الدرس في كتاب الصلاة 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث جابر بن سمرة عن النهي الشديد والوعيد في رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة، وينقل الإجماع على تحريمه وإبطال الصلاة به عند ابن حزم. كما يفرق بين النهي في الصلاة والجواز في الدعاء مع تحذير من اعتقاد استحقاق السماء للقبلة في الدعاء.
يناقش المقطع حديث «لا صلاة بحضرة طعام» ويبين أنه عام للنفل والفرض، ثم يفصل في حكم مدافعة البول والغائط والريح أثناء الصلاة. يرى الجمهور أنها مكروهة ولا تبطل لانتفاء الخشوع الواجب، بينما ترى الظاهرية البطلان، ويوضح تقديم قضاء الحاجة على الصلاة عند المدافعة إلا إذا خشي خروج الوقت.
التثاؤب من الشيطان ويُكره في الصلاة، وقد أمر النبي ﷺ بكظمه ووضع اليد على الفم لمنعه من الصوت ودخول الشيطان. اختلف العلماء في بطلان الصلاة بصوت التثاؤب، والراجح أنه لا يبطل الصلاة لكن يُستحب كتمه والالتزام بآدابه.
الصحيح أن النهي عن التثاؤب ورفع البصر عام سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة، لكن في الصلاة أوكد. هكذا تحمل الأدلة، ويكتفي المتحدث بهذا القدر من البيان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قالوا: عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم». رواه مسلم. هذا الحديث كما ذكر المؤلف رواه مسلم. قال الشارح -رحمه الله-: عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة». أي: لا ما فوقهم مطلقة، أن السماء هو كل ما علاك فهو سماء. «أو لا ترجع إليهم». رواه مسلم. قال: إنه في شرح مسلم فيه النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك. قال: وقد نقل الإجماع على ذلك، والنهي يفيد التحريم. قال ابن حزم: أبطل به الصلاة. قال القاضي عياض: واختلف في غير الصلاة في الدعاء، فكرهه قوم وأجازه الأكثرون. فالآن نتكلم عن الالتفات في الصلاة وأنه منهي عنه، وأقرب إلى التحريم. وهنا هذا أيضا أشد منه، رفع البصر إلى السماء، لأن النهي أشد من الأول. قال: «لا ينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء، أو لتخطفن». ففيه النهي الشديد. ففيه النهي عن رفع البصر إلى السماء، وذكر النوع. كما ذكر المؤلف أن النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك، وقد نقل الإجماع على ذلك، والنهي يفيد تحريمه. لهذا ذهب ابن حزم إلى إبطال الصلاة. ثم ذكر مسألة الدعاء، فقال: فكرهه قوم وأجازه الأكثرون. ومن باب الجواز لأنه لم ينه عنه. لكن هل هو سنة أو عبادة كما يقول الأشاعرة أن قبلة الدعاء السماء؟ فهذا باطل. إن كان اعتقد أنه أفضل فهو يعتبر باطلاً وبدعة. وأما إن كان من ناحية الجواز لأنه لم ينه عنه فذلك لا بأس. وله عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». رواه مسلم. عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام». عن عائشة قالت: قال... تقدم الكلام في ذلك، إلا أن هذا يفيد أنها لا تقام الصلاة في موضع حضر فيه الطعام، وهو عام للنفل والفرض، وللجائع وغيره. والذي تقدم خص من هذا. قال: الذي تقدم في الكلام على الخلاء. قال: الطعام أيضا والانشغال بالصلاة بشيء يشغل. «ولا هو يدافع الأخبثين» البول والغائط، وألحق بهما مدافعة الريح. فهذا مع المدافعة. وأما إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك وليس هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه. ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل تنزيهاً لنقصان الخشوع. فلو خشي خروج الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين قدم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة.كذا قال النووي، ويستحب إعادتها. وعن الظاهرية أنها باطلة. والحديث فيه النفي، أو يحمل النهي على أنه: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين». أما حضرة الطعام فجاء ما يخصصه على أنه ليس من باب الوجود، وإنما من باب الأفضل، خاصة إذا كان لا يرغب في الطعام. وأما مدافعة الأخبثين فهذا لا بد أن يخرج من الصلاة، ولا يصلي وهو يدافعهما. وهذا النهي يدل على البطلان كما هو قول الظاهرية. لكن اختار أكثر العلماء على أنه لا يبطل؛ لأنه ينافي الخشوع، والخشوع ليس واجباً. أنا هكذا استدل على أن الخشوع ليس بواجب. لكن لم يثبت تخصيص هذا النهي، لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً قدم الصلاة على الخلاء. بل يقال: إذا حضر الخلاء وحضرت الصلاة فأبدؤوا بالخلاء. فيقدم على وهذا عند المدافعة. أما إذا لم تكن هناك مدافعة فيعتبر جائزاً. يعتبر جائزاً إذا لم تكن هناك مدافعة. أما إذا كانت هناك مدافعة فلا يجوز أن يصلي وهو يدافع الأخبثين، يقدم الخلاء ثم يصلي. لكن هنا ذكر: إذا كان سيخرج الوقت. فإذا قلنا إنه يبطل الصلاة، فلو خرج الوقت... لو سيخرج الوقت أولاً يقدم الخلاء. لكن إذا قلنا على قول الجمهور أنه مستحب، فيقال مثل ما قال النووي رحمه الله: إنه يقدم الصلاة إذا كان سيخرج وقتها. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». رواه مسلم. والترمذي وزاد: في الصلاة. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التثاؤب من الشيطان» لأنه يصدر عن الامتلاء والكسل، وهما مما يحب الشيطان، فكأن التثاؤب منه. «فإذا تثاءب أحدكم فليكظم» أن يمنعه ويمسكه. يعني يمسكه، ليس أنه يمنعه، وإنما يكظم: أي يمنع الصوت، يمنع الصوت. وأما التثاؤب فهو لا يستطيع أن يمنعه، وإنما المراد أنه يمنع فتح الفم، يمنع فتح الفم، ويمنع أيضاً الصوت. قال: رواه مسلم، والترمذي وزاد: أي الترمذي: في الصلاة. فقيد الأمر بالكظم بكونه في الصلاة، ولا ينافي النهي عن تلك الحالة مطلقاً لموافقة المقيد والمطلق في الحكم؛ لأنه جاءت أحاديث مطلقة. قال: وهذه الزيادة في البخاري أيضاً، وفيه بعدها: «ولا يقول: هَـا، فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه». وجاء في رواية: «إذا قال: هَـا، ضحك منه الشيطان». وكل هذا مما ينافي الخشوع. ينبغي أن يضع يده على فيه. لحديث: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب». رواه أحمد والشيخان وغيرهما. فالتثاؤب أيضاً من الأمور التي تذهب الخشوع، لأنه يدل على الكسل وعلى النوم. لهذا لا يسترسل معه، لا يسترسل معه ويأتي بصوته أو بصوت... وكذا. حتى أن بعض العلماء كالشافعي يرى أنه إذا أخرج صوتاً فإنه يعتبر صلاته باطلة، إذا أخرج صوتاً أنه يعتبر كلاماً عنده. لكن الصحيح الذي عليه أحمد وغيره أنه ليس كلاماً، هذا الصوت ليس كلاماً حتى يخرج عن الصلاة. وهكذا التنحنح وغير ذلك. فمن آداب الصلاة، من الأمور المهمة: أنه إذا تثاءب يضع يده أو يكظم، يضع يده أو يكظم، حتى لا يفتح فمه ويدخل الشيطان، وكذلك لا يصدر صوتاً، وخاصة في الصلاة. والنهي عام. الصحيح أن النهي عام سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة، لكن في الصلاة أوكد. هكذا تحمل، والله أعلم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.