الدرس في فتنة القبور وأسباب انتشارها، وكانت بعد العصر من يوم الثلاثاء 15 محرم 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد ونبذ الشرك في مكة وال المدينة، مبيناً انتشار البدع وفتنة تعظيم القبور والاستغاثة بأصحابها في الأزمنة المتأخرة. ويحذر من التشبه بالمشركين ومخالفة أمر النبي بتحذيره من اتخاذ القبور مساجد كما فعل اليهود والنصارى.
يبيّن المقطع تحريم بناء المساجد على القبور والصلاة إليها أو تعظيمها مستدلاً بأحاديث صحيحة توعد فاعل ذلك بأنه من شرار الخلق. كما يذكر أوامر الصحابة بتسوية القبور ونهي النبي ﷺ عن شد الرحل لزيارتها سداً للذريعة وحفظاً للتوحيد.
يستعرض المقطع حديث النهي عن شد الرحال إلا للمساجد الثلاثة ويندد بالسفر للقبور بدعوى زيارة الصالحين، مبيناً أن أول من بنى عليها هم الرافضة ثم الباطنية. ويعدد أسباب الفتنة: الجهل بدين الله، الاغترار بزخارف القبور، والغلو في الصالحين الذي كان سبب شرك قوم نوح.
يستعرض المقطع أسباب انحراف الناس لعبادة القبور منها نسيان العلم وصنع الصور والغلو في الصالحين، ووجود دعاة الباطل وأئمة مضلين يزينون الشرك والخرافات. ويشير إلى قوة السلطان التي تفرض ممارسات القبور كما فعلت الدولة الفاطمية محذراً من الاستجابة لهؤلاء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله عليه الصلاة والسلام بدين الحق، بالهدى ودين الحق، كما قال عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. ونبينا عليه الصلاة والسلام قام بهذا الواجب العظيم تجاه هذه الأمة التي سيطر عليها الجهل، وانتشر فيها الكفر بين أرجاء المعمورة. فقام النبي عليه الصلاة والسلام ودعا قومه إلى توحيد الله جل وعلا، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأنا آمركم بخمس، ومنها آمركم بعبادة الله وحده». وقال في الصحيحين من حديث أبي هريرة: لما جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله عن الإسلام، قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا». فمعلوم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أنها دعوة إلى توحيد الله جل وعلا، ونبذ جميع أنواع وصور الشرك والوثنية. قامت دعوته عليه الصلاة والسلام بما قامت عليه دعوة الأنبياء والمرسلين من قبله. هذا أمر معلوم، أيها الناس، عباد الله. النبي عليه الصلاة والسلام مكث في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس إلى توحيد الله، يدعو الناس إلى نبذ الشرك والوثنية، وإلى نبذ الأوثان والأصنام التي تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. كان يقول لهم: «اعبدوا الله وحده، واتركوا ما كان يعبد آباؤكم». وهكذا استمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولما انتقل إلى المدينة وهو يبين لهم الشرائع، ويبين لهم ما حرم الله، ويبين لهم ما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليهم. وتوفي نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في آخر حياته عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى المحافظة على توحيد الله، ونبذ ما يقرب إلى الشرك من الوسائل وغير ذلك. واستمر الصحابة رضي الله عنهم على هذه الحالة لما تعلموه من النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا التابعيون وأتباعهم مشوا على هذا الطريق الذي رسمه لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك، بعد مرور الأيام والأشهر والسنوات، حدث التغير، وانتشرت البدع والمحدثات في هذه الأمة، وكل ذلك بسبب الجهل الذي حل بكثير من الناس. صار من الناس من يبتدع في دين الله سبحانه وتعالى ما لم ينزل به سلطان، وانتشر هذا الأمر، وكثرت البدع، وبسببها كثرت الفتن التي حصلت بين الناس. ألا وإن من هذه الفتن التي حصلت بين الناس: فتنة القبور، والتمسك بها، وزيارتها، وغير ذلك مما يحصل عند القبور. وهذا أمر قد شاهده الكثير من الناس في زماننا هذا: أن كثيرًا ممن ينتسب إلى الإسلام افتتنوا بهذه الفتنة العظيمة، افتتنوا بهذه الفتنة العظيمة التي ما سلم منها حتى من ينتسب إلى العلم. وكل ذلك بسبب الجهل الذي حل على كثير من الناس، الجهل بدين الله جل وعلا. فصاروا يعظمون القبور وأصحاب القبور، ويستغيثون بها، ويجعلون أصحابها من دون الله عز وجل، وتقربوا إليها بالقرابين، وذبحوا عندها، ونذروا لها. وكل ذلك محادة لله سبحانه، محادة لله سبحانه وتعالى ورسوله. فصاروا بهذا الفعل شابهوا، أو قد صاروا مشابهين للمشركين الأول، بل زادوا على المشركين الأول بأمرين: الأمر الأول: أن المشركين الأول كانوا يدعون آلهتهم في الرخاء، وأما في الشدة فإنهم يخلصون الدعاء لله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾. أما في زماننا هذا، الذين يشبهون المشركين بهذا العمل، فإنهم يدعون أصحاب القبور ويستغيثون بها في السراء والضراء، وفي الشدة وفي الرخاء. وهذا أمر معلوم، فإن قل: عبادتهم لأصحاب القبور كانت في كل وقت وحين. وهذا من البلاء التي ابتلي به هؤلاء الأقوام. والأمر الثاني: أن المشركين الأول كانوا يعبدون أناسًا صالحين، ويصورون لهم هذه التماثيل والأوثان. أما في زماننا هذا، فإنه ممن افتتن بهذه القبور، فإنه لا يدري حال صاحب هذا القبر: أهو من الإنس أم من الجن؟ أهو من الصالحين أو من الفجار الفاسقين؟ أهو من غير... أهو من الإنس أو من الحيوانات؟ وغير ذلك مما وقع عند المفتونين بهذه القبور. وهذا كله، أيها الناس، عباد الله، محادة لدين الله سبحانه وتعالى. فأصبح هؤلاء القوم يستغيثون بهذه القبور، ويجعلونها من دون الله سبحانه وتعالى، ويجعلون جميع العبادات صغيرها وكبيرها لأصحاب هذه القبور. وهذه من الفتن التي حلت على هؤلاء، افتتنوا بها، وخالفوا فيها شريعة محمد عليه الصلاة والسلام. خالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي أمرهم أولًا بإخلاص العبادة لله جل وعلا، ونهاهم عليه الصلاة والسلام عن كل وسيلة تقربهم إلى الشرك بالله جل وعلا. ومن التحذيرات التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام التي توصل إلى الشرك، من الأحاديث الكثيرة في هذا الباب: منها تحذيره عليه الصلاة والسلام من اتخاذ القبور مساجد. في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لعن الله اليهود والنصارى»، وفي رواية: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر مما صنعوا. وقالت: «ولولذاك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا». عائشة رضي الله عنها تخبرنا أن النبي عليه الصلاة والسلام يحذرنا من الوسائل التي توصل إلى الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى. يحذر مما صنعوا. قالت: «ولولذاك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا»، أي: مكانًا للعبادة، يعبد الله سبحانه وتعالى في هذا المكان. وهكذا أيضًا قال في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: قال النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر مما صنعوا. وجاء أيضًا في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: تذكر بعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام كنيسة رأتها في الحبشة يقال لها: مارية. وجاء في بعض الأحاديث أنها أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن، فذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا له تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». قال الإمام المجدد رحم الله تعالى عند هذا الحديث في كتابه التوحيد: «فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة التصوير، وفتنة القبور». عائشة رضي الله عنها أخبرت في هذا الحديث أن نساء النبي عليه الصلاة والسلام لما كن في الحبشة، أخبرنه عليه الصلاة والسلام بكنيسة، وذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام مبينًا خطر هذا الافتتان: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا»، أي: جعلوا عليه بناءً، ولربما وضعوا القباب والمشاهد عليه. هذا فعل اليهود والنصارى: إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وهكذا جاء في مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد». شر الناس من يتخذ هذه القبور، سواء كانت لأنبياء أو لصالحين أو غير ذلك، يتخذها مساجد. وذلك إذا عبد الله جل وعلا في هذا المكان، سماهم النبي عليه الصلاة والسلام شرار الخلق؛ لأن هذا يفضي إلى الكفر بالله والشرك بالله سبحانه وتعالى. وهذا قد حصل، أيها الناس، عباد الله، لما افتتن هؤلاء الناس بهذه القبور، عبدوها من دون الله، واستغاثوا بها من دون الله سبحانه وتعالى، وطلبوا منها المدد، وطلبوا منها شفاء المرضى، وقضاء الحوائج. وما من شيء إلا وقد طلبوه من هؤلاء المقبورين. فصاروا مفتونين بهذا الفعل، افتتنوا بهذا الأمر العظيم الذي حذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضًا جاء في مسند أحمد، ومسند الحميدي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، اللهم لا تجعل قبري وثنًا. لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهذه اللفظة، بعض من كتب في هذا الباب يذكرها بقوله: بقوله عليه الصلاة والسلام: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «زيارة القبور والاستغاثة بالمقبورين»، وتبعه على ذلك الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد. ولكن هكذا هي في مسند أحمد، مسند الحميدي: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وأي كان، فإن الأمر خطير: من يجعل هذه القبور مكانًا للعبادة، فيعبد الله سبحانه وتعالى في هذا المكان، وليس في المساجد التي هي معاقل الصلاة. نعم، أيها الناس، عباد الله. صار هؤلاء المفتونون المخالفون... صار هؤلاء المفتونون المخالفون لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام يدعون أصحاب القبور ويستغيثون بها. