجة، فلا يكون تقليدا. وأما إذا تابعه بغير حجة، بغير حجة هذا هو التقليد. بقي على هذا المعتبر أو على هذا المعنى: أن التقليد قبول قول القائل بلا حجة، هل يصح من العام ذلك؟ أو أن العام يطال بالدليل؟ يعني العام إذا سأل العالم يقول له: ما دليلك؟ أم يكفي من العام أن يسأل العالم فيقول له العالم: كذا وكذا، الحكم في ذلك كذا وكذا. الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يكتفى بأن يكون ذلك المسؤول معروفا عنه الأخذ والاجتهاد في الأدلة، ليس من أهل الآراء، وإن احتاج إلى الاجتهاد في مسألة ما، فهو من أهل الاجتهاد، يصح تقليده في ذلك. فمثل هذا لا يشترط لأن العام غالبا لا يعرف الأدلة ولا معانيها، لو قال له إنسان: الحكم في ذلك كذا وكذا، والدليل يمكن المجتهد يقول: والدليل، ويكون رجل قد مشى لماذا؟ لأنه لا يبالي إلا بالحكم، لا يبالي إلا بالحكم، ولو ذكر له الدليل لما فهم معناه ولا تفطن لمقصده. ثم إن الله تبارك وتعالى أمر بالسؤال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وجاء في الآية الأخرى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾، فقال بعض أهل العلم: لا بد من دليل. لكن الصحيح كما سمعتم: ما ذكر مطلقا في الآية الأخرى، يكفي أن يكون العالم معروفا باجتهاده فيحكم بالمسألة، والعام يأخذ بذلك الحكم من ذلك العالم، ولو كان في باب العقائد. ولو كان في باب العقائد، كان يقول الإنسان العامي: ما هي العقيدة الصحيحة التي يجب على المسلم الأخذ بها؟ فيقول له العالم مثلا: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأن تؤمن باليوم الآخر، وأن تؤمن بأن لله تبارك وتعالى صفات حسنة، له صفات عظيمة وأسماء حسنة، إلى غير ذلك مما يذكره من عقائد سردا، لا يحتاج أن يقول: ودليله كذا وكذا. ليس من شرطه إذا فعله هذا كمال، وإذا لم يفعله يكفي في ذلك أن يقلد العالم المعروف أنه يأخذ عقيدته بل أحكامه من كتاب الله تبارك وتعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله رحمه الله تعالى: قبول قول القائل بلا حجة، القائل ها هنا المقصود به من؟ المجتهد. قال: يذكرها، فعل هذا: قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يذكره من الأحكام لا يسمى تقليدا، لماذا لا يسمى تقليدا؟ لأنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على هذا المعنى. إذن قوله النبي صلى الله عليه وسلم حجة، فلا يحتاج إنسان إذا جاءه الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: ما الدليل؟ هذا جهل واضح. لأنه كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، فقول النبي صلى الله عليه وسلم بل وأفعاله صلى الله عليه وسلم بل وتقريراته كلها حجة، تعبدنا الله تبارك وتعالى بها. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، إذن كما ذكر رحمه الله تعالى: قول النبي صلى الله عليه وسلم وقبوله، قول النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا ليس بتقليد، بل هو بالأخذ بالحجة. قال رحمه الله تعالى: ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين يقوله، قول القائل ولا تدري من أين يقول، وهذا التعريف أعم من الأول. الأول بغير حجة، أما هذا: لا تدري من أين أتى بذلك القول قاله فاتبعته، هذا يسمى تقليدا. قال: أي لا تعلم ما أخذه في ذلك. قال: فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، بأن يجتهد مع القياس، أنه كان يجتهد في بعض الأحكام والمسائل، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا، لماذا؟ لأنه اجتهد، ولأن المتابع له لا يعلم أين ما أخذه، من أين أخذ ذلك الحكم. فبهذا الاعتبار يقول: نسميه تقليدا، لماذا؟ لاحتمال أن يكون عن اجتهاد، كما يحتمل أن يكون عن وحي. إذن لما كان كذلك فهو يدخل فيه التعريف الآخر: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين يقوله. فما دام كذلك يحتمل أن يكون عن اجتهاد ويحتمل أن يكون عن وحي، إذن يصح أن يسمى بهذا الاعتبار اتباع قول النبي صلى الله عليه وسلم بأنه تقليد. قال: وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ وَإِنَّمَا يَقُولُ عَنْ وَحْي وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى فَلَا يُسَمَّى قَبُولُ قَوْلِهِ تَقْلِيدًا لِاسْتِنَادِهِ إِلَى الْوَحْيِ. واضح. والصواب في هذه المسألة: أن النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد، النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في بعض المسائل وبعض الأحكام، كما في قصته في أسارى بدر التي جاء ذكرها في الصحيح. واجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يقر من الله تبارك وتعالى فيكون شرعا ودينا ووحيا من الله، وإما أن يصوب من الله تبارك وتعالى فيكون ذلك القول الصواب هو كذلك وحي ودين وشرع من الله رب العالمين جل وعلا. وعلى هذا فاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لو صح التعبير: يصح أن يقال فيه بأنه اجتهاد معصوم عن الخطأ والزلل، باعتبار أنه إذا اجتهد صلى الله عليه وسلم فأصاب أقره ربنا تبارك وتعالى فوجب اتباعه، وإن حكم بحكم آخر صوبه ربه تبارك وتعالى فرجع إلى الصواب، وكان رجوعه إلى الصواب كذلك حكما من الله تبارك وتعالى، كان رجوعه إلى الصواب حكما من الله تبارك وتعالى يجب الرجوع إليه. ومنه يعلم أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا، اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا واجب، وأنه ليس من التقليد، بل هو من اتباع الحجة. لماذا؟ لأنه كما قلنا: إن اجتهد فاجتهاده معصوم عن الخطأ، أو عن الإقرار على الخطأ. واضح. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، إن حكم بحكم عن اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية، صوبه ربه إن لم يكن صوابا، صوبه ربه كما في قصة أسارى بدر. هذا هو الصواب في هذه المسألة، وإلا فمثل هذه المسألة لا ينبغي أن تثار، مثل هذه المسألة لا ينبغي أن يقال: هل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم من باب التقليد أم لا؟ ينبغي أن ينزه هذا المقام عن مثل هذه المسألة. لأن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم حجة، كما تقدم، لأن الله تبارك وتعالى ما فرق، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وما كان عن اجتهاد، فانظروا في ذلك الاجتهاد، هذا لا ينبغي أن يتصور، ولا ينبغي أن يقال: ولا ينبغي أن يقال: أن هذا من باب التقليد. لا يقال: أن هذا من باب التقليد، لأن الله تبارك وتعالى أمرنا باتباعه وبطاعته، اتباعا وطاعة مطلقة، فيجب أن يكون الأمر كذلك. فاتباعه صلى الله عليه وسلم حجة مطلقا. قال: باتباعه، أي أن قوله: كان يقول بالقياس، أي بالاجتهاد، يجتهد، فعبر بالقياس عن الاجتهاد. قال الإمام الجويني: وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له. قال: فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد كما تقدم، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران على اجتهاده وإصابته، وإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر واحد على اجتهاده. قوله رحمه الله تعالى: فالمجتهد إلى آخر كلامه، مما قرئ يدلنا على أن الإنسان لا يجوز له أن يجتهد في المسائل إلا بشروط. أولها: أن يكون مجتهدا، ومعنى أن يكون مجتهدا: أن تتوفرت فيه شروط الاجتهاد، هذا الأمر الأول. الشرط الثاني: أن يبذل وسعه وجهده لتحصيل الصواب والغرض، ومع استفراغ الوسع، أي بذل الجهد للوصول إلى الحق. الأمر الثالث: أن تكون أن يكون في ذلك مريدا للحق، مريدا لإصابة حكم الله تبارك وتعالى، أي قاصدا بنيته أن يصيب الحق. فإذا كان كذلك فأصاب له أجران: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته للحق، وإن أخطأ فله أجر على اجتهاده وبذله للوسع وحرصه على إصابته للحق. ومنه يعلم أن من اجتهد ولم يكن مجتهدا فإنه آثم، من اجتهد في مسألة وليس من أهل الاجتهاد فإنه يكون آثما، ليس عنده آلة الاجتهاد، ما له حق أن يجتهد. عامي يسأل عن مسألة يقول: الظاهر لي أنه حرام، الذي يظهر لي أنه حرام، ما يجوز هذا، تقول على الله تقول على الله رب العالمين جل وعلا. وكذلك المجتهد إذا قصر في بذل الوسع، كذلك يكون آثما. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر. قال: لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ، بل يؤجر في اجتهاده في طلب الحق، لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهده. قال: وهذا فيمن كان جامعا لآلة الاجتهاد، أي أن يكون مجتهدا. فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف، لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، أي أن يكون قفا ما ليس له به علم. قال: وفي الحديث دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيب، أنه ليس كل مجتهد مصيبا، إذ لو كان كذلك لم يكن لهذا التقسيم معنى. ومذهب الشافعي: أنه إذا اجتهد مجتهدان في حادثة فاختلف اجتهادهما، أن الحق منهما واحد لا بعينه، وهذا هو الصواب. لذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: عبارة في كتاب الرسالة، معنى أنه يقول مخاطبا للمخالف: قولك حق محتمل للباطل، وقولي حق محتمل للباطل. وقولي باطل محتمل للحق، ومعنى هذا: أن المسائل اجتهادية، الإنسان قد يكون فيها مصيبا في حقيقة الأمر، وقد يكون مخطئا، وكذلك الغير قد يكون مصيبا وقد يكون مخطئا. لذا يقول علماء: من المنكر الإنكار في المسائل الاجتهادية، واضحة. لماذا؟ لأن الحق قد يكون مع الغير. وكما تقدم معنا: فرق بين المسائل الاجتهادية التي مدارها على خلاف الأفهام وخلاف التنوع، وبين المسائل الخلافية التي مدارها على خلاف التضاد. فالمسائل الخلافية ينكر فيها على المخالف، وأما المسائل الاجتهادية فلا ينكر فيها على المخالف، كما تقدم معنى ذلك في كتاب الأصول من علم الأصول. وتقدم نقل ذلك المعنى عن العلامة ابن القيم رحمه الله. فالحاصل: المجتهد الذي يثاب هو ما تقدم وصفه، بشروط ثلاثة. قال صاحب الحاشية: قوله: ومنهم أي الأصوليين كالأشعري والباقلاني، قوله: مصيب عليه، فالظاهر أن له أجران. قوله: الكلامية أي المنسوبة إلى الفن المسمى بالكلام، الفن الكلام أي بعلماء الكلام. وعلماء الكلام كما يقول العلماء: ليس بعلماء. قوله: أي العقائد أي المعتقدات أي المطلوب اعتقادها. قوله: بالتثليث أي كون الآلهة ثلاثة: الله والمسيح ومريم، بشهادة قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي التثليث من النصارى الذي يقولون بالتثليث. وجميع النصارى يقولون بالتثليث، لكن خلاف في الأقانيم مما تتكون، ومحل ذلك في كتب العقائد. وقد تقدم معنا شيء من ذلك في كتاب شرح الطحاوية. قوله: النور والظلمة، يعني أنهما قديمان عندهم، وامتزجا فتولد من امتزاجهما العالم، وهذا قول الثنوية، قول المجوس الثنوية من المجوس القائلين بأصلين: النور والظلمة. وهذا كذلك كلام قد تقدم عليه في كلام العقائد. فاجتهاد هؤلاء ليس بمعتبر، آثم، باطل، منكر من القول وزورا. لماذا؟ لأنهم أولا ليسوا من أهل الاجتهاد، وثانيا لأنهم خالفوا في مسائل العقائد، وثالثا خالفوا العقل والفطرة والشرع وكل شيء. لأن الله تبارك وتعالى خالق واحد، وما عداه مخلوق، كل شيء الله جل وعلا خالق كل شيء، الله جل وعلا كل شيء هالك إلا وجهه. فكل فان إلا رب العالمين تبارك وتعالى: الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. قال الإمام الجويني رحمه الله: ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبا، قوله صلى الله عليه وسلم: من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. ووجه الدليل: أنه صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد مرة وصوبه أخرى. والحديث رواه الشيخان، ولفظ البخاري: إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر. والله أعلم. قال صاحب الحاشية: قوله: ودليل من قال إلى آخره، هو الجمهور، وهم الجمهور، أي أن المجتهد واحد، المجتهد واحد المصيب في الاجتهاد واحد، لا كل مجتهد مصيب كما قاله من قاله من المتكلمين. قوله: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبا، بل قد يكون مصيبا وقد لا يكون مصيبا. قوله: أصاب أي في اجتهاده بأن أداه إلى ما هو الحكم في الواقع، أي في واقع الأمر، أي وصل إلى حكم الله في واقع الأمر باجتهاده. قوله: فله أجر واحد، فلا يبعد أن يؤجر على الحكم أيضا، وعلى قصد الحكم بالحق، وفي رواية: وعلى قصد الحكم. نعم، أي بنيته يؤجر على بذل وسعه، ويؤجر كذلك على قصده الحكم بالحق. وفي رواية: الحاكم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور. والمعتبر ما في الصحيحين. ولا منافاة، لأن الإخبار بالقليل لا ينفي الكثير، ولجواز أنه أعلم أولا بالأجرين، ثم بالعشرة فأخبر بها. أو إن الأجرين يساويان العشرة، هذه التخريجات إن صح الحديث. أما إذا ما صح ما نحتاج إلى هذه الجموع. قوله: خطأ المجتهد أي حكم بخطأه، وبدأ بشق الخطأ في بيان وجه الدلالة، عكس الواقع في الحديث، اهتماما به، فإنه المثبت للمطلوب، بل هو محل النزاع لا غير. نعم، أي أن المجتهد قد يخطئ، لا كما قيل: أن كل مجتهد مصيب. قوله: رواه الشيخان، للبخاري ومسلم، إلا أن هذا اللفظ ليس لفظ البخاري، وإنما لفظ البخاري ما ذكره بقوله: إذا اجتهد الحاكم إلى آخره. وظاهره: أنه لو لم يكن حاكما ليحصل الأجران، وليس مرادا، فحينئذ المراد بالحاكم: مثبت الحكم، والمراد من قوله: حكم، أثبت الحكم. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إذن يدخل فيه في الحاكم: هذا المجتهد الذي يريد أن يتوصل إلى حكم الله تبارك وتعالى في المسألة، فهو حاكم. واضح، إن أصاب له أجران، وإن أخطأ فله أجر. تمت. كان الانتهاء من هذا الدرس ليلة الثلاثاء، الثامن والعشرين من رجب عام ألف وأربعمائة وخمس وثلاثين. فالحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.