التعليق على حاشية الدمياطي 33

الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 33، ألقاها

شروط انعقاد الإجماع وانقراض العصر

يناقش شرط انقراض العصر لانعقاد الإجماع واختلاف الأصوليين حوله، مشيرًا إلى صعوبة تحقيقه في الواقع بسبب توسع الأمة وتفرق العلماء.

مفهوم الإجماع السكوتي وحجيته

يتناول مفهوم الإجماع السكوتي ومدى حجيته، حيث يختلف العلماء في اعتباره حجة قطعًا أو ظنية أو عدم اعتباره حجة.

حجية الإجماع السكوتي وقول الصحابة

يناقش حجية الإجماع السكوتي وقول الصحابة، حيث يوجد اختلاف بين العلماء حول شروط اعتبارها حجة.

بيان ضعف الحديث والدعاء

يشير إلى ضعف حديث معين ويذكر دعاءً يسبح الله ويستغفره، مما يبين أهمية التثبت من صحة الأحاديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند قوله رحمه الله تعالى: «والإجماع حجة على العصر الثاني» إلى قوله: «فإن قلنا انقراض العصر شرط يعتبر في انعقاد الإجماع، قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل اجتهاد في انعقاد أهل إجماع، قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل اجتهاد، ولهم على هذا القول أن يرجعوا عن ذلك الحكم الذي أدى اجتهادهم إليه». قوله رحمه الله تعالى: ما تقدم ذكره مبني على المسألة السابقة، وهي هل يشترط انقراض العصر لأجل القول أم لا؟ وتقدم وجه ذلك، على أن المسألة في الحقيقة من حيث الواقع والنظر - كما ذكر - لو قيل بإجماع الصحابة، لا كان في تصور هذا القول يحتاج إلى مدة، إذ من المحال أن تجمع الأمة في لحظة واحدة كلها على قول ما، ويعرف قولهم واضحة جماعة. فلذا بعض الأصوليين ربما ذكروا مسائل في الحقيقة هي أقرب في الخيال منها في الواقع، يعني الآن مثل هذه المسألة. يقول: «فإن قلنا» يعني بعد أن ذكر المسألة في حجية الإجماع، ذكر أنهم لو أجمعوا، وحصل الإجماع وتوفر ذلك، ثم لم ينقل العصر حتى ظهر الخلاف، هل يكون ناقضًا أم لا؟ يقال: أولًا، إذا كان الإجماع بالمعنى الذي ذكره الأصوليون المتأخرون، ومنهم الجويني رحمه الله تعالى، وإجمعوا أهل عصر ما، فإجماعهم الوقوف على إجماعهم يكاد يكون مستحيلًا. فالإجماع - على ما مر معنا - معرفة أقوال المجتهدين، أو أفعالهم، أو إقرارهم على حادثة ما. ومن المعلوم أن المجتهدين صاروا أو كانوا، وصاروا في أصقاع الأرض، فما من بلد إلا وفيها علماء، وفيها مجتهدون. فكون القائل يقول: «أجمع العلماء»، ولسيما المتأخرين، فهذا - كما ذكر - من حيث النظر، ومن حيث الواقع متعسر. لذا - كما ذكر معنا في الدرس الماضي - أن بعض العلماء من المحققين، منهم رحمهم الله تعالى، منع الإجماع، ولا سيما بعد قرن الصحابة، وبعضهم بعد القرون الثلاثة، لأجل تعسر الإجماع، تعسر الإجماع، حصول الإجماع الذي ينضبط، الذي إذا قال: «أجمع»، لم يعرف فيه مخالفًا، أو لم يعرف فيه مخالف. وهذا يكاد يكون ممتنعًا. فالحاصل أن هذه المسألة هي - كما يقول من يقول - على أنها إلى الفرض والتصور أقرب منها إلى الواقع. واضح جماعة. ما يقول: تصور فرض لو حصل، لكن هل في الواقع موجود؟ يحتاج إلى نظر، إلا إذا قلنا في إجماع الصحابة. إلا إذا قلنا في إجماع الصحابة ممكن أن تذكر هذه المسألة وتقرر، لكن كإجماع عام وخاص، إجماع الأصوليين، فهذا - كما سمعتم - يعني يكاد أن يكون ضربًا من الخيال، أو التصور الذي قد لا يكون له حقيقة في الواقع. قوله رحمه الله تعالى، قوله صاحب الحاشية: «وقوله وصار من أهل الاجتهاد» أي: لو أن العصر لم ينقرض حتى نبغ في ذلك العصر أناس صاروا من أهل الاجتهاد، فهل لو أنهم ينقضوا ذلك الاجتهاد باعتبار أنهم كانوا مجتهدين في العصر؟ المسألة تأتي على هذا الفرض. على هذا الفرض قال: أي «فإن خالف لم ينعقد إجماعهم على هذا القول». وقوله: «ولهم أن يرجعوا» أي: لعدم استقرار الإجماع. لماذا؟ لأن العصر - القول بأن الإجماع لا يكون إلا بعد انقراض العصر - العصر غير منقرض. فلهم أن يخالفوا، أي: للإمام أو العالم أن يقول القول، فيجمع عليه، ثم يقول قولًا آخر يخالف قوله الأول، ولا يكون القول الأول حجة عليه. لا يكون قول الأول حجة عليه. قال رحمه الله تعالى: «والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم»، كأن يقول بجواز شيء أو يفعله، فيدل فعلهم له على جوازه لعصمتهم - كما تقدم - ويقول البعض: «وبقول البعض وبفعل البعض». إذن هذا هو الصواب. «وبقول البعض وبفعل البعض» لا لعصمتهم - كما تقدم - «وبقول البعض» هكذا يكون. «وبقول البعض وبفعل البعض وسكوت الباقين». طيب. كما تقدم: «وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك القول أو الفعل، وسكوت الباقين عليهم»، أي: أن هذا كذلك يسمى إجماعًا. قال: «ويسمى ذلك بالإجماع السكوتي». ما هو الإجماع السكوتي؟ «إجماع السكوتي» أن يقول بعض العلماء قولًا أو يفعل بعض العلماء فعلًا، أي: قضاء مثلًا في قضية ما، ويظهر ذلك القول وينتشر ذلك القول، ولا يعرف له مخالف. ما حكم هذا القول؟ هذا يسميه الأصوليون «بالإجماع السكوتي». يسميه الأصوليون «بالإجماع السكوتي». لماذا «بالإجماع السكوتي»؟ لأنه قول انتشر، وسكت عليه الآخرون. واضح. قال: «فسكوت الآخرين عنه يدل على إقرارهم له». يدل على إقرارهم له. وما دام أقر عليه، فهو حجة. فالإجماع السكوتي أولًا من حيث الضابط، ما هو ضابطه؟ قال العلماء رحمه الله تعالى: هو أن يقول إمام قولًا أو يفعل إمام فعلًا، وينتشر ذلك عنه، ولا يعرف له مخالف. ولا يعرف له مخالف. فهذا يسميه العلماء «بالإجماع السكوتي». هذا يسميه العلماء بماذا؟ «بالإجماع السكوتي». أولًا من حيث الإجماع، هل يسمى إجماعًا أم لا؟ من أهل العلماء من يسميه إجماعًا، لكن سكوتي. ومنهم من يقول: لا، ليس بإجماع. إذ قد يسكت من العلماء لا عن إقرار، لا عن إقرار، ولكن إما لأنه لم يتبين له القول، لم يترجح عنده قول. وإما لأنه يرى أن ذلك القول الذي قيل مما يسع فيه الاجتهاد، ويسع فيه القول، فيسكت لأجل ذلك، لا لأنه مقر لذلك القول. قال: فالحاصل، قال: هذا أو مثل هذه الاحتمالات تضعف أن ينسب إلى مثل هذه الحالة أنه إجماع. لماذا؟ لا احتمال الخلاف. واضح؟ فلا نستطيع أن نقول بأن مثلًا مسألة قال بها - مثلًا على سبيل المثال - سعيد بن المسيب، وما يعرف له مخالف، أن نقول هذا القول هو قول حسن. وقول عطاء، وقول فلان وفلان وفلان. لماذا؟ لأننا لم نقف على أقوالهم. فلهذا لا نستطيع أن نقول بأن هذا إجماعًا من العلماء. فالحاصل أن هذا هو منزع القائلين بتسميته إجماعًا أم لا، بتسميته إجماعًا أم لا. لذا كان من قال بهذا القول - كما سمعتم - سماه إجماعًا سكوتيا، وجعله من حيث الحجة دون حجة الإجماع القطعي. لأنهم سموا هذا النوع «بإجماع» ماذا؟ «بالإجماع الظني». سموه «بالإجماع الظني». لماذا؟ لأنه إجماع ظني، ليس مقطوعًا به. ثم إن العلماء في حجية هذا النوع من الإجماع على أقوال ثلاثة: منهم من قال بأنه حجة قطعًا، وهذا قول مبالغ فيه. ومنهم من قال بأنه ليس بحجة قطعًا، وهذا كذلك قول مبالغ فيه. ومنهم من قال بأنه حجة ظنية، أنه حجة ظنية، بمعنى أنه يعمل به حتى يُعلم المخالف. قال: قوله رحمه الله تعالى: «قوله وانتشار ذلك القول والفعل» أي: بحيث بلغ الباقين، ومضى زمن يتمكنون فيه عادة من النظر، أي: من النظر في ذلك القول، والقول في ذلك القول. فإذا لم يعلم لهم قول بعد انتشار ذلك القول، فإن سكوتهم عليه يدل على إقرارهم لذلك القول، وهو ما يسميه الفقه الأصوليون ماذا؟ «بالإجماع السكوتي». قوله: «وسكوت الباقين عليه بأن لم ينكروه، ولا ظهرت أمارة الرضا أو السخط منهم». قال: «وخرج بقيد الانتشار وما بعده، إذا لم يبلغ القول أو الفعل كل الباقين، أو بلغهم، ولم يمضي زمن المذكور، فليس بإجماع». وما ظهرت أمارة الرضا فوإجماع قطعًا. وأما أمارة السخط فليس بإجماع قطعًا. قوله: «ويسمى ذلك بالإجماع السكوتي». واختار البيضاوي أنه ليس بإجماع، ولا حجة. واختاره القاضي، ونقله عن الشافعي. ونقل عنه، ونقل أنه آخر، ونقل أنه آخر، أقواله. أي: آخر أقوال الشافعي. قالوا: «أما استدلال الشافعي رضي الله عنه في مسائل في مسائل بالإجماع السكوتي، فأجيب عنه بأن تلك المسائل ظهرت من الساكتين فيها قرينة قرينة الرضا، فليست من محل النزاع». وما ذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى هاهنا من أنه قال قولًا ثم رجع عنه هذا القول، حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبسط القول فيه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «إعلام الموقعين». وخلاصة القول: بأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لم يرجع عن قوله، ولم يعرف له شيء من ذلك. بل إن النصوص الكثيرة التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى تدل على أن الشافعي رحمه الله تعالى يقول بهذا القول في قوله الجديد، وفي قوله القديم، أي: أنه باق على القول المذكور من أن الإجماع السكوتي بأنه كذلك معتبر. قال رحمه الله تعالى: «قوله وقول الواحد» نعم. مثل ما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقول الواحد من الصحابة ليس حجة على غيره على القول الجديد». وفي القديم حجة، لحديث: «أصحابك النجوم، بأيهم اهتديتم اهتديتم». فأجيب بضعفه. طيب. الحديث - كما ذكر - ضعيف. والقول في أن الشافعي كذلك رجع عن هذا القول، هذا كذلك - كما سمعتم - ممن تقده الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وبيّن ضعفه. وقال: من قال بهذا القول لم يأتي بحجة، لا من نص الشافعي، ولا من فعله. قال: والعلماء رحمهم الله تعالى كذلك في قول الصحابة، لهم في ذلك خلاف ونزاع. فمنهم من يرى أن قول الصحابة ليس بحجة، ويستدل على ذلك بقول الله جل وعلا: «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء»، وما شابه ذلك من أدلة. ومنهم من يرى أن قول الصحابة حجة، ويستدل بأدلة منها ما جاء في هذا الحديث، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». وكذلك ما جاء في معناها من أدلة تدل على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أقوالهم تكون حجة. والراجح - والله أعلم وأعلم - كما رجعه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وجماعة من المحققين: أن قول الصحابة يكون حجة بشروط. أولها: أن لا يكون مخالفًا لنص، سواء كان من كتاب الله جل وعلا، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن لا يكون مخالفًا لغيره من الصحابة، إذ ليس قول أحدهم بأحق من قول الآخر. الثالث: أن يكون قوله ذلك قد شاع وذاع وانتشر، ولا يعلم لهم مخالف. فمثل هذا يكون حجة بهذا الاعتبار. قال: قوله: «اهتديتم» أي: كنتم على هدى. فدل على أن قوله حجة. وإلا لم يكن المقتدي به مهتديًا. ولو صح هذا الحديث، كان صالحًا في المسألة. ولكنه لم يصح، بل هو ضعيف، وضعيف جدًا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على