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا أن نبني المساجد على هذه القبور، نهانا عن هذا الفعل لأنه وسيلة توصل إلى الشرك بالله جل وعلا. وأيضًا من الأحاديث التي جاءت في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الافتتان بالقبور: ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. كل ذلك محافظة لجناب التوحيد. حمى النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد بكل وسيلة. جاءت الأحاديث بهذا الأمر: أننا لا نغلو في القبور أو في أصحاب القبور، فلا نقصصها، أي: نضع عليها القص وهو من البناء، أو نقعد عليها، أو نبني عليها، سواء كان البناء من الطين أو من الحجر أو من غير ذلك من أنواع البناء. وجاء في صحيح مسلم حديث في مرثد الغنوي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا نبي عليه الصلاة والسلام يحذر هذه الأمة أنها لا تصلي إلى القبور؛ لأن هذا يفضي إلى تعظيم المقبور، مع أن الصلاة لله. فكيف إذا جعل هذه الصلاة لصاحب القبر؟ لا شك أن هذا كفر بالله وشرك بالله؛ لأنه صرف عبادة مستحقة لله سبحانه وتعالى لغيره، فوقع في الشرك بالله، والعياذ بالله. وهكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإزالة كل ما يكون على القبور من البناء وغير ذلك، لما يفضي ذلك... أيها الناس، عباد الله، إلى افتتان الناس. في صحيح مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي رضي الله عنه قال: «لي علي، ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». وفي صحيح مسلم من حديث فضالة بن عبيد: لما كانوا بالروم، ببرودس، مات لهم صاحب، فدفنوه، فأمر فضالة بن عبيد بتسوية القبر، فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها». كل ذلك محافظة على التوحيد، ومحافظة على هذه الأمة أن تقع في الشرك بالله جل وعلا. وقال في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا». أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نجعل شيئًا من النوافل من الصلوات النافلة في بيوتنا، ولا نجعلها كالمقابر، بمعنى أن القبور لا يصلى فيها. وهذا مؤيد بحديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». وهكذا أيضًا جاء في الصحيحين، في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وهذا أيضًا يؤيد أن الإنسان إذا أراد أن يقرأ القرآن في المقبرة أو عند القبور لا يجوز؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وكل ذلك إذا عبد الله أو قرأ القرآن في مكان قد خالف فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام. فانظروا، عباد الله، كيف افتتن هؤلاء الأقوام بمخالفتهم لأوامر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم! فأمر النبي عليه الصلاة والسلام في شق، وهم في شق آخر. وهذا يدل على المحادة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نبينا عليه الصلاة والسلام، مع محافظته لهذه الأمة على توحيدها، وعلى إقامة شرع الله جل وعلا، كذلك نهى عن كل وسيلة توصل إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى. فنهى عن شد الرحل والسفر إلى الأماكن أو إلى المقابر التي لربما قال الإنسان: «أنا سأزور هذه القبور». فنبينا عليه الصلاة والسلام نهى عن شد الرحل. في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى». وفي رواية: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجدي، ومسجد الكعبة، ومسجد إيليا»، أي: المسجد الأقصى. وفي حديث أبي هريرة: «لا تشدوا» بالنهي: «لا تشد الرحلة إلا إلى ثلاثة مساجد». وانظروا، أيها الناس، إلى ما يفعله هؤلاء المفتونون من الرحيل والسفر إلى قبور يزعمون أنها قبور صالحين. كل ذلك من الفتنة التي وقعت لهؤلاء القوم. وأسباب الفتن، أو أسباب الفتنة هذه، أيها الناس، كثيرة، وبسببها انتشرت بين أوساط المسلمين، وفي كثير من البلدان، حتى أنك لا تجد بلدة خالية