الدرس في التعليق على كتاب العلم 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد المحور أن القرآن هو أساس العلوم الشرعية، وعلى طالب العلم العناية به حفظاً وقراءةً وفهماً وعملاً اقتداءً بالسلف الصالح. وينبه إلى أن إهمال القرآن أو ضعف القراءة فيه يعد خللاً في المنهج، حتى رفض بعض العلماء تعليم من لم يحفظه.
يشدد المحور على وجوب حفظ القرآن وتلاوته على شيخ مجيد لتصحيح الرسم والتجويد، مع دور الوالدين في تفرغ الأبناء لحفظه مبكراً. ثم يبين أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع، فيتعلمها الطالب بحفظ المتون الصحيحة ودراسة الأسانيد لتمييز الصحيح من الضعيف.
يقرر المحور أن طالب العلم يجب أن يتمسك بالقرآن والسنة معاً كجناحين للطائر، مع مراعاة المرحلة العمرية في الأولويات. كما يوجب الرجوع إلى أقوال العلماء والاستفادة من ترجيحاتهم وعدم الانفراد بالرأي، مستشهداً بمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية.
يحدد المحور المنهج القويم للوصول إلى طريق الجنة، وهو التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال أهل العلم الراسخين. ويختتم المتحدث بيانه بالاكتفاء بهذا القدر من التوجيهات لطالب العلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي ذكره لآداب طالب العلم التي ينبغي أن يتحلى بها: "الأمر العاشر: التمسك بالكتاب والسنة". قال: يجب على طلبة العلم الحرص التام على تلقي العلم والأخذ من أصوله التي لا فلاح لطالب العلم إن لم يبدأ بها، وهي: أولاً: القرآن الكريم، فإنه يجب على طالب العلم الحرص عليه قراءةً وحفظًا وفهمًا وعملًا به، فإن القرآن هو حبل الله المتين، وهو أساس العلوم. وقد كان السلف يحرصون عليه غاية الحرص، فيذكر عنهم الشيء العجيب من حرصهم على القرآن، فتجد أحدهم حفظ القرآن وعمره سبع سنوات، وبعضهم حفظ القرآن في أقل من شهر. وفي هذا دلالة على حرص السلف رضوان الله عليهم على القرآن، فيجب على طالب العلم الحرص عليه وحفظه على يد أحد المعلمين، لأن القرآن يؤخذ عن طريق التلقي. وهذا أمر مهم جدًا لطالب العلم أن يعلم أن أساس العلوم هو القرآن الكريم، فعيب ونقص في حق طالب العلم أن لا يهتم بأمر القرآن، فلا يحفظ منه إلا شيئًا يسيرًا، ولا يعتني بتفسير القرآن ولا بفهمه، وأعظم من ذلك لا يهتموا بالعمل به. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «والقرآن حجة لك أو عليك». بل ربما تجد أن بعضهم يمر عليه اليوم واليومان، والشهر والشهران، ولا يفتح كتاب الله، ولا يكون له ورد يومي يقرأ فيه ما تيسر من القرآن. فهذا أمر يؤسف جدًا، أن يحسن بعض العلوم ربما تكون من فروض الكفايات أو من علوم الآلة، وإذا فتشت عن اعتنائه بالقرآن وجدته صفرًا. فهذا أمر لا ينبغي. ونبه الشيخ في هذه العبارات على أمور مهمة تتعلق بالقرآن، منها: أن الاعتناء بالقرآن لا يقتصر على الحفظ، بل على الحفظ والقراءة والفهم والعمل. ثم بيّن أن القرآن أساس العلوم. ثم بيّن أن السلف الصالح كانوا يحرصون على حفظ القرآن منذ نعومة أظفارهم، فأنت إذا قرأت في سيرة كثير من السلف لوجدت أنهم يقولون: حفظ القرآن وهو ابن سبع سنوات، أو ابن ثمان سنوات، أو ابن عشر سنوات. وقد مر معنا في ترجمة العلامة ابن العثيمين أنه حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، وهو من السلف رحمه الله تعالى، وممن أخذ العلم بتلك الأسس والأصول التي كان عليها السلف الصالح. بل بعض المحدثين إذا جاءه الطالب يسأله: هل قرأت القرآن؟ هل حفظت القرآن؟ فإذا كان الجواب بالنفي رده ولم يقبله طالبًا عنده، لأنه مما تقرر عندهم رحمهم الله أن الطالب يبدأ بالقرآن، أن الطالب يبدأ بالقرآن. قال: وإنه مما يؤسف له أن تجد بعض طلبة العلم لا يحفظ القرآن، بل بعضهم لا يحسن القراءة، وهذا أشد. يريد أن يلقي كلمة أو محاضرة، فإذا به يستشهد بآيات ويكسر فيها ويخطئ فيها. وكذلك قال: وهذا خلل كبير في منهج طلب العلم. لذلك أكرر أنه يجب على طلبة العلم الحرص على حفظ القرآن والعمل به والدعوة إليه وفهمه فهمًا مطابقًا لفهم السلف الصالح. وهذه نصيحة ثمينة ينبغي أن يعتني بها طلاب العلم. القرآن الكريم لا بد أن تجعل لك وقتًا في يومك وفي طلبك للقرآن، سواء كان في المراجعة أو في الحفظ أو في التفسير أو في كذلك التجويد أو إلى غير ذلك من علوم القرآن. وقد نبه فيما مضى العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى أن القرآن يؤخذ بالتلقي، ولذلك قال: فيجب على طالب العلم الحرص عليه وحفظه على يد أحد المعلمين، يعني يقرأه على من يتقن القرآن ومن هو ماهر بالقرآن، فإن القرآن يؤخذ عن طريق التلقي. لو كنت ما كنت في اللغة العربية وفي الكتابة والقراءة، إذا أردت أن تقرأ القرآن ولم تأخذه بالتلقي والسماع، فلا محالة أنك ستخطئ، لأن القرآن له رسمه الخاص به، وله علمه الذي يسمى بعلم القراءات والتجويد، وهذا كله لا يؤخذ إلا بالتلقي، أن تثني ركبتيك عند ماهر بالقرآن وعالم بالقرآن فتقرأ عليه، فيصيب لك، يصوب لك الخطأ، ويصحح لك القراءة، ويصحح لك القراءة. وفي هذا أنه ينبغي على أولياء الأمور الاعتناء بأولادهم، ومن أعظم ذلكم الاعتناء أن يعتنوا بالقرآن، فيتابعونهم في حفظ القرآن، ويجعلون جل أوقات أولادهم في مراجعة وحفظ القرآن، حتى يتقن القرآن في سن مبكر، ثم ينطلق في العلوم الأخرى من علوم الكتاب والسنة. قال: ثانيًا، يعني مما يبدأ به طالب العلم من العلم: السنة الصحيحة، فهي ثاني المصدرين للشريعة الإسلامية، وهي الموضحة للقرآن الكريم، فيجب على طالب العلم الجمع بينهما والحرص عليهما. وعلى طالب العلم حفظ السنة، إما بحفظ نصوص الأحاديث، أو بدراسة أسانيدها ومتونها وتمييز الصحيح من الضعيف. وكذلك يكون حفظ السنة بالدفاع عنها والرد على شبهات أهل البدع في السنة، فكل هذا من تعلم السنة. كيف تتعلم السنة؟ كما ذكر الشيخ رحمه الله: إما بحفظ نصوص الأحاديث، ولله الحمد فإن علماء الحديث والسنة قد جمعوا الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا ضعف، كالبخاري ومسلم في صحيحيهما، وكذلك جهابذة هذا العلم: العلل والحديث، ميزوا صحيح السنة من ضعيفها، وألفوا ذاك في الأحكام، وذاك في الفقه، وذاك في فضائل الأعمال، وذاك في العقيدة، أحاديث صحيحة أو غالبها صحيح، وما كان ضعيفًا نبه عليه. ففي الفقه: "عمدة الأحكام"، "بلوغ المرام"، فيها بعض الأحاديث الضعيفة، خصوصًا "بلوغ المرام"، لأن "عمدة الأحكام" أخذه من الصحيحين ومن أحدهما، أما "بلوغ المرام" ففيه من الصحيحين وغيرهما، ولكن الله الحمد والمنة قد خدم ذلكم الكتاب وحققه من حققه من أهل العلم. وهكذا "الأربعين النووية"، وهكذا "رياض الصالحين"، وهكذا غيرها من الكتب التي أفردت في صحيح السنة، فيعتني طالب العلم بحفظ مثل تلك الأحاديث، فهذا من دراسة السنة. وهكذا بدراسة أسانيدها ومتونها، تدرس كذلك علم المصطلح كي تستطيع أن تميز صحيح الحديث من ضعيفه. وهكذا من دراسة السنة: حفظ السنة بالدفاع عنها، ورد شبه أهل البدع والضلال، فكل هذه المعاني من معاني الأخذ بالسنة، وكذلك تعلم السنة. قال: فيجب على طالب العلم أن يلتزم بالقرآن والسنة الصحيحة، وهما له -أي طالب العلم- كالجناحين للطائر، إذا انكسر أحدهما لم يطر. يعني لا يهمل أحدهما ويعتني بالآخر، بل يعتني بهما جميعًا: القرآن والسنة. لا سيما إذا كان طالب العلم قد جاوز سن الصغر، فإنه يجمع بين الاعتناء بالقرآن والاعتناء بالسنة. أما إذا كان صغيرًا، فإنه يعتنى أكثر ما يعتنى في شأنه بحفظ القرآن، كما سمعتم في طريق السلف الصالح في حفظ أولادهم للقرآن. قال: لذلك لا تراعي السنة وتغفل عن القرآن، أو تراعي القرآن وتغفل عن السنة. فكثير من طلبة العلم يعتني بالسنة وشروحها ورجالها ومصطلحاتها اعتناءً كاملًا، لكن لو سألته عن آية من كتاب الله لرأيته جاهلًا بها، وهذا غلط كبير. والذي يعتني بغير السنة على حساب القرآن والسنة، فلا شك أن هذا أشد إهمالًا وأشد حرافًا في مسألة طلب العلم. إنسان يعتني بالردود، ويعتني بالمناهج المنحرفة، وهذا باب لا يُزهد فيه، باب عظيم، وهو من الجهاد، ومن حفظ كذلك السنة، ولكن لا يعني ذلك أن يهمل القرآن والسنة، فلا يكون له حظ من القراءة ولا الحفظ ولا المراجعة في القرآن ولا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك طالب العلم يجمع بين الأمرين: بين تعلم القرآن وتعلم السنة، فلا يهمل القرآن ولا يترك كذلك القرآن. قال: وهناك شيء ثالث مهم، وهو كلام العلماء. انظر إلى هذه الدرر، إلى هذه التوجهات من عالم رباني قد بلغ من العلم مبلغه، وقد ربّى وعلم ونصح وألف وكتب وخطب، عليه رحمة الله، فلا شك أن قوله قول مجرب، قول خبير بهذا الجانب، ألا وهو طلب العلم. فقال: وهناك شيء ثالث مهم، وهو كلام العلماء، فلا تهمل كلام العلماء ولا تغفل عنه، لأن العلماء أشد رسوخًا منك في العلم، وعندهم من قواعد الشريعة وأسرارها وضوابطها ما ليس عندك. ولهذا كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجّى عندهم قول يقولون: إن كان أحد قال به، وإلا فلا، وإلا فلا نقول به. وجاء ذلك عن أحد أهل العلم أنه قال: لا تقول في المسألة بقول لم يسبقه، أو لم يسبقك إليه إمام، لم يسبقك إليه إمام. فيسترشد بكلام أهل العلم، ويستفاد من كلام أهل العلم، من العلماء، من فتاويهم، ومن ترجيحاتهم، ومن تحقيقاتهم. لا تنفرد بالفهم والترجيح والنظر، بل ترجع إلى كلام العلماء. قال: فمثلا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على علمه وسعة اطلاعه، إذا قال قولا لا يعلم به قائلا، قال: أنا أقول به إن كان قد قيل به، ولا يأخذ برأيه ما يعلم أن هذا القول قال به أحد من أهل العلم، وهو الذي قال به ابن تيمية عليه رحمة الله، يقول: أنا أقول بهذا القول إن قال به أحد من أهل العلم. فهذا منطوق الكلام، مفهوم المخالفة: أنه إذا لم يقل به أحد من أهل العلم فلا يقول به شيخ الإسلام، فيقيد هذا القول بما إذا قال به أحد من العلماء. قال: لذا يجب على طالب العلم الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يستعين بكلام العلماء. إذن هذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه طالب العلم في سيره إلى ذلك الطريق الذي هو طريق موصل بإذن الله إلى الجنة: القرآن، والسنة، وكلام أهل العلم، وكلام أهل العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر