كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 9

كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 9

الدرس في كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب اجتهاد القضاء بما أنزل الله وفضل الحكمة في الحكم والتعليم

يستعرض المقطع باب اجتهاد القاضي بالوحي مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ويوضح حديث «لا حسد إلا في اثنتين» مبيناً أن المراد الغبطة فيمن آتاه الله حكمة يقضي بها ويعلمها. كما يفرق بين الغبطة المحمودة والحسد المذموم مع شرح أسانيد الرواة الواردين في الحديث.

تحذير من التشبه باليهود والنصارى ووجوب الاعتزاز بالهوية الإسلامية

يتناول المقطع حديث دية الإملاص بأنها غرة عبد أو أمة، وحديث اتباع سنن من قبلنا شبراً بشبر حتى لو دخلوا جحر ضب. يحذر الشيخ من تفشي التشبه بالكفار في الأمة مؤكداً أن العزة الحقيقية بالإسلام فقط، مستشهداً بقول عمر بن الخطاب: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام".

إثم الداعي إلى الضلالة وسن السنة السيئة وقصة الأعرابي مع البيعة

يبين المقطع خطورة من يدعو إلى ضلالة أو يسن سنة سيئة مستشهداً بحديث ابن آدم الأول الذي يتحمل وزر كل نفس تقتل ظلماً. يسرد قصة الأعرابي الذي طلب نقض بيعته في المدينة فرفض النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً إياها بأنها كالكير تنفي خبثها، ويذكر مشورة عمر لأهل العلم في أمر الخلافة محذراً من فتنة سوء الفهم.

حديث ابن عباس عن آية الرجم وإعلان التوقف

يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث بالحق وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل آية الرجم. يعلن المتحدث في ختام المقطع التوقف على أن يكمل الحديث في مجلس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه: قال رحمه الله تعالى، وهناك باب وهو الباب الحادي عشر، مررنا عليه وسنقرأه إن شاء الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال: باب في قول الله تعالى: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾. قال: حدثنا علي بن عبد الله، وهو كما سبق ابن المديني، أبو الحسن السعدي، إمام العلل والحديث. قال: حدثنا سفيان، وسبق معنا أنه ابن عيينة. قال: قال عمر، وهو ابن دينار المكي: قال: سمعت جابرا بن عبد الله رضي الله عنه يقول: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ ﴾، قال: «أعوذ بوجهك». والاستعاذة: طلب الاحتماء والالتجاء والاعتصام بالله عز وجل. «أعوذ بوجهك». قال: ﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾، قال: «أعوذ بوجهك». قال: فلما نزلت: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾، قال: «هاتان أهون وأيسر». قال رحمه الله تعالى: قال: باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله تعالى، لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. قرأنا الباب الذي بعده: باب: من شبه أصلا معلوما... ها ها، قرأناه أمس. وبعده ذكر الباب الثالث عشر. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في اجتهاد القضاء، والقضاء جمع قاضٍ، قال: بما أنزل الله تعالى، لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. قال: ومدح النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الحكمة حين يقضي بها ويعلمها، لا يتكلف من قبله. قال: ومشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله. وقلنا: إذا أطلق في الصحابة عبد الله فالمراد به ابن مسعود. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». والحسد ها هنا بمعنى الغبطة، والغبطة هو أن يتمنى الشخص أن يكون عنده مثل ما عند غيره من غير أن يتمنى زوال ذلك الخير عن الغير، بخلاف الحسد فإنه داء، وأي داء من الطباع، من الطباع غير الطيبة السقيمة، فيتمنى الشخص أن يزول ما عند غيره من الخير. انظر إلى خبث هذا الطبع. قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق» - أنفقه في أوجهه التي ينبغي أن تنفق فيها، ومن ذلك أن ينفق على أهله ومن يعول - «وآخر وهو الشاهد: آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد، قال: أخبرنا معاوية، قال: حدثنا هشام عن أبيه. وإذا أطلق محمد فغالبا يراد به محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله تعالى، وقد حصل بين البخاري وبين شيخه الذهلي ما حصل من خلاف وهكذا نزاع، لكن هنا كأنه يريد غيره، يريد به محمد بن سلام السلمي، أبو عبد الله البخاري البيكندي، كأنه يريده وهو كذلك من مشائخ البخاري الذين يقال لهم محمد، فالمراد به وهو... هو... هو البيكندي رحمه الله تعالى. قال: أخبرنا أبو معاوية، قال: حدثنا هشام عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، قال: سأل عمر بن الخطاب عن إملاص المرأة، عن إملاص المرأة: هي التي يضرب بطنها فتلقي جنينا، فتلقي جنينا؛ تضرب المرأة في بطنها وهي حامل فتسقط ما في بطنها من حمل. قال: فقال: أيكم سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا؟ قال: فقلت أنا، والقائل هو المغيرة بن شعبة. قال: فقلت: أنا. فقال: ما هو؟ قال: قلت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فيه غرة عبد أو أمة» - يعني دية ذلك هو أن تعطي أو يعطي الضارب للمرأة عبدا أو أمة. فقال: «لا تبرح حتى تجيئني بمن يشهد معك على ما ذكرت» - أي من يشهد معك على ما ذكرت. قال: فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة، قال: فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فيه غرة عبد أو أمة». قال: تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن المغيرة. قال رحمه الله تعالى: قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم». سنن: أي طرق. من كان قبلكم: أي يعني بذلك اليهود والنصارى ومن كان على شكلتهم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع». فقيل: يا رسول الله، كفرس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك؟ ومن الناس إلا أولئك؟» وهذا فيه علم من أعلام النبوة. وقلنا: أعلام النبوة معناه أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر يقع في المستقبل فيقع ذلكم الأمر، فإذا وقع كان علما من أعلام النبوة. وإلى الله المشتكى مما آل إليه حال الكثير ممن ينتسب إلى الإسلام؛ أصبح الكثير يتتبع ما عليه الكفار من اليهود والنصارى فيتشبه بهم ويحذو حذوهم، الحذو بالقذة. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عمر الصنعاني، من اليمن، وهناك صنعاء في الشام، لكنها في شهرتها وتاريخها ليست كصنعاء اليمن، ليست كصنعاء اليمن. قال: عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قلنا: ما اسمه؟ أبو سعيد الخدري، مرة معنا قريبا، نعم، ما اسمه عندك؟ أحسنت: سعد بن مالك بن سنان، أبو سعيد الخدري الأنصاري. قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم». ولماذا ذكر جحر الضب؟ الضب، الضب يا إخوان: حيوان بري له مسكن، ومسكنه جحر، أي حفرة في الأرض. جحر الضب يعرف بكثرة الالتواءات والتعرجات الموجودة فيه. وهنا قال: حتى لو دخلوا، أي أولئك الكفار، جحر ضب، ماذا؟ تبعتموهم. قال: قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟ من القوم غيرهم». وهذا يا إخوان يحتاج إلى علاج، فهو من الأمراض المتفشية في الأمة، يحتاج أن يحسس الناس وأن يبث فيهم العزة التي جعلها الله في هذا الدين، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون، العزة لله جميعا. قال عمر: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام. أن هؤلاء الكفار الذين يقدسون الصليب ويأكلون الخنزير ويشربون الخمور وعندهم ما عندهم، لماذا نتشبه بهم؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، أذلنا الله. قال رحمه الله تعالى: قال: باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة، لقول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَن يَحْمِلَ وِزْرَهُ وَوِزْرَ مَنْ أَضَلَّهُ ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله. سبق أنه ابن مسعود. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها». ابن آدم الأول يا إخوان، الذي قتل أخاه، جاء في بعضها أنه هابيل وقابيل، وهذا في أخبار بني إسرائيل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». قتل أخاه ظلما وعدوانا. انظر بعدها: ما من نفس تقتل ظلما إلا وعليه كفل، أي نصيب من دمها. لماذا؟ قال: وربما قال سفيان: «من دمها» لأنه أول من سن القتل، أولا لأنه أول من سن القتل. فما بال من يضلون المئات والألوف بل والملايين، ويدعونهم إلى ممارسة الشرك بالله عز وجل، إلى الاعتقادات في القبور والأضرحة؟ انظر كم سيتحمل هؤلاء هذه الأعباء والأوزار وغيرها. قال رحمه الله تعالى: قال: باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه أهل الحرمين: مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهدي النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنبر والقبر. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، ومالك خال إسماعيل، قال: عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله السلمي، أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأصابت الأعرابي وعك بالمدينة. وعك: يعني مرض، وغالبا يكون حمى. حمى المدينة ماذا؟ معروفة. ولما هاجر الصحابة إلى المدينة أصابتهم الحمى، أصابت أبا بكر وبلالا وغيرهما، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة للمدينة وأهلها، وأن ينقل حماها إلى الجحفة، إلى الجحفة. قال: فأصابت الأعرابي وعك بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أقلني بيعتي، يريد أن يتراجع عن البيعة. قال: فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. قال: فأبى. ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. قال: فأبى. قال: فخرج الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها». المدينة كالكير تنفي خبثها، ما كان فيها خبيث يخرج ويذهب، وطيبها ينصع ويظهر. وهذا يا إخوان حاصل إلى يومنا هذا، باق في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: حدثني ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت أقرئ عبد الله بن عوف، فلما كان آخر حجة حجها عمر، فقال عبد الرحمن بمنى: لو شهدت أمير المؤمنين، أتاه رجل قال: إن فلانا يقول: لو لو مات أمير المؤمنين لبايع فلانا. فقال عمر: لأقومن العشية، فأحذر، فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم. قال: قلت: لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس، يغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطير بها كل مطير. قال: فأمهل حتى تقدم المدينة، دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فيحفظ مقالتك وينزلوها على وجهها. فقال: والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة. وهذا فيه أنه ليس كل أحد يحدث بأي حديث، فبعض الناس لا يحسن ولا يفقه الحديث وفهمه، فلربما كان عليه فتنة. قال: قال ابن عباس: فقدمنا المدينة، فقال: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل آية الرجم. طيب، نقف هنا ونكمل ما تبقى في مجلس لاحق، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.