الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 21، ألقاها
يناقش اختلاف الأصوليين والفقهاء في مخاطبة الكفار بفروع الشرائع، مع تقديم الأدلة من الآيات القرآنية. يُظهر أن القول الراجح هو أنهم مخاطبون بها.
يشرح المفهوم الشرعي للأمر والنهي، مع التركيز على رأي الأشاعرة بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده والعكس. يبين الأساس النظري لهذا الرأي.
يفصل في أثر النهي على فساد العبادات والمعاملات، مع توضيح الحالات التي يؤدي فيها النهي إلى الفساد وتلك التي لا تؤدي إليه، مع تقديم أمثلة.
يشرح العلاقة بين النهي وفساد العبادة، معتمدًا على الجهة المصدرة للنهي، ويوضح الحالات الأربع للنهي وتأثيرها على الفعل.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الجويني رحمه الله تعالى: «والكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نكن من المصلين﴾، وفائدته وفائدة خطابهم بها عقابهم عليها». هذا من كلام الشارح رحمه الله، قالوا: فائدة خطابهم بها عقابهم عليها، إذ لا تصح منهم في حال الكفر لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام، وليؤاخذون بها بعد الإسلام ترغيبًا فيه. طيب، هذه المسألة الأولى من المسائل درسنا هذا، هذه المسألة هي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشرائع أم لا؟ هذه المسألة هل الكفار مخاطبون بفروع الشرائع؟ اختلف فيها بين الأصوليين وكذا بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، فمن قائل بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، إذ أنهم كفار ولا يخاطب بفروع الشريعة إلا أهل الإسلام، إذ أن فروع الشريعة لا تكون متقبلة إلا به، أي بالإسلام. وذهب آخرون إلى أنهم مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام، وهذا القول هو الصحيح، ونسبه جماعة من أهل العلم إلى الجمهور، فالراجح الذي عليه جمهور الأصوليين وكذا الفقهاء: من أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا يصح، أو وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام. وثمرة ذلك ما ذكر: أنهم يوم القيامة إن لم يمتثلوا أمر الله ويقوموا بذلك، فإنهم يعاقبون على كفرهم وعلى تركهم لفروع الشرائع. والدليل على ذلك أدل، منها قول الله جل وعلا: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين﴾، وهذه فروع، هذه من فروع ماذا؟ الشرائع. ومع هذا كان من عقوبتهم أن تضاعف لهم الإثم أو تضاعف لهم العذاب بسبب تركهم لفروع الشرائع، ومنها تركهم للصلاة، وتركهم كذلك لإطعام المسكين وغير ذلك. ومنها كذلك قول الله جل وعلا: ﴿ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾، فهؤلاء كذلك مشركون، ووصفهم ربنا تبارك وتعالى بأنهم كذلك لا يؤتون الزكاة، فدل ذلك على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح تلك الأشياء إلا به، وهو الإسلام. قال صاحب الحاشية رحمه الله تعالى: قوله «بفروع الشرائع» قوله «الكفار» أي وكذا الجن أيضًا مكلفون، لكن لا تعرف تفاصيل ما كلفوا به. طيب، قوله «لكنه لا تعرف تفاصيل ما كلفوا به»، الأظهر من أدلة الكتاب والسنة أنهم مخاطبون بما خوطب به الإنس، مخاطبون بما خوطب به الإنس سواء بسواء، لكنهم على أحوالهم من خفاء وستار، والإنس على أحوالهم من ظهور وجلاء، وظواهر الأدلة تدل على هذا. قال قوله «بفروع الشرائع» أي شرائع الأنبياء، يعني