من زيارة القبور الشركية والبدعية. ما من قرية أو بلدة من بلدان المسلمين إلا وفيها قبر يزار، أو قبر يذبح له، كما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. ما خلت بلاد الحرمين، طهرها ربنا سبحانه وتعالى، بفضل الدعوة المباركة، من مثل هذه الزيارات الشركية والبدعية. نعم، أيها الناس، عباد الله. هذه الزيارات وهذه القبور التي تزار، لها أسباب حتى انتشرت وصارت في كل بلدان المسلمين. لها أسباب كثيرة. وقبل ذلك تعلموا أن أول من بنى على القبور هم الرافضة. ذكر ذلك الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في كتابه كتاب التوحيد، عند باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر، عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ ذكر ضمن المسائل المسألة الحادية عشرة، قال: «لما ذكر بعض المسائل المتعلقة بالحديث، قالوا: بسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى على القبور». وهم أول من بنى على القبور: هم الرافضة الذين فتحوا الباب، وفتحوا المجال لجهلة المسلمين، فعبدوا هذه القبور. مع أن وقوع الشرك عند هذه القبور انتشر انتشارًا كبيرًا في بلاد المسلمين عندما ظهرت فرقة الباطنية. كما ذكر ذلك الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى في كتابه «هذه مفاهيمنا»، ذكر أن عبادة القبور حصلت عندما قامت الباطنية بمذهبها الفاسد، ودعت إلى عبادة القبور وأصحاب القبور، والنذر لها، والذبح لها، في بلاد مصر والمغرب العربي. ولكن أول من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة هم الرافضة الذين ظهروا في ذلك الزمن قبل الباطنية. من الأسباب، أيها الناس، عباد الله، التي أدت إلى انتشار هذه الفتنة بين أوساط المسلمين: الجهل، الجهل، الجهل بدين الله، الجهل بما يستحقه الله سبحانه وتعالى من العبادة. بسبب الجهل عبد غير الله، وانتشرت... أو انتشرت هذه العبادة بين أوساط المسلمين. فدعوا غير الله من المقبورين، ومن الأحياء الغائبين، ومن الأموات في القبور، وغير ذلك، بسبب جهلهم. وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أنه في آخر الزمان يظهر الجهل ويقل العلم. في الصحيحين من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، ويشرب الخمر». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «في آخر الزمان يقبض العلم، وينتشر الجهل والفتن، ويظهر الهرج». قيل: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل، القتل». فانظروا ما قاله نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه في آخر الزمان ينتشر الجهل بين أوساط المسلمين، وبسببه ظهرت هذه الفتنة. فإن الإنسان الذي لا يعظم الله سبحانه وتعالى سيصرف العبادة لغيره. وإذا كان الإنسان لا يدري ما هي العبادة وما هي حقيقتها، لا شك أنه سيخطط يمينًا وشمالًا، فيصرف أنواعًا من العبادات لغير الله جل وعلا. بعض الناس لربما ظن أن العبادة هي الصلاة والصيام والزكاة فقط، والحج. وما يدري هذا المسكين أن العبادة: ما أمر الله جل وعلا به، وما أمر به نبينا عليه الصلاة والسلام، على سبيل الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى. فكل قول وعمل يقوم به الإنسان مما يحبه الله ويرضاه، مع الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى، هذه عبادة لله. فإذا صرفت لغير الله، وقع الإنسان في الشرك، ووقع في الصرف لهذه العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. وأيضًا من الأسباب التي أدت إلى انتشار فتنة القبور: اغترار الكثير من الجهال بما يفعل عند هذه القبور. فإن الجاهل بدين الله سبحانه وتعالى عندما يأتي إلى هذه القبور، ويرى عليها البناء، ويرى عليها القباب والمشاهد، وينظر ما وقع فيها من الستائر والزخارف، مع وجود الطيب وأنواع البخور على هذه القبور، فإنه يقع في قلبه تعظيم لصاحب هذا القبر، ويظن أن له منزلة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى، فيعبده من دون الله جل وعلا، فيدعوه ويستغيث به، ويذبح له، وينذر له، لأنه استصغر نفسه أمام صاحب هذا القبر. وكل ذلك مما يفعله السدنة، ومما يفعله هؤلاء اللصوص عند هذه القبور. فإن الاغترار الذي يحصل عند الكثير من الناس الذين جهلوا دين الله سبحانه وتعالى جعلهم يعبدون أصحاب هذه القبور. وهكذا كذلك من الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الفتنة: الغلو في الصالحين، الغلو في أصحاب القبور. فإن ذلك الرجل لربما زين لذلك الإنسان الجاهل أن صاحب القبر له منزلة عظيمة عند الله، وأن الصالحين لهم جاه عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فيغلو في صاحب هذا القبر، ويغلو في الصالحين، مما يجعله يصرف العبادة لغير الله جل وعلا. وقد حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من الغلو، قال الله جل وعلا: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾. ربنا سبحانه وتعالى يحذرنا من الغلو الذي وقع فيه أهل الكتاب، أننا لا نغلو في دين الله جل وعلا، بل علينا أن نتبع ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا جاءت الأحاديث، من أحاديث عمر في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». نبينا عليه الصلاة والسلام يحذرنا من المدح الزائد فيه عليه الصلاة والسلام، وهو يستحق عليه الصلاة والسلام كل ثناء. نعم، فيحذرنا من الإطراء الزائد. فإذا وقع هذا الإطراء في الصالحين وبأصحاب القبور، يقع في قلوب المساكين من الناس هذا الأمر، يقع فيهم محبة عظيمة لهؤلاء الصالحين، حتى ينزلونهم منزلة رب العالمين سبحانه. فبسبب الغلو حصل الشرك، كما هو معلوم في قوم نوح، لما جاءهم نوح عليه السلام ودعاهم إلى توحيد الله، وهم يعبدون ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا. قال بعض المفسرين: أن هذه أسماء أناس صالحين كانوا يعبدون الله جل وعلا، فماتوا. قال: فلما نسي العلم، لما نسي العلم، جاء قوم، وصوروا لهم تلك الصور، فجاء من بعدهم، وعبدوا هذه الصور من دون الله جل وعلا. فأرسل الله جل وعلا نبيه نوحًا عليه السلام، ودعاهم إلى توحيد الله، وترك هذه الآلهة التي عبدت من دون الله سبحانه وتعالى. غلوا في الصالحين. ولذلك قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد، باب: «أن أول سبب...» أو ماذا قال؟ «سبب كفر بني آدم: غلوهم في الصالحين». فكان هذا الغلو الذي جرّ الكثير من المسلمين إلى عبادة أصحاب القبور. وهكذا أيضًا من الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الفتنة: دعاة الباطل، وجودهم شر في هذه الأمة. فإن هؤلاء الذين يدعون الناس إلى الباطل، ويزينون لهم الباطل، ويصورون لهم أن أصحاب القبور أصحاب كرامات ومنزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، فيقتربهم الكثير من الناس بكلامهم وبتزيينهم، فيعبدونهم من دون الله، ويتمسكون بالقبور وبأصحاب القبور. فبسبب وجود هؤلاء الدعاة الضلال انتشرت مثل هذه الفتنة. وقد حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من الاستجابة لدعاة الباطل. في الصحيحين من حديث حذيفة، لما ذكر أن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بعد ذلك أن بعد هذا الشر خير». قال: «وفيه دخن». قلت: قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، وما دخنه؟ قال: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها». فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، تعرف منهم وتنكر». فهذه، أو فهؤلاء، أو فهؤلاء الدعاة إلى الباطل، هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. وإن لم يتكلموا بألسنتنا، جاءوا بمن يتكلم بألسنتنا، حتى يزينوا هذا الباطل، ويغروا الكثير من الناس، ويفتنوا الكثير من الناس بهذه الفتنة العظيمة. وهكذا أيضًا جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في سنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، من حديث ثوبان، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون. إمام، ولكنه في الضلالة، يدعو الناس إلى الشرك، ويدعو الناس إلى الخرافة، ويدعو الناس إلى التمسح بالقبور، والطواف عليها، والاستغاثة بالمقبورين. كل ذلك يقتر بهم الجهل، فيعبدون أصحاب القبور من دون الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا من الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الفتنة: قوة السلطان والحاكم في بلد ما من بلدان المسلمين. فإنه لربما ألزم رعيته على مثل هذه الأمور المنكرة التي حذر منها نبينا عليه الصلاة والسلام. فدولة الفاطميين، دولة الباطنية، في مصر والمغرب العربي، ألزموا الناس بذلك، ودعوا الناس إلى عبادة القبور، وإلى زيارة القبور، والاستغاثة بالمقبورين، وغير ذلك مما يعمل عند القبور. بسلطتهم وقوتهم ودولتهم ألزموا الناس بذلك، مما ساعد على انتشار هذه الفتنة التي افتتن بها الكثير من المسلمين. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم إلى كل خير، ونسأل سبحانه وتعالى أن يهدي المسلمين، وأن يرشدهم إلى دينهم الصحيح، ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه. صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.