التعليق على حاشية الدمياطي 29

الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 29، ألقاها

تعريف النسخ ومفهومه في الشريعة

يُعرَّف النسخ في الشريعة الإسلامية على أنه رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بخطاب لاحق، ولا يشمل رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية. يُوضح الفرق بين النسخ والتخصيص أو التشريع.

أنواع النسخ في القرآن الكريم وتطبيقاته

يناقش أنواع النسخ في القرآن، مثل نسخ الرسم مع بقاء الحكم، ونسخ الحكم مع بقاء الرسم، ونسخ كليهما معًا، ويقدم أمثلة على كل نوع. يُظهر كيفية التعامل مع هذه الأنواع في التفسير والفقه.

أقسام النسخ ودلائل الأحكام وآراء العلماء

يتناول أقسام النسخ في الشريعة الإسلامية، مثل النسخ إلى بدل أو إلى غير بدل، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يلقي الضوء على آراء العلماء حول جواز نسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب أو بالسنة الأخرى.

دور النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الوحي وتطبيق النسخ

يُبيّن النبي صلى الله عليه وسلم للناس ما أنزل إليهم من الله، ويوضح ما هو منسوخ لا يتعبد به. يُظهر أهمية دور النبي في تطبيق النسخ والتعامل مع الوحي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال صاحب الحاشية: قوله بالفعل، أي بفعل المكلف، بالمعنى الشامل لفعل لسانه وقلبه. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى بالفعل، كما ذكر، أي بفعل المكلف، بالمعنى الشامل لفعل لسانه وقلبه، فهو أعم من اللفظ أو أعم كذلك من الاعتقاد. قوله: أي عدم التكليف بشيء، أي رفع هذا العدم بالتكليف بشيء لا يسمى نسخًا؛ لأنه ليس ثابتًا بالخطاب، بل بأنه الأصل، بل بأن الأصل براءة الذمة وعدم التعليل. يعني في قوله رحمه الله تعالى عندما ذكر أن النسخ شرعًا هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولا الخطاب اللاحق لكان ثابتًا مع تراخيه عنه. قال: هذا حد الناسخ، ويأخذ منه حد النسخ بأنه رفع الحكم المذكور بخطاب، أي رفع متعلق بالفعل، أي بفعل المكلف. قال: فخرج بقوله الثابت بالخطاب رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، فهذا لا يسمى نسخًا؛ لأنه لم يكن رفعًا لخطاب سابق. لذا قال رحمه الله تعالى: وبقولنا بخطاب المأخوذ من كلامه الرفع، أي قبل هذا في قوله: رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، عدم التكليف بشيء. قوله: أي عدم التكليف بشيء، يرفع هذا العدم بالتكليف بشيء لا يسمى نسخًا؛ لأنه ليس ثابتًا بخطاب سابق. والأول ليس ثابتًا بخطاب سابق، وما لم يكن ثابتًا بخطاب سابق على الخطاب اللاحق لا يسمى نسخًا، ولكن يسمى تشريعًا أو حكمًا وما شابه ذلك. قال: بأن الأصل براءة الذمة وعدم التعليق، تفضل. قال: قوله ما لو كان إلى آخره، قال: ما زائدة، ولو مصدرية أو بالعكس، أي عكس يكون زائدة ما، يعني تكون مصدرية ولو زائدة. تفضل، قال: قوله فإنه أي الخطاب المذكور، أي إنه عيد على الخطاب. قال: قوله مثال، أي الخطاب الأول، المغيى المراد بالمغيى أي له غاية ينتهي إليها. قال: أول المعلل والمصد، بالمعلل أن يكون ذلك الحكم معللًا بشيء معين، فمثل هذا لو زال أو انتهى ذلك الخطاب إلى غايته وجاء خطاب آخر لا يسمى نسخًا؛ لأن ذلك الخطاب الأول له غاية ينتهي إليها. وكذلك الحكم المعلل إذا انتفت علته وجاء خطاب آخر فإن ذلك لا يسمى نسخًا؛ لأنه معلل، متى وجدت العلة وجد، ومتى انتفى انتفى الحكم معها. قال: أول المعلل الذي صرح الخطاب الثاني بمقتضى غايته أو علته. قال: قوله إذا نودي، أي أذن الأذان الواقع عند المنبر، قوله فاسعوا أي امضوا بسكينة. نعم، إن توقف الإدراك الواجب على نحو العدو وجب المقدور. قال: قوله إذا نودي، أي الأذان، أي أذن الأذان الواقع عند المنبر، فيه إشارة إلى أن الأذان أي أذانان، وهذا على ما فعله عثمان رضي الله عنه وأرضاه. فعله من جاء بعده على أن أذان عثمان رضي الله عنه وأرضاه كما هو ظاهر كان أذانًا في السوق لأجل أن يتهيأ أهل السوق للجمعة، وهو الأذان الأول. والأذان الثاني هو الأذان المعتبر للجمعة الذي يؤذن فيه عند المنبر إن كان الصوت يبلغ أو يؤذن فيه في المنارات وفي الأماكن المرتفعة كما هو مذكور في كتب الفقه في باب الأذان. وقوله فاسعوا أي في قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، قال: أي يمضوا بسكينة. فليس المقصود بالسعي ها هنا السعي الذي هو شدة السير كما جاء في الحديث: «إذا أقيمت الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون». قال: نعم، إن توقف الإدراك الواجب على نحو العدو وجب المقدور، وهذا فيه نظر. قال: قوله إلى ذكر الله، أي الخطبة، وقيل الصلاة، وهو الأظهر الذي عليه جماهير الفقهاء. قال: قوله وذر البيع، أي ترك المعاملة ببيع أو رهن أو إجارة، فهو مجاز مرسل من إطلاق الخاص وإرادة العامة، أي ترك المعاملة ببيع أو رهن أو إجارة أو غير ذلك. فـ«ذر البيع» عام، فـ«ذر البيع» أي البيع والشراء وكل معاملة فيها هذا المعنى؛ لأن المقصد ما هو التهيئ والتحرك لسماع الذكر ولأداء صلاة الجمعة. قال: قوله صيد البر، الإضافة على معنى فيه، أي صيد في البر. قال: قوله ما دمتم حرما، أي محرمين، أي حال كونكم محرمين. قال: قوله ما اتصل بالخطاب، كما لو قيل إلا أهل الذمة عقب قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أو قيل غير الذميين، أو قيل إن لم يكونوا ذميين. بمعنى أن هذا الخطاب الذي يكون كذلك لا يكون نسخًا؛ لأنه استثناء في النص نفسه. قال: قوله مثلًا كما ذكر، لو قيل في قول الله جل وعلا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ غير الذميين، هل يقال نسخت الآية؟ في قول «غير الذميين» نسخت ما قبلها؟ يقول: لا؛ لأن من شرط الناسخ كما تقدم أن ما اتصل بالخطاب من صفة أو شرط أو استثناء فما كان كذلك لا يسمى نسخًا كما مر معنا. نعم، قد يسمى تخصيصًا أو يسمى نسخًا في اصطلاح السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، وتعريفهم أو تعبيرهم بالنص كما مر معنا أوسع من تعبير المتأخرين. قال: المؤلف رحمه الله تعالى: ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم نحو ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ﴾، قال عمر رضي الله عنه: «فإنا قد قرأناها»، رواه الشافعي وغيره. قال: وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصنين، متفق عليه، وهما المراد بالشيخ والشيخة، وأصل الحديث حديث عمر في صحيح البخاري. قال: صاحب الحاشية: قوله ويجوز نسخ الرسم، أي لفظ القرآن، أي رفع وجوب اعتقاد قرآنيته. قال: المؤلف رحمه الله تعالى: ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، أي أن النسخ كما مر معنا قد يكون للرسم أي للفظ دون الحكم. مثل ما جاء في أثر أو في حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه في رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا، الرسم والتلاوة والقرآن رفعت، لا يجوز لإنسان أن يتعبد الله تبارك وتعالى بقراءة هذه الآية ويقول: هذه آية من كتاب الله. قال: قوله البتة، بقطع الهمزة سماعًا، والمراد كان يتلى في القرآن في سورة الأحزاب: ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. طيب، هذا نسخ هذه الآية، نسخ لفظها وبقي حكمها. قال: قوله وقد رجم رسوله، قال: وقد رجم صلى الله عليه وسلم المحصنين، أي أمر برجمهما. طيب، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بمعنى ومقتضى تلك الآية وإن نسخ لفظها، فدل على أن حكمها لم ينسخ. قال: المؤلف: ونسخ الحكم وبقاء الرسم نحو ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، نسخ بآية: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. إذن هذا النوع من النسخ هو عكس النوع الأول؛ لأن النوع الأول نسخ للفظ دون الحكم، وهذا نسخ للحكم دون اللفظ أو دون الرسم. فقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، أي إلى السنة، سنة كاملة تبقى المرأة متربصة معتدة بموت زوجها. وجاءت الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، كم صارت المدة؟ أربعة أشهر وعشرًا. فدل هذا على أن الآية نسخت الآية من حيث الحكم، وإن بقي لفظها وتلاوتها يتعبد بها. قال: صاحب الحاشية: قوله وصية، هو بالنص مفعول لفعل محدود، أي لا أن يوصون لأزواجهم، والجملة خبر المبتدأ. يعني يكون مفعول مطلق، يوصون وصية. طيب، ولو في قراءة ابن كثير: ﴿وَصِيَّةٌ﴾ بالرفع، مبتدأتان، والمسوغ للابتداء بالنكرة وصف مقدر، أي من الأزواج؛ لأن المبتدأ لا يكون إلا معرفة. وإذا جاء نكرة فإنه يكون مبتدأ بشروط، منها أن يكون موصوفًا، وسواء كان ذلك الوصف ظاهرًا أو كان مقدرًا كما هو الحال ها هنا. لذا قال: في قراءة ابن كثير من معه في قوله: ﴿وَصِيَّةٌ﴾، أي: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ﴾، قال: هذا مبتدأ، والمسوغ له الوصف أو الصفة المقدرة بقوله: «وصية من أزواجهم» أو «وصية أزواجهم» أو ما شابه ذلك. قال: وقوله لأزواجهم خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وقوله متاعًا مفعول مطلق بعامل محدود، أي متعوهن متاعًا، أي تمتيعًا. وهذه الآية منسوخة بآية أربعة أشهر وعشرة لتأخرها في النزول، وإن تقدمت في التلاوة، أي باعتبار المصحف، آية التمتيع بعام في ترتيب المصحف متأخرة على الناسخة لها، فإنها متقدمة عليها. قال: ومنه يعلم أن إنسانًا إذا قرأ آية ورأى آية بعدها لا يقول: هذه كيف تكون ناسخة لها وهي بعدها في التلاوة وبعدها في المصحف؟ العبرة بماذا؟ ليس بترتيب المصحف، ولكن العبرة بماذا؟ بالنزول والتراخي، الناسخة الآية الناسخة لابد أن يكون متراخيًا عن الدليل المنسوخ باعتبار النزول. قال: ومعنى هذا ونسخ الأمرين معًا، أي اللفظ والحكم أو قل الرسم والحكم أو قل التلاوة والحكم، واضح نحو حديث مسلم عن عائشة: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن»، فيما أنزل أي من القرآن. قال: فنسخنا بخمس معلومات يحرمن، عشر نسخنا بكم؟ بخمس، هل العشر الآيات أو ما فيها ذكر عشر آيات من القرآن موجود؟ الجواب: لا، وخمس آيات كذلك ماذا؟ غير موجود. قال: صاحب الحاشية: قوله عشر رضعات، اللفظ الذي كان أولًا: «عشر رضعات معلومات يحرمن»، فنسخت هذه لفظًا وحكمًا بقوله: «خمس معلومات يحرمن»، هذه نسخت لفظًا لا حكمًا. قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن، أي يقرأهن من لم يعلم النسخ. قال: كما قال بعض العلماء: بسبب أن ذلك كان متأخرًا قبل وفاته صلى الله عليه وسلم فلم يطلع على ذلك إلا من كان قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. بخلاف من كان بعيدًا فإنه لم يطلع على هذا الأمر، فبقي يقرأ يقرأ الآية ولم يطلع. قال: قوله معلومات، إشارة إلى اشتراط تيقنها حتى لا يثبت التحريم بالشك. قال: المؤلف رحمه الله: وينقسم النسخ إلى أن مسألة الرضاع تنبني على اليقين لا على مجرد ماذا؟ أي في ثبوت المحرمية. قال: وفي مسألة النكاح ما النكاح؟ يقال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذلك الرجل مع امرأته: «كيف وقد قيل؟» واضح. قال: وينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل، قال: الأول كما في نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، هذا إلى بدل. قال: والثاني كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، وهذا نسخ إلى غير بدل، فلم يقل: قدموا صدقة مثلًا، ثم قال: إذا ناجيتم الرسول فصلوا ركعتين قبل أن تناجوه، ما هناك بدل؟ رفعت الآية ونسخت الآية وليس هناك بدل. قال: صاحب الحاشية: قوله النسخ إلى بدل، أي ويجوز النسخ إلى بدل للمنسوخ، وضمن النسخ معنى الانتقال فعداه بإلى هنا وفيما يأتي؛ لأنه قال: وينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل، فهو ضمنه معنى الانتقال كأنه يقول: انتقل من شيء إلى شيء آخر. قال: قوله كما في نسخ استقبال بيت المقدس، أي الثابت بالسنة الفعلية كما في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال: قوله فقدموا بين يدي نجواكم صدقة، ومعناه وجوب تقديم الصدقة على مناجاته صلى الله عليه وسلم، وهذا نسخ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال: وهذا وإن اتصل بما قبله تلاوة لم يتصل به نزولًا، وهذا النسخ من غير بدل. قال: وقال بعضهم: إن النسخ لا يكون إلا إلى بدل، وهو هنا الندب، فيندب التصدق قبل مناجاته صلى الله عليه وسلم، وهذا لا دليل عليه. قال: المؤلف رحمه الله: وإلى ما هو أغلظ مع التنبيه أنه جاء في بعض رواية أن عليًا قال: «فما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا وقدمت بين يدي نجواي صدقة»، وهذا الأثر لا يصح عنه رضي الله عنه وأرضاه. قال: وإلى ما هو أغلظ كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية إلى تعيين الصوم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. طيب، هون ماذا؟ من أخف إلى أغلظ، نسخ من أخف إلى ماذا؟ إلى أغلظ، كان الصوم في بدء الأمر على التخيير، من شاء صام ومن شاء تصدق. قال: قوله والفدية، يمد أو مدان على الخلاف، منهم من قال: أن العبرة في ذلك بالإطعام. قال: قوله يطيقونه، أي الصوم، إن أفطروا، وقيل: إن الآية محكمة والمعنى لا يطيقونه، وهم الشيخ الهرم والزمن ونحوهما. قال: قوله يظنب مئتين، أي من الكفار، ومعنى الآية أنه يجب تثبيت الواحد للعشرة منهم، وهذا نسخ بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، فأوجب تثبيت الواحد للإثنين. قال: وفي الآيتين المذكورتين إلى جانب أن النسخ قد يكون من أعلى إلى الأدنى أو من الأشد إلى الأخف كما هو الشاهد من ذكرها هنا، فيه كذلك أمر آخر وحكم آخر، وهو أن النسخ قد يكون قبل التمكين وقبل الفعل. قال: فالآية الأولى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، لم يكن ذلك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حصل لهم هذا المعنى، فنسخت الآية قبل الفعل. فدل ذلك على أن النسخ قد يكون قبل الفعل، أن النسخ قد يكون قبل الفعل، وهذا على مذهب أهل السنة والجماعة صحيح لا غبار فيه. قال: وخالف في ذلك المعتزلة وغيرهم، قالوا: بأن هذا فيه معنى العبث واللعب فلا يكون، وهذا قول قبيح لا يقوله من عقل عن الله جل وعلا مراده. قال: المؤلف رحمه الله: ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب كما تقدم في آيتي العدة وآيتي المصاهرة التي مرت معنا الآن. قال: ونسخ السنة بالكتاب كما تقدم في استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية في حديث الصحيحين بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: والسنة هذا واضح كذلك القرآن نسخ ما كان في السنة من استقبال بيت المقدس. قال: ولو السنة نحو حديث مسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا»، إذن كان نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فهو نسخ بماذا؟ نسخ للسنة بالسنة. قال: وسكت عن نسخ الكتاب بالسنة، وقد قيل بجوازه، ومثل له بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، مع حديث الترغيب وغيره: «لا وصية لوارث»، هو حديث صحيح، بل وجاء كذلك في صحيح البخاري. قال: ولو اعترض بأنه خبر آحاد وسيأتي أنه لا ينسخ المتواتر بالآحاد، وفي نسخة: ولا يجوز، طيب، وهذا فيه نظر. قال: والجواب ما سيأتي أيضًا نص على جواز نسخ المتواتر بالآحاد، أن محل نسخ الحكم ودلالة المتواتر كالقرآن عليه ظنية. قال: قوله بالسنة، أي آحادًا ومتواترة، سواء كانت آحادًا ومتواترة، قوله لأن التخصيص أحوى من الناس؛ لأن نسخ رفع الحكم بالكلية، بخلاف التخصيص. قال: مثاله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ مع حديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، فهذه الآية خصصت أو الحديث خصص ماذا؟ الآية، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ عامة. قال: قوله لأنه دونه في القوة، إذ الأول قطعي والثاني ظني، فلا يرفع به، وهذا في نظر كما تقدم؛ إذ الكل من عند الله. قال: نعم، يقطع بالحكم لقرائن مشاهدة من المنقول عنه أو متواترة نقلت إلينا تواترًا، فينبغي ابتناء نسخه بالآحاد، فيستثنى هذا من ترجيح الجواز، أخذ من التعليل. قال: والصحيح ما تقدم ذكره من جواز نسخ السنة للقرآن سواء كانت السنة آحادًا أو كانت متواترة؛ إذ الكل من عند من عند الله رب العالمين جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم مبين عن الله جل وعلا، الله عز وجل يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فما بينه نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه منسوخ لا يقضي التعبد به، فلا يقضي أن يتعبد به مسلم بعد إذ علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأنه منسوخ. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابة أجمعين.

شاركنا على