أن كفار أمة كل رسول يعني أن كفار أمة كل رسول مخاطبون بفروع شريعته. قوله «ما سلككم في سقر» هذا يقوله المؤمنون يوم القيامة للكفار وهم في النار، ومثل هذه الآية أي هذا يقوله المؤمنون ويحكيه الله جل وعلا عنهم، يحكي الله جل وعلا قول المؤمنين للمجرمين للكافرين، وقول وجواب المجرمين للمؤمنين، فهو باعتبار الابتداء كلام المؤمنين للكفار «ما سلككم في سقر» وأخبر الله جل وعلا عن ذلك الكلام الذي سيكون يوم القيامة. قالوا مثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾، قالوا قوله «وفائدة خطابهم بها» أي مع أنها لا تصح منهم حال كفرهم ولا يطالبون بها بعد الإسلام، قوله «عقابهم عليها» أي على ترك الواجبات وفعل المحرمات، أي زيادة على عقاب الكفر. ولعل الكلام في المتفق عليه دون المختلف فيه، نعم يعاقبون على الترك التكليفي، يعني في المتفق عليه من فروع الشريعة، بخلاف المختلف فيه من فروع الشريعة، يعني هل كذلك يخاطبون أم لا؟ قال قوله «ولا يؤاخذون» أي الكفار الأصليون، قوله «ترغيبًا فيه» أي لأن المؤاخذة ربما نفرتهم عنه، وتركها ربما يرغبهم فيه، والكلام في غير نحو الحدود والكفارات ورد المغصوب، يعني في قوله «ولا يؤاخذون بها بعد الإسلام ترغيبًا فيه»، أي أنهم إذا أسلموا لم يؤمروا بأداء فروع الشرائع لماذا؟ ترغيبًا لهم في الإسلام. قال «أي لأن المؤاخذة ربما نفرتهم عنه، وتركها يرغبهم فيه» أي في الإسلام، قالوا: الكلام في غير نحو الحدود والكفارات ورد المغصوب، بمعنى أن هذه الأمور من حيث الحدود، من حيث الكفارات التي عليهم، من حيث رد المغصوب بأنهم يؤمرون بفعل ذلك، يؤمرون بفعل ذلك أو بامتثال ما جاء في ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده»، فإذا قال له: اسكن، كان ناهيًا له عن التحرك، أو لا تتحرك، كان آمرًا له بالسكون. قال صاحب الحاشية طيب، قوله رحمه الله «والنهي» أو قال «والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده» بضده، وهذا القول هو قول للأشاعرة في هذا الباب، الأمر بالشيء نهي عن ضده، ومنهم من يعبر عنه بقوله: هو عين النهي عن ضده، كما ذكر صاحب الحاشية. اقرأ الحاشية، اقرأ الحاشية، قوله «والأمر» قال صاحب الحاشية: قوله «والأمر بالشيء نهي عن ضده» يعني أن كل منهما عين الآخر، بمعنى أن الطلب واحد، هو بالنسبة إلى الشيء أمر، وإلى ضده نهي، أو بالنسبة إلى الشيء نهي، وإلى ضده أمر، وهو ما ذهب إليه الشيخ أبو الحسن ومن وافقه، أي من الأشاعرة، أبو الحسن الأشعري وأتباعه. وهذه المسألة مبناها على قولهم في الكلام النفسي، وأن الكلام ينقسم إلى كلام نفساني وإلى كلام لفظي، والكلام النفسي عندهم: أنه لا فرق بين الأمر والنهي والخبر والاستخبار، فالأمر هو عين النهي، والنهي هو عين الأمر، الأمر عين النهي، والنهي عين الأمر، لكن باعتبار التوجه. قال: «والنهي استدعاء» والنهي استدعاء، أي طلب الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، على وزان ما تقدم في حد الأمر، أي كالكلاف الأمر السابق، فالكلام في النهي كالكلام في الأمر، كالكلام في الأمر سواء بسواء، إلا أن الأمر طلب فعل، والنهي طلب كف. قال رحمه الله: «ويدل النهي المطلق فرعًا على فساد المنهي عنه في العبادات»، سواء نهي عنها لعينها كصلاة الحائض وصومها، أو لأمر لازم لها كصوم يوم النحر، قال: «والصلاة في الأوقات المكروهة»، وفي المعاملات: أن يرجع إلى نفس العقل، كما في بيع الحصاة، أو لأمر داخل فيها كما في بيع الملاقاة، أو لأمر خارج عنه لازم له كما في بيع درهم بدرهمين. فإن كان غير لازم له، كالوضوء بالماء المغصوب مثلًا، وكالبيع وقت الجمعة، لم يدل على الفساد، خلافًا لما يفهم من كلام المصنف. طيب، هذا تفريق لبعض الأصوليين في باب الفساد، يعني هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ بعض فرق بين باب العبادات وبين باب المعاملات، فجعل الأمر في باب العبادات بابًا واحدًا مضطردًا، أي أن كل نهي يقتضي الفساد، بخلاف باب العقود والبيوع، وما شابهها، فإن النهي قد يقتضي الفساد وقد لا يقتضي الفساد. والصحيح من أقوال العلماء، بل وهو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم: أن الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد، ولا سيما إذا كانت جهة النهي واحدة، إذا كانت جهة النهي واحدة، أي لا تنفك جهة النهي واحدة، لا تنفك. بخلاف ما إذا كان له جهتان، فينظر في الجهة الأخرى: هل هي متعلقة بصحة الجهة الأولى أم لا؟ من حيث الصحة من عدمها. لذا فصل بعض أهل العلم هذا المقام للتبيين وللتوضيح وللتجريد، فقالوا: بأن النهي يقتضي الفساد إذا عاد النهي على ذات الشيء، على ذات الشيء، كنهي النبي صلى الله عليه وسلم الحائض عن الصلاة، هذا عائد على ذات ماذا؟ ذات الشيء. فإذا صلت الحائض، فما حكم صلاتها؟ فاسدة، إذا صامت الحائض، ما حكم صيامها؟ فاسد، لماذا؟ لأن النهي يعود إلى ذات الشيء. وقد يعود النهي، قالوا: هذه الحالة الأولى، الحالة الثانية: أن يعود النهي على شرط الشيء، لا يعود على ذاته، ولكن يعود على ماذا؟ يعود على شرطه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يتوضأ»، فلو أن إنسانًا صلى من غير طهارة، فما حكم صلاته؟ فاسدة، لماذا؟ لأنه فعل أو ترك فعل المنهي عنه، والنهي يقتضي فساد العبادة إذا كان متعلقًا بشرطها. قال: أو الحالة الثالثة: أن يكون النهي متعلقًا بوصف ملازم لذلك الشيء، لا ينفك عنه، ومثلوا لذلك بصوم يوم العيد، الصوم من حيث هو عبادة، لكن الصوم في يوم العيد في هذا اليوم خاصة، قالوا: إذا صام إنسان هذا اليوم، فإن صيامه فاسد، لماذا؟ لأن النهي عاد على وصف ملازم، لماذا؟ لذلك الأمر لا ينفك عنه، ووصف صيامه في يوم عيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصوم في يوم عيد، فهو وصف ماذا؟ ملازم للشيء. فإذا كان النهي يعود إلى ذلك، فإن العبادة تكون ماذا؟ فاسدة، هذا باعتبار عبادات، وكذلك باعتبار ماذا؟ باعتبار العقود، لكن نمثل، كما يقال في باب العبادات، من باب نبين أن ما أطلقه، منه ومنه الحالة الرابعة: أن يعود النهي على وصف منفك عن جهة الأمر، مثل ماذا؟ مثل ما مثل العلماء رحمهم الله تعالى: بالصلاة في الثوب المغصوب، أو التطهير بالماء المغصوب، وما شابه ذلك. قالوا: فجهة النهي غير جهة ماذا؟ الأمر، إذ جهة النهي هو التحريم، تحريم ماذا؟ الغصب، ولكن الجهة غير جهة ماذا؟ الأمر، فهو باعتبار اغتصابه لحق غيره آثم، وباعتبار فعله لأمر الله جل وعلا بأن صلى الصلاة المطلوبة في وقتها، هو ماذا؟ مثاب. وصلاته ماذا؟ صحيحة، أو فاسدة؟ صحيحة، لماذا؟ لأن جهة النهي غير جهة ماذا؟ الأمر، فهذا خلاصة ما يقال في هذا الباب، أي في باب النهي: هل يقتضي الفساد؟ أم لا يقتضي الفساد؟ فهو على أحوال أربعة، على أحوال أربعة تقدم ذكرها. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.