التعليق على كتاب العلم  66

التعليق على كتاب العلم 66

الدرس في التعليق على كتاب العلم 66، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أثر العمل بالعلم في تثبيته وحفظه

يوضح الشيخ العثيمين أن أعظم وسيلة لضبط العلم هي العمل به، فالعلم يهتف بالعمل ومن لم يعمل به ذهب عنه. ويؤكد أن الازدياد في العلم يجب أن يقترن بازدياد في العمل مستشهداً بأقوال السلف وآيات القرآن.

علامات العلم النافع ووجوب المراجعة والمذاكرة

يبيّن المقطع أن الاهتداء بالعلم يتحقق بالعمل به فيزداد العالم علماً وتقوى وخشية، ومن علامات العلم النافع ازدياد العمل والعبادة. كما يؤكد على ضرورة إفراغ القلب للعلم والشغف بطلبه مع التعاهد المستمر بالحفظ والمذاكرة لئلا يتفلت العلم.

أسباب تثبيت العلم وحفظه من النسيان

يبيّن المقطع أن المراجعة المستمرة مع الزملاء واستحضار الدليل الشرعي عند كل حكم والإكباب التام على طلب العلم ليلاً ونهاراً هي أهم الوسائل لرسوخ العلم في الذهن ومنع نسيانه. محذراً من الكسل واقتطاع أوقات الفراغ فقط للعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: سئل فضيلة الشيخ، الفقيه العلامة محمد بن صالح العثيمين، عليه رحمة الله، كما في كتابه، قال السائل: إذا كان آفة العلم النسيان، فما الأمور أو الطرق التي تعين على ضبط وحفظ العلم؟ فأجاب فضيلته بقوله: من أعظم الطرق التي تعين على ضبط العلم أن يهتدي الإنسان بعلمه، ومعنى أن يهتدي الإنسان بعلمه: أن يعمل بعلمه، وأن ينتفع بعلمه، فلا يدرس من أجل جمع المعلومات فحسب، ولا من أجل الحفظ والمفاخرة والمماراة، وإنما يتعلم العلم من أجل أن يعمل، فإذا اكتسب علماً جديداً اكتسب عملاً جديداً، لا يبقى على عمله الذي يعمله قبل طلبه للعلم، أو قبل أخذه لتلك الفائدة، فكلما ازداد علماً ازداد عملاً، كلما ازداد علماً ازداد عملاً. فهذا من أعظم أسباب حفظ العلم. ولذلك يقول أحد السلف: «كنا نستعين بالعمل على العلم، كنا نستعين بالعمل على العلم»، أي: إذا أرادوا ثبوت العلم عملوا، فالعمل من أسباب ثبوت ورسوخ العلم. على سبيل المثال: في الأذكار والأدعية، الإنسان لو لم يحفظ ما تيسر من أذكار الصباح والمساء، أو النوم، أو الدخول إلى المنزل والخروج منه، أو الدخول إلى المسجد والخروج منه، أو إلى غير ذلك، لكنه لم يعمل بهذه الأذكار، حفظها ثم ترك العمل بها، فيصبح ولا يأتي بأذكار الصباح، ويمسي ولا يأتي بأذكار المساء، وينام ويمسي ولا يأتي بأذكار النوم، فهذا لاشك أنه سينسى ما حفظ، سينسى ما حفظ. لماذا؟ لأنه لم يعمل بعلمه، لم يعمل بعلمه. وهكذا في غيرها من أبواب العلم والفقه. في أمر الصلاة: إذا حفظت حديثاً في كيفية التشهد مثلاً، أو في صيغ التشهد، أو كذلك في دعاء الاستفتاح، أو إلى غير ذلك، إذا لم تعمل بهذا الحديث فإنك ستنساه ولا محالة، لأنك لم تكرره ولم تعمل به. وقس على هذا. فأمر مهم جداً أن يعمل الطالب بعلمه حتى يرسخ علمه، وقد قيل: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». العلم يهتف بالعمل: إذا تعلمت يهتف، يعني يصيح ويصرخ، ماذا يقول؟ يهتف بالعمل: «يا من حفظت هذه الفائدة، اعمل بها واستمر على العمل بها»، فإن لم تفعل ارتحلت عنك هذه الفائدة، ارتحلت عنك هذه الفائدة. فالعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وذلك بالعمل، إذا عملت بهذا العلم، وإلا ارتحل، ذهب عنك هذا العلم ورحل. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. أن يهتدي الإنسان بعلمه: أن يعمل بعلمه. ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ يعني: عملوا بعلمهم، لأن قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. فكيف يكون الاهتداء بالعلم؟ بالعمل. ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾: إذا عملوا بعلمهم زاد علمهم، لأنهم كلما علموا عملوا فازدادوا علماً وعملاً. ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾: قال: فإذا عمل العالم بعلمه ازداد علماً، وأوتي تقوى، أي عبادة وخشية. قال العلماء: كلما ازداد الإنسان علماً ازداد عملاً، كلما ازداد الإنسان علماً ازداد عبادة وخشية. وهذا من علامات العلم النافع، من علامات العلم النافع: أن الإنسان كلما ازداد علماً ازداد عملاً، وازداد خشية وعبادة لله عز وجل. فإذا رأى الطالب من نفسه أنه يزداد علماً ولا يزداد عملاً، ولا خشية، ولا عبادة، فليراجع نفسه، وليعلم أن علمه قد يكون وبالاً عليه، لأنه من علامة، من علامة الانتفاع بالعلم: العمل، الازدياد من العمل، الازدياد من العبادة، الازدياد من الخشية. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فكلما ازداد الإنسان علماً ازداد عبادة وخشية لله عز وجل. قال: ومنها، أي: من أسباب والطرق التي تعين على ضبط العلم، وعلى حفظ العلم، وعلى كذلك الاستمرار على طلب العلم: أن يفرِّغ قلبه للعلم، بحيث لا يتشاغل بغيره عنه، بل يكون هو همه وهاجسه، يعني: تكون عنده نهمة وشغف في طلب العلم، من هما لا يشبعان: طالب العلم وطالب الدنيا. فهكذا ليكن شغفك ونهمك في طلب العلم، عندك إقبال ومحبة، كلما وجدت فرصة رأيت الميل والإقبال، وكذلك المحبة لطلب العلم، فتعيش مع العلم، تعيش مع العلم: إما قراءة، وإما حضور درس، وإما حفظاً ومراجعة، وإما كتابة، المهم أنك تشتغل بالعلم ولا تتشاغل بغيره. ما تكون همتك في الدنيا، ولا تكون همتك في القيل والقال، ولا تكون همتك في الرحلات والأناشيد، وكذلك القصص البعيد عن قصص القرآن والسنة الصحيحة، فهذا كله لا ينفعك. فإذا وجدت إقبالاً ومحبة ورغبة في طلب العلم، فهذا من أعظم الطرق التي تعينك على حفظ العلم. قال: ومنها: أن يتعاهده بالحفظ والمذاكرة. قال الإمام الشافعي: «حياة العلم مذاكرته، حياة العلم مذاكرته»، يعني: أنك تتعاهد ما حفظت، والتعاهد يكون بالمراجعة بين فترة وأخرى، تراجع دروسك، وتراجع محفوظاتك، وتراجع كذلك معلوماتك، لا تكتبها ثم تطرحها في الدولاب أو في الرف، ويأتي ويأتي عليها الغبار، ولا تراجع، ولا تذاكر، ولا شيء من ذلك. النبي صلى الله عليه وسلم قال في القرآن: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها». قال بعض العلماء: هذا في القرآن، إذا لم يتعاهده صاحبه تفلت عليه، وهو ميسر كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، فكيف بغيره من العلوم الأخرى؟ فهي لا شك أولى بالتفلت إذا لم يراجعها الإنسان ويتعاهدها. فلا ينبغي لطالب العلم إن أراد أن يقضي على نسيان العلم أن يكثر من المراجعة والمذاكرة، ولو مع صديق، تراجع معه، تسمع له محفوظاتك ويسمع لك محفوظاته، فتبقى هذه المعلومات، سواء كان في القرآن، أو في السنة، أو في غيرها من العلوم الشرعية. قال: ومنها: أن يستحضر الحكم ودليله عند كل عمل يقوم به. نعم، فمما يعين على حفظ العلم أنك إذا عرضت عليك مسألة تحرص على الاستدلال على هذه المسألة من الكتاب أو السنة، أو من كليهما، فإن استحضار الدليل عند الحكم مما يثبت العلم. مثالاً: لو قال لك قائل: ما حكم مثلاً المضمضة في نهار رمضان، أو الاستنشاق في نهار رمضان؟ فتقول له: جائز، يجوز، لكن لا تبالغ، لا تبالغ، طالما أنك صائم. ودليل ذلك حديث لقيط بن صبرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً». انظر: تحفظ هذا الحديث، ويرسخ هذا الحديث في ذهنك كلما مرت بك هذه المسألة. رواه الترمذي، وصححه العلامة الألباني. فاستحضار الأدلة من عند الحكم من أعظم أسباب رسوخها وثبوتها وعدم نسيانها. وهكذا الفقهاء عندما يفتون تجد في فتاويهم الأدلة، لماذا؟ لأن هذه الأدلة قد مرت بهم مرات وكرات، فرسخت وثبتت. قال: ومنها: أن يكب على طلب العلم، فلا يجعل طلب العلم عند التفرغ فقط، يعني: ما تعطي العلم الزائد من وقتك، يكون وقتك في غير العلم، فإذا وجدت عشر دقائق، أو ربع ساعة، أو نصف ساعة، عطيتها العلم، فهذا لا يثبت العلم في ذهنه، ولا يرسخ، ولا كذلك يثبت. قال: ولهذا يقولون: «أعطِ العلم كلك يعطيك بعضه». إذا فرقت نفسك للعلم بالكامل، ما تنال من العلم إلا القدر اليسير من هذا العلم. إذا أعطيت كلك، ولذلك قال هنا: «وأعطِ العلم بعضك لا يعطيك شيئاً». إذا أعطيت العلم بعضك، ما فضل من وقتك، وقت الفراغ ووقت الراحة، فلا يعطيك شيئاً. فكيف إذا أعطيته كلك؟ ما أعطاك إلا بعضه، فكيف إذا أعطيته بعضاً فإنه لا يعطيك شيئاً. قال: فلابد من الإكباب على طلب العلم ليلاً ونهاراً، والمناقشة، وتطبيق ما علمت على ما عملت، حتى يبقى العلم. قد مر معنا قريباً كلام لأحد العلماء، ولعله الإمام الشنقيطي فيما أذكر، أنه قال: «لا يسمى الطالب طالب علم حتى يقرأ ويبحث في يومه أكثر من اثنتي عشرة ساعة، أو نحو ذلك». انظر: هكذا عند العلماء من يسمى بطالب العلم. فينبغي على طالب العلم أن يفرغ نفسه، وأن كذلك يهتم بالعلم. وللأسف الشديد أن كثيراً منا تجد عنده من الفراغ الشيء الكثير، ولكنه الفتور والكسل، وعدم النهمة لطلب العلم، وعدم الحرص على طلب العلم، فهذا الذي أبعد كثيراً من طلبة العلم عن العلم، وأنساهم الشيء الكثير من العلم، والله المستعان. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله.