شرح أصول في التفسير للعثيمين  3

شرح أصول في التفسير للعثيمين 3

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نزول القرآن الكريم وتوضيح الآيات المتعلقة به

نزل القرآن في ليلة القدر من رمضان، وهناك إشكال حول نزوله في ليلة واحدة ثم مفرقًا على مدى سنوات، وقد قدم العلماء حلولًا لهذا الإشكال. الآيات الثلاث المتعلقة بنزول القرآن تشير إلى نزوله في رمضان في ليلة القدر.

بداية الوحي ونزول القرآن على النبي

بدأ الوحي برؤية صالحة في المنام لمدة ستة أشهر قبل نزول القرآن يقظة على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر من رمضان، وكان عمره أربعين سنة. كان نزول القرآن في يوم الاثنين.

صفات جبريل عليه السلام ودوره في نزول القرآن

جبريل عليه السلام أمين، شديد القوة، وذو منظر حسن، وقد نزل بالقرآن على النبي محمد عليه الصلاة والسلام. هذه الصفات تتناقض مع صفات الشيطان ومعلم الضلالة.

تعظيم أمر القرآن والصلاة على النبي

يُبين أهمية القرآن وتعظيم أمره بإرساله على يد جبريل عليه السلام، ثم يدعو الله أن ينفع به ويجعلنا من أتباع أحسن الأقوال، ويُنهي بالصلاة على النبي والتسليم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الله بن عثيمين رحمه الله تعالى في رسالته «وصول في التفسير»: قال نزول القرآن، فهذا بحث معد لمسألة إنزال الرب سبحانه وتعالى في كتابه العظيم، وهو القرآن على نبينا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: نزل القرآن أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر في رمضان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. هذه الآيات الثلاث إخواني في الله فيها إضاح لمسألة إنزال القرآن، وهي ليس فيها اختلاف ولا تضارب، بل كلها يكمل بعضها بعضًا، الآيات الثلاث يوضح بعضها بعضًا. ففي الآية التي فيها قال ربنا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، هذه الليلة مبهمة، لكنها وضحت بأنها ليلة القدر، وليلة القدر تكون في شهر رمضان، إذن هذه الآيات الثلاثة متكاملة للطراب فيها، إذن فإن الله أنزل القرآن في ليلة، وهذه الليلة هي ليلة القدر، وهي في رمضان. إذن القرآن نزل في رمضان كما في قول تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وهو نزول حقيقي، وفي هذه إشارة إلى خطأ بعض العلماء الذين يقولون في هذه الآية: بأن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، قالوا: أنزل أي في فضله، أنزل أي في فضله وفي وجوبه، لا، هذا ليس بصحيح، وهذا كره الرازي في تفسيره عن بعض السلف، وهذا ليس بصحيح، وإنما أنزل ربنا القرآن حقيقة بنفسه في شهر رمضان في ليلة القدر. إذن هذه الآيات ليس فيها إشكال، لكن هناك إشكال آخر وهو الأقوى في هذا الباب، وهو كيف التوافق بين ما ذكره ربنا من أن القرآن أنزل في ليلة في رمضان، وبين ما كان من الواقع العملي، الواقع العملي إذ أن القرآن أُنزل نجومًا، منه ما نزل في ذي الحجة، منه ما نزل في شوال، منه ما نزل في ذي القعدة، منه ما نزل في مناسبات، وذاك في غزوات، وذاك في حوادث. هذا الإشكال القوي في هذه المسألة، يعني إذا كان القرآن أخبرنا قد أنزل في رمضان، بينه في واقع الحال أنزل في أكثر من شهر، ليس في رمضان، بل أنزل مفرقًا على عدة سنوات، فهنا قام العلماء بالجمع بين ما جاء في كتاب ربنا من أن القرآن أنزله ربنا في ليلة القدر في رمضان، وبين هذا الواقع الذي وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام بعدة جموع. ويهمنا الذي عليه جمهور العلماء، وهذا الذي عليه الكثير من المفسرين والعلماء، وبه صرح به ابن عباس رضي الله تعالى عنه: بأن ما ذكره ربنا عز وجل من أن القرآن أنزل في ليلة القدر في رمضان، إنما كان هذا الإنزال إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة، أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة، ثم بعد ذلك نزل من السماء الدنيا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام منجمًا. معنى منجمًا أي مفرقًا على حسب الحوادث والأحداث التي وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام، إذن فالقرآن له نزولان، وهذا عليه مذهب جمهور العلماء، وبهذا تتضح المعالم لهذه المسألة. إذن القرآن أنزله ربنا جل وعلا من لدونه إلى السماء الدنيا، وهو كما يصرح في بعض الآثار: أنه في بيت العزة، ولما أبقاه ربنا في بيت العزة، قال علماء: لكي يظهر ربنا جل وعلا شرف هذا الكتاب أمام الملأ الأعلى، وعظمت هذا الكتاب وآخر الكتب التي سينزلها ربنا على البشر. ولهذا أبقاه في بيت العزة حتى يعطى حقه من التعظيم في الملأ الأعلى، وبعد ذلك أنزله ربنا على نبينا، لكنه مفرقًا، منجمًا على حسب الحوادث، تنزل آية هنا وآية هنا، في شهر رمضان، في غير رمضان، في شوال، تتنزل بعد ذلك، وبهذا تتضح المعالم، وهذا مذهب جمهور العلماء. هناك مذهب آخر يحكى عن الشعبي، وهو ليس ببعيد، لكن فيه تغاير، الشعبي رحمه الله تعالى يرى أن القرآن بما جاء في القرآن: أنه أنزل في ليلة القدر في رمضان، أي أن ابتداء النزول القرآني كان من رمضان، هذا أول نزول قرآني ابتدأ في رمضان، ثم بعد ذلك نزل منجمًا. هذا واضح، إذا ما الفرق بين مذهب الشعبي ومذهب الجمهور؟ مذهب الجمهور على قولهم: أن النزول نزولان، نزول من الرب إلى سماء الدنيا، ومن ثم من سماء الدنيا إلى الأرض منجمًا. لكن على مذهب الشعبي: ليس عنده إلا نزول واحد فقط، يرى الشعبي: أن الله أنزل القرآن أنزله أول ما أنزل في رمضان، نزول واحد من لدونه عز وجل إلى الأرض إلى نبينا، وذلك ابتداء من رمضان، ثم بعد ذلك تتابع النزول تتابع النزول. وهذا قول ثاني، وهو كذلك قول قريب، لكن مغاير من هذه الحيثية، وهناك مذهب ثالث، وهو ليس بعيد، وهو لا يضر في الحكم ممن قال: أن النزول ثلاثة، النزول إنزال القرآن كان على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى كانت من عنده جل في علاء إلى اللوح المحفوظ، بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ، فهو نزول الأول من رب العالمين إلى اللوح المحفوظ، ومن ثم النزول الثاني من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم النزول الثالث من سماء الدنيا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام منجمًا. فهذه المسألة الثالث إخواني في الله المتعلقة بمسألة النزول، وبها تجتمع الأدلة، إذن لا خلاف بين الأدلة، الآيات الثلاث التي بين أيدينا فهي واضحة الجمع، وكذلك ما يتعلق بما وقع لنبينا في واقعه العمل، فإن نزول القرآن كان منجمًا، وذلك من سماء الدنيا إليه. أما نزوله من سماء الدنيا فهذا كان في رمضان، وعلى مذهب الشعبي: فإن يقول: نزول القرآن ابتدائي كان في رمضان، إذن هكذا ولهذا يقول المؤلف: قال رحمه الله تعالى: نزل القرآن أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر. ومع هذا ننبه على مسألة، وهو لم يكن هذا هو فقط بداية الوحي، بل كان هناك الوحي سابق لهذا، هناك وحي سبق إنزال القرآن، وهو ما كان من المنام، ما كان من المنام، فقد كان عليه الصلاة والسلام يوحى إليه منامًا، وجاء ذلك في الصحيح. وكان ذلك أول ما بدأ من الوحي الرؤية الصالحة، الرؤية الصادقة، يرى نبينا في منامه ما يرى، ثم يصبح في الصباح فيرى الذي رآه في المنام قد تحقق، ورؤية الأنبياء لا تكون إلا حقًا لأنها وحي. فكان هذا سابقًا، وقال علماء: أن ذلك كان ستة أشهر، كان في ربيع الأول إلى رمضان، هذه المدة ستة أشهر كان فيها الوحي عن طريق المنام، عن طريق الرؤية الصالحة، الرؤية الصادقة منه عليه الصلاة والسلام. مع التنبيه الآخر: أنه في هذه الفترة ما نزل على نبينا شيء من القرآن، لأن إنزال القرآن على نبينا كان يقظة، القرآن كله نزل على نبينا يقظة، لم تنزل آية ولا سورة على رسول الله في المرحلة المنامية. وهذا فيه رد على من ظن أن سورة الكوثر نزلت في حالة المنام، وهذا مقام آخر، لكن ننبه ونشير لهذه المسألة: أن هذا ليس بصحيح، بل القرآن كله نزل على نبينا في حالة اليقظة. قال مؤلف: ورحمه الله تعالى: وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل عليه أربعين سنة على المشهور عند أهل العلم، وغدروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، وهذا الذي عليه جمهور العلماء، وتناقلوه. على نبينا كان إنزال الوحي وإنزال القرآن كانوا في هذا السن، وفي هذا العمر، قال: وهذه السن هي التي يكون فيها بلوغ الرشد وكمال العقل وتمام الإدراك، وهذه السن مميزة ميزها ربنا جل وعلا بأن الإنسان البشري تكمل فيه أهليته من مدارك العقلية والذهنية. وقد صرح بذلك القرآن، قال ربنا جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، فهذه السن فيها كمال الرشد وكمال العقل وتمام الإدراك، فاصطفى ربنا جل وعلا نبينا بإنزال القرآن في هذا السن. إذن نزل القرآن وعمره أربعون سنة عليه الصلاة والسلام، وذلك في ليلة القدر من رمضان، في أي يوم كان هذا؟ في يوم الاثنين، وهذا بالاتفاق، وهذا بالات، أنزل القرآن أول ما أنزل في يوم الاثنين على نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد جاء ذلك مصرحًا كما في صحيح مسلم، عندما سئل عن صوم الاثنين، قال: «ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه، وأنزل علي فيه»، وهذا بالاتفاق، لا إشكال بين العلماء في هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: والذي نزل بالقرآن من عند الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، أحد الملائكة المقربين الكرام. الآن تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى الواسطة، والذي أنزل القرآن على نبينا عليه الصلاة والسلام، ألا وهو جبريل عليه السلام، قال: أحد الملائكة المقربين الكرام. قال الله تعالى عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وتأملوا إخواني في لفظة فائدة هنا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وجاءت في بعض الآيات: إنا، كما في صدر هذا المبحث: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، فعند هذه الألفاظ: أنزلناه وتنزيل، كله يعود للقرآن، لكن هل هناك فرق بين الإنزال وبين التنزيل؟ نعم، بعض العلماء أتى بفرق، وهذا فرق لطيف. وأنت لو تأملت إلى هذه الآية: أنظر الآية الأولى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، استخدم لفظ الإنزال، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، استخدم فيه كذلك لفظ الإنزال، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي الذي كان من حق جبريل الذي تولى الإنزال إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، لو تأملت وتمعنت في سرد هذه الآيات على هذا النحو، يأتيك الفارق الذي ذهب إليه جماعة من العلماء في الفرق بين الإنزال وبين التنزيل. وهو أن الإنزال الذي كان في ليلة مباركة، وهي في ليلة القدر، كيف كان الإنزال؟ جملة واحدة، جملة واحدة، وأما ما يتعلق بنزول القرآن على نبينا عليه الصلاة والسلام كان ماذا؟ كان مفرقًا. إذن تأتي الفائدة على أن الإنزال يكون ما كان من إنزال القرآن جملة واحدة، وأن التنزيل ما يكون من إنزال القرآن مفصلًا، مجملًا على نبينا عليه الصلاة والسلام مفصلًا، منجمًا على نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا فارق لطيف ذكره بعض العلماء في الفرق بين لفظة التنزيل والإنزال الحاكية لأمر القرآن، قال رحمه الله تعالى: وقد كان لجبريل عليه السلام من الصفات الحميدة العظيمة، من الكرم والقوة والقرب من الله تعالى والمكانة والإحترام بين الملائكة والأمانة والحسن والطهر. ما جعله الله أهلًا لأن يكون رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله، هذه الصفات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى عن جبريل، أخذها المؤلف رحمه الله تعالى من النصوص الشرعية. فإن الله سبحانه وتعالى وصف جبريل بهذه الصفات العظيمة، والذي من خلالها كان أهلًا لأن يتحمل أشرف رسالة، ألا وهو الوحي، الوحي الذي ينزله ربنا جل وعلا على أصفيائه من خلقه ورسله. خص الله ذلك الأمر لهذا الملك المعظم، ألا وهو جبريل، لا لشيء إلا لهذه الميز التي ميزه الله سبحانه وتعالى عن غيره من مخلوقاته، قال مؤلف: رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. وهذا وصف القوة لجبريل عليه السلام، ﴿مَطَاعٍ ثُمَّ أَمِينٍ﴾، أي أن جبريل مطاع في الملأ الأعلى، وهذه دلالة على علو منزلته، على علو منزلته في الملأ الأعلى، فكانت له الطاعة، كانت له الطاعة، وله النفوذ. وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمِينٍ﴾، وصفه بالأمانة، وصفه بالأمانة، فقد كان جبريل عليه السلام أمينًا، أمنه ربنا سبحانه وتعالى على الوحي، ولهذا جعله ربنا سبحانه وتعالى سفيره بينه وبين رسله، سفيرًا بينه وبين رسله لأمانته عليه السلام. وكان هذا أمره في قصة ورقة بن نوفل، عندما جاء نبينا في أمره في بداية البعثة، وحكى لهم ما حكى عن رؤية جبريل الذي نزل عليه الوحي، قاله ورقة: «هذا الناموس الذي كان يأتي موسى»، الناموس أي: معنى بالعبرية: صاحب السر، صاحب السر، ويعنون به جبريل عليه السلام. اعتمنه ربنا جل وعلا على أن ينزل الوحي على من شاء من عباده، فجبريل أمين حق أمين، أمين حق أمين، ومن طعن فيه، ومن طعن في أمانته فقد خرج عن الجادة، كما تفعل الروافض، قبحهم الله، من الغلاة منهم من يتجنى على الطعن في جبريل. فيقولون: أن جبريل أعطاه الله الرسالة إلى أين؟ قالوا: إلى علي، وماذا فعل جبريل؟ قالوا: غير المسار، فأعطاها لمحمد عليه الصلاة والسلام، ما هذا؟ ولهذا هم يقولون في أقوالهم: قال: «خان الأمين وصدها عن حيدرة»، خان الأمين وصدها عن حيدرة، من هو الأمين هنا؟ جبريل عليه السلام، فماذا فعل؟ خان. خان الأمين، فماذا فعل؟ موجه الخيانة، قالوا: أنه صدها، أي صد الرسالة عن من؟ عن حيدرة، من حيدرة؟ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فهم يترنمون بهذا: «خان الأمين»، وهذا من غبائهم. إذا كان هذا شخص عنده عند وصف الخيانة، فكيف يوصف بالأمانة؟ هذا تناقض، خان الأمين، ما يمكن، إذا كان أمين ما خان، وإذا خان فليس بأمين، فكيف تجمع التناقضات في عقول هؤلاء؟ لكن الغباء الغباء الذي ابتلى الله به هذه الفرقة خاصة من سائر الفرق. ويحكي بعض العلماء: أنك تريد أن تعرف ذلك، يفعلون هذا في صلاتهم، في بعض الفرق، إذا صلوا في تشهد الأخير يضربون على أفخاذهم، في ساعة الضرب على الفخذ هنا يأتون بهذا: «خان الأمين، خان الأمين»، وقد ذكر العلماء: أن من اعتقد هذا فقد كفر بإجماع المسلمين. من اعتقد أن جبريل عليه السلام خائن، فقد كفر، كفر ولا إشكال في كفره، وأمر لا غبار على كفره، وعلى ردته إذا بلغ الأمر إلى هذا المبلغ، ما الذي أبقوا؟ إذا طعنوا في رسول الله، وإذا طعنوا في أمين الله، إذا ما الذي أبقوه من الأصفياء الذي أبقاهم الله في هذا الدنيا؟ ولهذا قال علماء: من اعتقد بهذا الاعتقاد الضال: بأن جبريل قد خان الرسالة، وأوصلها إلى نبينا محمد، وإلا الأصل كانت لعلي، فهذا قد كفر وخرج عن الدين والملة. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾، شديد القوة، أي جبريل عليه السلام، وهذا كذلك وصف لجبريل عليه السلام بأنه شديد القوة، ويكفي في ذلك: أن من قوته عليه السلام. أنه كان يرفع المدن العظيمة بما فيها من ذوات، وما فيها من بيوت، وما فيها من عمران، وما فيها من أناسي، وما فيها من حيوانات ودواب، ثم يقلبها ظهرًا على عقب، بطرف جناحه، بطرف جناحه، كما فعل بالمدائن بأهل المدى. فكان على قوة عظيمة وقوة شديدة عليه السلام، قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾، ذو مرة، أي ذو منظر حسن، وهيئة حسنة عليه السلام، وبهذه الآية وصف ربنا جل وعلا جبريل بأوصاف ثلاث. وصفه بالعلم، قال: ﴿عَلَّمَهُ﴾، ومعنى علمه: أي أن جبريل هو الذي علم نبينا عليه الصلاة والسلام القرآن، علم إثبات العلم، وفي إثبات القوة، وفي كذلك إثبات ماذا؟ الجمال والبهاء والنظارة. وقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى: أن هذه الأوصاف الذي أعطيت لجبريل عليه السلام، كان يراد منها بيان بيان عكس ما أعطيه معلم الضلالة، ألا وهو الشيطان، فإن الشيطان كان من أجهل الناس، ومن أجهل المخلوقات. وهو كذلك من أضعفهم، وهو كذلك من أخبثهم منظرًا، ولهذا كان ذلك ما أعطيه جبريل على خلافه، وعلى نقيض منه ما أوتيه الشيطان، وهل هذا يقتصر على هؤلاء وعلى هؤلاء؟ على جبريل وعلى الشيطان؟ قال العلماء: بل هذا يتنزل على من كان يعلمهم، فجبريل علم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان من صفات رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنه كان على علم أعلمهم أعلمهم بالله، وكذلك كان أقواهم وأشجعهم عليه الصلاة والسلام. وكان على غاية من الجمال والنظارة عليه الصلاة والسلام، وهكذا قل وقس في أتباع الشيطان، ومن يعلمهم الشيطان وأعوان الشيطان، فهم في غاية من الجهل، وهم في غاية كذلك من الضعف والوهن، وهم كذلك في غاية من الخبث في المنظر، في الخبث من منظر مسحهم ربنا جل وعلا قرد وخنازير. وإن لم يكن ذلك حقيقة، فتجد الملامح، تجد الملامح القبح، وإن العبد كلما ازداد طواعية للشيطان، فإن الله جل وعلا يجعل مناظر القبح تظهر فيه، تظهر فيه، وقد ذكر ذلك العلماء كابن القيم. فإذا رأيت أن تنظر إلى حاله، انظر إلى مسلكه، وإلى عداوته لدين الله عز وجل، فقد كان من أجد الناس انصياعًا للشيطان، الحذر إخواني في الله، فهذه الآيات فيها بيان لصفة جبريل عليه السلام، وأنه كان على علم، وكان على قوة، وكان على جمال وبهاء عليه السلام. قال: وقال قل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، قالوا: قد بين الله تعالى لنا أوصاف جبريل الذي نزل بالقرآن من عنده، وتدل على عظم القرآن وعنايته تعالى. فإنه لا يرسل من كان عظيمًا إلا بالأمور العظيمة، واذا كذلك فائدة في اختصاص جبريل بإنزال القرآن عن نبينا، إذا علمنا أن جبريل بهذا المستوى العالي من الصفات والرتبة والمنزلة، ثم بعد ذلك يخصه ربنا بإنزال القرآن. كان في ذلك تعظيم لأمر القرآن، لأن الله جل وعلا ما أرسله ما أرسله إلا على يد عظيم، لدلالة على عظمته ومكانته، أي القرآن العظيم، أقول قولي هذا، وأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.