الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 17، ألقاها
يناقش دلالة الأمر على التكرار حيث يرى بعض العلماء أنه لا يدل على التكرار بذاته بينما يرى آخرون أنه يقتضي التكرار مع تقديم أمثلة من القرآن والسنة. يوضح آراء العلماء المختلفة حول هذه المسألة.
يناقش مسألة ما إذا كان الأمر المطلق يقتضي التكرار أو الفور حيث يرى بعض العلماء أنه يقتضي التكرار بينما يرى آخرون أنه لا يقتضي الفور. يستدل كل طرف بأدلة من القرآن والسنة.
تناول آراء العلماء في مسألة اقتضاء الأمر الشرعي للفور أو التراخي مع استدلال كل فريق بأدلته من السنة النبوية. خلص الشارح إلى أن المسألة تُحمل على ثلاثة أحوال: الوقت الموسع والمضيق والإطلاق.
يشير إلى انتهاء الكلام في مسائل فقهية معينة مع التسبيح والدعاء والاستغفار وتأكيد علم الله تعالى وتعظيمه. يتضمن إشارة إلى مسائل التكرار والفور.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله -أي قول الدمياطي رحمه الله تعالى، صاحب الحاشية- في قوله: «يتحقق بالمرة»، أي في قول صاحب الشرح: «ولا يقتضي التكرار على الصحيح». قال: لأن ما قصد به من تحصيل مأمور به يتحقق بالمرة الواحدة، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها. فقال: قوله «يتحقق بالمرة» أي كما يتحقق بالأكثر. أي أن الأمر يتحقق بالمرة كما يتحقق بالأكثر. قال: فهو لطلب الماهية، فهو في الحقيقة لطلب ماهية الشيء دون النظر إلى هل يفيد المرة أو هل يفيد مرات. لذا قال: أي كما يتحقق بالأكثر، فهو لطلب الماهية لا لتكرار ولا لمرة. قال: لكن قبل هذا -يعني خلاصة ما ذكره صاحب الحاشية- أن لفظ الأمر اللفظ من حيث هو لا يدل لا على تكرار ولا يدل على غير ذلك. لا يدل على تكرار ولا على غير ذلك. لذا قال: أي كما يتحقق في قوله «يتحقق بالمرة». قال: أي كما يتحقق بالأكثر، فهو لطلب الماهية لا للتكرار ولا لمرة. إذن كأنه يقول بأن لفظ الأمر لا يفيد التكرار ولا غير التكرار. ثم قال: لكن المرة ضرورية، لكن المرة ضرورية، فلا يتحقق التحصيل بأقل منها. فتجب لذلك. وضح هذا: يعني كأنه يقول بأن لفظ الأمر من حيث هو لا يدل على تكرار ولا على عدمه، لكن فعل المأمور ولو مرة واحدة هذا واجب. لماذا؟ لأن فعل المأمور لا يتحقق إلا بفعله ولو مرة واحدة. فإذا هو واجب في المرة الواحدة لا بأصل اللفظ، ولكن لأنه لا يتحقق الأمر أو فعل الأمر إلا بذلك الفعل ولو مرة واحدة. كأنه يقول بأن المرة في قول صاحب الشرح: «لأن ما قصد به من تحصيل المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة»، لا بأصل اللفظ، لكن من لوازم فعل المأمور. فهو كأنه يقول: ليس من اللفظ، لكن من لوازم اللفظ. وفي هذا إشارة إلى قول ثالث في المسألة. إشارة إلى قول ثالث في المسألة. لماذا؟ لأن العلماء منهم من يقول: بأن لفظ الأمر يفيد التكرار، ومنهم من يقول: لا يفيد التكرار. وصاحب الحاشية هاهنا، تبعًا لغيره، ذكر قولًا ثالثًا. ما هو؟ أن اللفظ الأمر من حيث هو لا يفيد تكرارًا ولا عدم التكرار، ولكن فعل المرة واجب لأن امتثال الأمر لا يتحقق إلا به. فالتكرار ليس من ظاهر اللفظ، ولا عدم التكرار، لكن فعل المأمور ولو مرة واحدة من لوازم اللفظ. ومر معنا أمس الكلام على ما يقال في هذه المسألة: من أن لفظ الأمر بأصالته لا يدل على التكرار، إلا ما دلت الأدلة والقرائن على ذلك. إلا ما دلت الأدلة والقرائن على ذلك. ومنها أن يكون ذلك الأمر متعلقًا بعلة صحيحة، سواء كان وصفًا مضطردًا أو كان شرطًا، كما مر معنا أمس. فإذا كان كذلك، فيقال: كما قيل أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فيكون استفادنا التكرار هل من لفظ الأمر؟ الجواب: لا، ولكن من قرائن وأدلة أخرى. قال رحمه الله تعالى: قوله «كالأمر»، قوله «كالأمر بالصلاوات الخمس»، يعني في قوله صاحب الشرح: «إلا إذا دلت دليل على قصد التكرار». أي دلت دليل، أي كانت هنا القرينة في الدليل. قال: «فيعمل به كالأمر بالصلاوات الخمس والأمر بصوم رمضان». طيب. قال: ومقابل صحيح: أنه يقتضي التكرار، أي على القول الآخر. قوله رحمه الله: قول صاحب الحاشية، قال: قوله «كالأمر بالصلاوات الخمس»، أي في قوله: «وأقيم الصلاة». قال: فقد دلت دليل، كحديث المعراج، على تكرارها في كل يوم وليلة، كما في حديث أنس وغيره. في حديث المعراج: أن خمس صلوات في اليوم والليلة. وكما جاء كذلك في حديث -كذلك الذي جاء في صحيح مسلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لذلك الأعرابي -كما في حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه- حينما سأله عن الإسلام، فقال: مما ذكره له: «خمس صلوات في اليوم والليلة». إذن استفيد التكرار في الصلوات: أن في كل يوم تكرر خمس صلوات. هل استفيد من لفظ الأمر -من قول الله جل وعلا: «وأقيم الصلاة»- أم استفيد من دليل آخر؟ استفيد من دليل آخر. فكما تقدم: أن التكرار يستفاد من دليل آخر، من قرائن ومن قرائن أخرى. ومنها ما تقدم ذكره فيما مضى. كذلك قوله: «والأمر بصوم رمضان»، أي في قوله: «صوموا لرؤيته». ها هنا أمر، هل يفيد التكرار؟ تقدمت القاعدة: أنه لا. قال: ففي الحديث ما يدل على أن صوم رمضان يجب في كل سنة، أي حيث أضافه إلى السنة دون العمر. لقول الله جل وعلا في آية الصيام: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فشهر رمضان شهر الصيام، كما هي نص الآية. فكلما جاء شهر رمضان وجب علينا أن نصومه بشروطه وضوابطه. قال: قوله «ما يمكنه إلى آخره»، احترز به عن أوقات الضرورة من أكل ونوم وغيرهما. وإضافة زمان إلى العمر بيانية، أو من إضافة الأعم للأخص. طيب. في قوله «ما يمكنه»، أي في قول الشارح. ومقابل الصحيح: أنه يقتضي التكرار. قال: «فيستوعب المأمور»، ومقابل الصحيح: أنه يقتضي التكرار. الصحيح: أيش عنده؟ أنه لا يقتضي التكرار. فيقول: مقابل الصحيح: أنه يقتضي التكرار، فيستوعب الأمر بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر. حيث لا بيان لأمد المأماء المأمور به، لانتفاء مرجح بعضه على بعض. يعني معنى الكلام: إذا قيل بأن الأمر يفيد التكرار، معناه أنك تقوم بالعمل أبدًا. يعني مثلًا في قول الله جل وعلا: «وأقيم الصلاة»، إذا لم تكن عندنا أدلة أخرى تدل على أن خمس صلوات في اليوم والليلة، معنى التكرار: أنك تقوم دائمًا بالصلاة. وهكذا. ليس في زمن دون زمن. لأن ما إذا أفاد تكرارًا أفاد: كل ما جاء السبب أو كل ما حصل ما أمرك ربك تبارك وتعالى بأمر، وجب عليك أن تمثله. قال: ومثال ذلك -أي يبين ذلك- لو أن السيد قال لعبده: أو قال لعبد: «اذهب فأتني بكيس من البر». هل معنى أنه يذهب يأتي بكيس البر، ثم يرجع يأتي بكيس آخر، ثم يرجع؟ يقول: الأمر يفيد التكرار. لو قيل بأن الأمر يفيد التكرار، لازم هذا العبد: ما دام أنه بصحة وعافيته وعنده إمكانية أن يفعل العمل، يجب عليه أن يقوم بهذا العمل أبدًا. ولو لم تكن هناك قرينة. لذا قلنا: بأن الأمر يقتضي التكرار إذا دلت عليه قرينة. كان يقول له مثلًا: «يا غلام، صفي البيت أو نظف البيت يوميًا». ها هنا قرينة. لكن هل من نظف البيت من الأمر أو من القرينة الأخرى «يوميًا»؟ واضح. هكذا لو قاله: «اذهب فأتني بكيس من البر يوميًا»، أو «كل ما ذهبت إلى السوق يأتني بكيس من البر». يقول: هنا فيه دلالة على التكرار. لكن ما إذا لم تكن هناك قرينة، هل يقال بأن أصل اللفظ يدل على التكرار؟ هذا ما تقدم ذكره. قال: «ومقابل الصحيح أنه يقتضي التكرار»، قال: «فيستوعب الأمر بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر»، أي ما دام يستطيع أن يعمل يجب عليه أن يعمل. ما دام يستطيع أن يعمل يجب عليه أن يعمل أبدًا بدون تحديد بزمن، إلى أن يأتيه الأجل. لماذا؟ قال: «حيث لا بيان لأمد المأمور به لانتفاء مرجح بعضه على بعض». أي لو قيل: «افعل بهذا الزمن ولا تفعل بهذا الزمن». يقول: ما الدليل؟ ما المرجح؟ ليس مرجح. إذن ما المانع عن أن نفعل الزمن الآخر؟ ما المانع عن أن نفعل الزمن الآخر؟ وهكذا إلى ما لا نهاية، إلى أن يأتيه الأجل. قال صاحب الحاشية: قوله «ما يمكنه إلى آخر كلامه». قال: «احتراز به عن أوقات الضرورة من أكل ونوم وغيرهما». لأن قوله «ما يمكنه» يدل على أن هناك شيء لا يمكنه. ما هو الشيء الذي لا يمكنه؟ كأن يكون جائعًا يحتاج إلى طعام، يحتاج إلى قضاء حاجة، يحتاج إلى أن يصلي، إلى أن ينام، إلى غير ذلك من الحاجات الضرورية. قال: «وإضافة زمان إلى العمر بيانية»، أي في قوله: «ما يمكنه من زمان العمر». يقول: هذه الإضافة بيانية. أو من إضافة الأعم للأخص. زمان العمر، لأن العمر من الزمان. فهو إما بيانية، ومعنى البيانية: يعني إضافة الشيء إلى نفسه لأجل البيان والتوضيح. أو أنه من باب إضافة الأعم للأخص. إضافة الزمان الذي هو الأعم إلى العمر الذي هو أخص. قال رحمه الله: قوله «حيث لا بيان لأمد المأمور به». قال: «فإن بين زمانه بتعينه أو تعين قدر الفعل كمرة أو مرات معينة كفى شغل ذلك الزمن أو الأزمان بذلك القدر». أي وما عداه لا يجب عليه. إذا جاء تحديد، فلا يجب عليه لزوم ذلك الزمن. وإذا لم يأتِ تحديد، فماذا؟ يستمر أبدًا حتى يموت. هذا إذا قيل بأن الأمر المطلق يفيد التكرار ولو تجرد عن قرينة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يقتضي الفور». لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني. وقيل: يقتضي الفور. وذلك وعلى ذلك يحمل قول من يقول: إنه يقتضي التكرار. ولا صاحب الحاجة. قوله رحمه الله: قول الجويني رحمه الله: «ولا يقتضي الفور»، أي أن لفظ الأمر بذاته لا يقتضي الفور. ما معنى الفور؟ الفور: امتثال الأمر عقب الأمر. معنى الفور: امتثال الأمر عقب الأمر. فعل الأمر عقب الأمر. يعني يقول السيد لعبده: «ائتني بماء»، مباشرة يقوم ينطلق فيأتيه بماء. يقول أب لولده: «ائتني بطعام»، ينطلق فيأتي لأبيه بطعام. لو لم ينطلق مباشرة، يسمى هذا ما؟ تراخيًا. واضح. لو لم ينطلق مباشرة، يسمى ذلك تراخيًا. والتراخي ضد الفور. وهذه مسألة يذكرها الأصوليون، وكذلك فرع عليها الفقهاء مسائل. وهي: هل الأمر المطلق يقتضي الفور أم لا؟ واضح. هل الأمر المطلق يقتضي الفور أم لا يقتضي الفور؟ بمعنى أن إنسانًا -أن السيد إذا قال لعبده مثلًا-: «قم فأتني بماء»، فهل إذا تأخر وتراخى العبد فلم يأتِ بالماء إلا بعد زمن، هل يستحق ذلك العبد اللوم والتأنيب أم لا يستحق ذلك؟ هيا. من يقول بأن الأمر لا يقتضي التكرار، الأمر لا يقتضي الفور، يقول: لا يستحق. ومن يقول: يقتضي، يقول: يستحق. والواقع يدل على: يستحق اللوم أم لا يستحق اللوم؟ الواقع التي دلت عليه لغة العرب، وكذلك فطر الناس تدل على هذا المعنى. تدل على هذا المعنى. المعنى: فإن الأب إذا قال لابنه: «ائتني بكذا، افعل كذا»، وتراخى، لامه. وكذلك السيد إذا قال لعبده: «افعل كذا»، وتراخى، كذلك أنبه. وكذلك أدبه بسبب عدم امتثاله لأوامر سيده. قلنا: هذه المسألة الفقهاء رحمهم الله تعالى، وكذا الأصوليون مختلفون فيها. وكل استدل بدليل وبأدلة. كل استدل بأدلة نقلية وعقلية. نقلية وعقلية. وأيضًا من اللغة. فالقائلون بأن الأمر يقتضي الفور استدلوا بأدلة كثيرة. منها أدلة: الأدلة العامة في المسارعة في الطاعة والخيرات. كقول الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. وما شابه ذلك. واستدلوا كذلك بأدلة خاصة. منها قول الله جل وعلا لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا أَمَرْتُكَ﴾. يعني بعد أن قال الله جل وعلا للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يعني في الآية. قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. الشاهد منه: الفاء. الفاء تفيد التعقيب. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. أي مباشرة عقب الأمر. قال الله جل وعلا: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. بالفاء التي تدل على امتثال الأمر على الفور. إلا إبليس لم يمتثل الأمر. ما تراخى الأمر. قالوا: فإن الله جل وعلا لما لم يسجد إبليس، قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا أَمَرْتُكَ﴾. ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي. ما قال ربنا تبارك وتعالى: «أو انتظر». قال: «لعله ولعله يمتثل الأمر بعد مدة وبعد زمن». فسدل هؤلاء بمثل هذا على أن الأمر للفور. على أن الأمر للفور. واستدلوا كذلك بأدلة أخرى. يأتي بإذن الله جل وعلا ذكرها في محلها في كتاب أوسع من هذا بإذن الله عز وجل. القائلون بأنه لا يقتضي الفور، كذلك استدلوا بأدلة. استدلوا بأدلة وناقشوا الأدلة الأولى. فمن أدلتهم التي استدلوا بها: أدلة كثيرة. منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا». قال ذلك الصحابي: «يا رسول الله، أفي كل عام؟» قال: لو تركتها لكان أولى. فدل ذلك على: عفوًا. نعم. هذا آخر. حيث أم سلمة. حيث أم سلمة يستدلون بحيث أم سلمة رضي الله عنها. أو في حديث الحديبية، حينما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال، فلم يحل أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. في صلح حديبية، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهو مغضب. فقال: «ألا ترين إلى الناس؟ أأمرهم بأمر فلا يستجيبون؟» قالت أم سلمة رضي الله عنها: «يا رسول الله، إنك إن خرجت فحلقت رأسك ونحرت هديك، فرأوك فعلوا بفعلك». أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ففعلوا كفعله. الشاهد من هذا: قالوا: هذا يدلنا على أن الأمر لا يقتضي الفور. إذ أن الصحابة انتظروا. الصحابة انتظروا أن يتغير الأمر. يقول: «لعله ينزل وحي في شيء في أمر». فانتظروا ولم يمتثل أحد الأمر. قالوا: ومن المستحيل أن نؤثم الصحابة كلهم في مثل هذه القضية. وما شابهها. قال: فدل ذلك على أن الأمر ليس للوجوب. فدل ذلك على أن الأمر: عفوًا. بأن الأمر ليس للفور. على أن الأمر ليس على الفور. ورد هذا الاستدلال: بإنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم. إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مغضبًا. وإذا كان الأمر واسع، لدخل وقال: «إذا ما فعلوا الآن، سيفعلوا ماذا بعد قليل؟ والأمر في ذلك واسع». والأمر في ذلك واسع. فالحاصل: أن العلماء رحمهم الله تعالى، القائل بهذا القول ذكر أدلته. والقائل بالقول الآخر ذكر أدلته. والأقرب -والله أعلى وأعلم- أن تحمل المسألة على أحوال. أن تحمل المسألة أو هذه مسألة تتصور على أحوال ثلاثة. الحالة الأولى: ما كان الأمر فيها في وقت موسع. الأمر فيها في وقت موسع. الحالة الثانية: ما كان الأمر فيها في وقت مضيق. والحالة الثالثة: ما جاء الأمر فيها مطلقًا. فما جاء الوقت فيها موسعًا -كأوقات الصلاة مثلًا- الإنسان الله جل وعلا قال: «وأقيم الصلاة». صلاة الظهر من بعد الزوال إلى قبل صلاة العصر. لو صلى في أول وقت، امتثل الأمر. في وسطه، امتثل الأمر. قبل آخر الوقت، كذلك امتثل الأمر. ولا يكون آثمًا. واضح. وما كان من الوقت مضيقًا -فإنه فإن الأمر فيه يقتضي الفور- كصيام شهر رمضان. ما هناك يوم يقول: «إذا فات رمضان، أصوم الشهر الآخر». يجب عليه أن يمتثل الأمر بمجرد الدخول. لماذا؟ لأن الوقت مضيق. لأن الوقت فيه مضيق. وما عدا ذلك -أي ما لم يكن هذا ولا هذا- فهل الأمر يقتضي الفور أم لا يقتضي الفور؟ كما قال من قال من أهل العلم. يقال: بأن الأصل أن الأمر يقتضي الفور، إلا أن تدل الأدلة أو إلا أن يدل دليل على أن ذلك الشيء المعين لا يقتضي الفور. ومثلوا على ذلك: بقضاء شهر رمضان. ما هناك زمن مؤقت محدد، مضيق ولا موسع. واضحة. جماعة. ليس من الحالة الأولى، ولا من الحالة الثانية. من أي الحالات؟ من الحالة الثالثة. فما هو الأصل؟ أو الأصل أن يصوم الإنسان بعد عيد الفطر مباشرة. لأصل الأمر. قال: لكن دل حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أنها كانت تقضي ما عليها من الصوم في شعبان. لما كانت النبي صلى الله عليه وسلم. فدل ذلك على جواز التراخي في مثل ذلك. وما لم يأتِ به الدليل، فالأصل أن يمتثل الأمر. لأن أصل لفظ الأمر يدل على ذلك. لأن أصل لفظ الأمر يدل على الفور. على امتثال الأمر بالفور. وبهذا التفصيل -والله تعالى أعلى وأعلم- تتجمع المسألة وتتقارب الأقوال. والله أعلى وأعلم. قال: قوله «بالزمان الأول» هو ما يعقب الأمر. وقوله -يعني وهذا القول أشار إليه بل صرح به أبو الخطاب من الحنابلة في كتاب التمهيد- ويعد من الكتب الممتازة في هذا الباب. قال: وقوله «دون الزمان الثاني» هو ما عداه. وهو تأكيد. والكلام عند الإطلاق. فإن قيد الصيغة بوقت مضيق أو موسع أو فور أو تراخ، عمل به. قال: قوله «ولا يقتضي الفور لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان». ولا يقتضي الفور لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني. أي كأنه يقول: بأن المقصود أن تمتثل الأمر، سواء في أول وقت أو في أوسط أو في آخره. ولو نظن في هذا القول: هل هؤلاء يقولون مثلًا في شهر رمضان له ذلك؟ هل في شهر رمضان يقول: له أن يصوم في أول الشهر، في آخر الشهر، يؤخر؟ لا. لماذا؟ لأن وقته مضيق. وإنما الكلام ها هنا على الوقت الموسع. لذا قال أبو الخطاب رحمه الله تعالى في كتاب التمهيد: «قال: ومن قال بأن العبادات على وقتين: موسع ومضيق، فالأمر في ذلك واضح». قال: «ومن نفى الوقت الموسع فلا كلام معه». ومن نفى الوقت الموسع فلا كلام معه. واضح. لماذا؟ لأن الأدلة دلت على أن هناك من الأوامر ما وقتها موسع. كالصلوات. واضح يا أخوة. قوله رحمه الله: «وقيل: يقتضي التكرار». طيب. قوله «بالزمن الأول». قال: «ولا يقتضي الفور»، أي ولا التراخي. لا يقتضي الفور ولا يقتضي التراخي. الأمر: كان الكلام في التكرار. لغرض الأمر. لا يقتضي هذا ولا يقتضي هذا. لكن الواجب أن يمتثل الأمر في أي زمن. قد يكون في الأول، وقد يكون في الآخر. فيقول: نفس الصيغة: لا تدل على الفور، ولا تدل على تراخ. والأمر كما تقدم. قال: قوله «بالزمن الأول» هو ما يعقب الأمر. كما تقدم: أن الفور يقتضي التعقيب. قال: «وقوله دون الزمان الثاني» هو ما عداه. وهو تأكيد. والكلام عند الإطلاق. فإن قيد الصيغة بوقت مضيق أو موسع أو فور أو تراخ، عمل به. وهذا الأمر واضح. إذا كان مقيدًا بوقت موسع، فالأمر كما قيل. في وقت مضيق، فالأمر كما قيل. وعند الإطلاق كما تقدم وذكر. واضح. فتحمل المسألة على ثلاثة أحوال. وبها تلتئم الأقوال في هذه المسألة. فالله. قال: قوله «على ذلك يحمل إلى آخره». وجهه: أن من قال: إنه يقتضي التكرار، وجب أن يستوعب المأمور بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر. كما مر. وذلك متضمن للقول باقتضاء الفورية. وكان الأولى للمصنف أن يقول هنا الدليل -كما قاله فيما قبله- فإن الدليل قد يدل على الفورية. فيعمل به. كما في الأمر بالإيمان. يعني يكرر العبارة. ذكرها من قبل: أنه إذا قيل: يقتضي التكرار، معنى أنه في زمن عمره دائمًا. يقتضي التكرار. وإذا كان كذلك، فهو يقتضي الفور. يقتضي الفور والتكرار. والفور ما دام في حياته يفعل. يفعل إلى غير ذلك. والكلام كما تقدم في مسألة التكرار. وفي مسألة الفور. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك.