شرح لمعة الإعتقاد  24

شرح لمعة الإعتقاد 24

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة

يتناول إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفق عقيدة أهل السنة والجماعة، مستندين إلى الكتاب والسنة والإجماع. يُبين أن هذه الرؤية تكون في الآخرة وليس في الدنيا.

تفاصيل رؤية الله تعالى يوم القيامة

يناقش مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة، ويوضح أن أهل السنة يثبتون هذه الرؤية للمؤمنين في الآخرة بينما ينفونها في الدنيا. يتطرق أيضاً إلى تفاصيل الرؤية في عرصات القيامة وفي الجنة.

استدلال القرآن على رؤية الله تعالى

استدل المؤلف بآية "وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة" على رؤية الله تعالى، ورد على تأويل المبتدعة للآية، موضحاً أن النظر هنا يعني الرؤية الحقيقية.

خاتمة الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في هذه الرسالة الموسومة بـ "لمعة الاعتقاد" لكي يبين لنا عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة، وهي تتعلق بإثبات رؤية الله سبحانه وتعالى. فقال رحمه الله تعالى: فصل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. وهذه الفقرة أو قل هذا العنوان، وهذا التبويب الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل، اجتمع على عدة مسائل، وبالأخص على ثلاث مسائل ننبِّه عليها، وتعتبر كتمهيد للمسائل من الأدلة التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل. فقوله رحمه الله تعالى: فصل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فيه من أهم مسائل هذا التبويب إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، وأن الله جل في علاه يُرى سبحانه وتعالى. وهذه العقيدة وهي رؤية الله سبحانه وتعالى دل عليها الكتاب والسنة والإجماع. الكتاب والسنة والإجماع، وليست أي سنة، بل هي السنة المتواترة. السنة المتواترة وهي من أعظم أقسام السنة، العشرات بل مئات الأحاديث التي تواردت في السنة النبوية تدل على إثبات رؤية الله عز وجل. حتى نظم ذلكم الناظم هذا البيت: ومما تواتر حديث من كذب، ومن بنى بيتًا لله واحتسب، ورؤية شفاعة وحوض ومسح خفين. وهذه بعض فقراته رحمه الله تعالى، أي الناظم: ورؤية شفاعة وحوض، ورؤية بمعنى رؤية الله سبحانه وتعالى. فدل ذلك على أن رؤية الله قد ثبتت بالأحاديث المتواترة، وعلى ذلك الإجماع. إجماع السلف قد انعقد على رؤية الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، حاكيًا الإجماع المعتبر في هذا الباب وفي هذا الفصل: قال رحمه الله تعالى: دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث على أن الله سبحانه وتعالى يُرى يوم القيامة. فهذا لا نزاع ولا خلاف. فهذه مصادر التشريع كلها تضافرت على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى. بل لصراحة الأدلة، لصراحة الأدلة في هذه المسألة بعينها، إلا وذهب جماعة من العلماء من أهل السنة إلى تكفير من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى، لأن الأدلة قطعية الثبوت، قطعية الدلالة. ليس هناك ما يبرر الخروج عن هذه الدلالة الظاهرة الواضحة. وقد نقل لذلك عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى أنهم كفروا وحكموا بالكفر والردة على من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى. بل حكاه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن جمهور السلف. قال رحمه الله تعالى، كما في "مجموع الفتاوى": قال والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله فإن في الدار الآخرة فهو كافر. والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر. وهذا قد نقل عن إمام أحمد، وعن خزيمة، وجماعة أنهم ذهبوا إلى هذا. وذلك لصراحة الأدلة، الصراحة الأدلة الواضحة القطعية البينة في إثبات هذه العقيدة التي هي رؤية الله سبحانه وتعالى. إذن هذه المسألة، وهي الفائدة الأولى المستفادة من هذا التبويب، أن رؤية الله سبحانه وتعالى ثابتة بالكتاب والسنة، وبإجماع الإجماع المنعقد من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى التابعين، وكذلك أئمة الدين هم على هذه العقيدة. والفائدة الثانية المستفادة والمستوحاة من هذا التبويب الذي عقده المؤلف رحمه الله تعالى، أن هذه الرؤية تكون يوم القيامة، كما قال المؤلف هنا: رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. فالمؤلف رحمه الله تعالى إذا كان هذا التبويب منه ومن صنيعه، ليس من صنيع النساخ، فهذه فيه دلالة على أن هذه الرؤية التي سيدلل عليها المؤلف رحمه الله تعالى إنما تكون يوم القيامة في الدار الآخرة. وقد ذكر جماعة من العلماء مذاهب المسلمين في رؤية الله عز وجل، وأنها تنحصر في ثلاث مذاهب. رؤية الله سبحانه وتعالى عند الملل والفرق التي تنتمي إلى الإسلام تنحصر في مذاهب ثلاثة. المذهب الأول: من أثبت رؤية الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، ما أثبت رؤية الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، وأنه سبحانه وتعالى لا يُرى في الدنيا، لا يُرى في الدنيا عيانًا. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، من لدن الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم دينهم على هذه العقيدة، بأن الله سبحانه وتعالى يُرى في الآخرة يوم القيامة، إلا أنه لا يُرى في الدنيا. قال ربي أرني أنظر إليك، قال: إنك لن تراني. قالها ربنا في حق موسى عندما طلب أن يرى ربه في الدنيا. قال ربنا جل في علاء: إنك لن تراني، أي لن تراني في الدنيا، وليس لنفي التأبيد المطلق كما يدعي من يدعي من أهل الأهواء، وذلك للنصوص الكثيرة. كما قال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، أي فلا رؤية للرب سبحانه وتعالى ممكنة في الدار الدنيا، لا يمكن لأحد أن يطيق أن ينظر إلى ربنا سبحانه وتعالى لضعف البشر وعدم قدرتهم على ذلك. إذن هذا المذهب الأول، مذهب أهل السنة في إثبات رؤية الله في الآخرة، ولا يكون ذلك في الدنيا. المذهب الثاني: مذهب من يقول بأن الله سبحانه وتعالى يُرى في الدنيا والآخرة، يُرى في الدنيا والآخرة. وهذا مذهب الباطنية والمتصوفة من الغلاة، ممن يذكرون أن الله ينزل في الدنيا، وأن جماعة من الناس من يتمكن من رؤية الله عز وجل. وأخبث من هؤلاء من يقول بأن الله يحل في الأشخاص، فهذه قمة في الكفر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فالحاصل أن هناك فرقًا من المتصوفة، ومنهم كذلك الباطنية، يدعون بأن الله يُرى مطلقًا في الدنيا وفي الآخرة. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه قال: من قال أن أحدًا من الناس رآه، فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران. إذا وجد أن أحدًا ادعى أنه يرى الرب في الدنيا، فهذا أعظم من موسى بن عمران. وهذا فيه إشارة إلى كفره، وهذا زندقة وزندق ومروق عن الدين. من هذا الذي يتألى في هذا المقام السامي ويدعي أنه رأى الرب نهارًا جهارًا؟ هذا لا يمكن. فالحاصل أن هؤلاء الباطنية يقولون بهذا القول. المذهب الثالث: وهو مذهب الجهمية، ومن كان على شاكلتهم ممن ينكرون رؤية الله مطلقًا، أن الله لا يُرى لا في دنيا ولا في الآخرة، ينكرون مطلقًا رؤية الرب سبحانه وتعالى، وأنه لا يُرى لا في دنيا ولا في الآخرة. إذن نخلص إخواني في الله في هذه المسألة حول مسألة رؤية الرب سبحانه وتعالى، أنها ترجع إلى ثلاث مذاهب، وكما قال: طرفان ووسط. فقسم أنكر رؤية الرب مطلقًا لا في دنيا ولا في الآخرة، ومنهم من أثبتها مطلقًا في الدنيا والآخرة، وأهل السنة وسط، أثبتوها في الآخرة ونفوها عن الله في الدنيا، وذلك لدلالة النصوص الدالة على ذلك. كذلك المسألة الثالثة المستفادة من هذا التبويب، قول المؤلف: فصل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، قوله: يوم القيامة، كذلك فيما يتعلق بأن هذه الرؤية خاصة بالمؤمنين، لقوله: رؤية المؤمنين. جعل هذه المسألة خاصة بأهل الإيمان، هم الذين خصوا وميزوا بهذه الميزة، أنهم يتلذذون ويتنعمون برؤية الجبار جل في علاه، نعمة ما بعدها نعمة لأهل الإيمان. لكن هل هذه مسألة مطلقة أن الرؤية لا تكون إلا لأهل الإيمان؟ المسألة فيها تفصيل. إذا ما يتعلق بالمسألة فيما يتعلق في الجنة، إذا عنينا بيوم القيامة أي في الجنة في المستقر، فهذه نعم صفة وميزة تكون لأهل الجنة من أهل الإيمان، لا أحد يزاحمهم ولا أحد يداريهم في هذا الباب، لأن لا أحد يدخل الجنة إلا النفس المؤمنة. فأولى أهل الجنة إذا دخلوا الجنة، فإن الله ينعمهم سبحانه وتعالى برؤية وجهه الكريم جل في علاه. لكن هناك ما يسمى عرصات القيامة، عرصات القيامة، عرصات جمع عرصة، والعرصة هو المكان الفسيح المكان الفسيح الذي ليس فيه بناء ولا فناء لأحد. عرصات القيامة هنا، للأعلماء فيها أنظار. من هذا الذي يمكن أن يرى الرب سبحانه وتعالى؟ أن جاءت الآثار أن الله سبحانه وتعالى يأتي للناس في عرصات القيامة، فذلك الناس في هذا الموقف على ثلاث أصناف، إما أن يكون هؤلاء إما منهم من هو من أهل الإيمان من المؤمنين الخلص، أو يكون من الكفار الخلص، أو يكون من أهل النفاق. إذًا الناس في عرصات القيامة هم على أصناف ثلاثة. وهؤلاء تأتي مسألة الرؤية لهم. فمن كان من المؤمنين الخلص، فإنه كذلك يرى الله سبحانه وتعالى في عرصات القيامة، أي في هذا المكان الفسيح الذي يأتي به الرب سبحانه وتعالى ويأتي لخلقه، فأهل الإيمان يرون ربهم في العرصات، ثم إذا دخلوا الجنة يرون ربهم سبحانه وتعالى كذلك. أما الكافر، فهو سيكون كذلك ممن يحشر في العرصات. فأما الكافر، فعلى القول الصحيح من أقوال أهل العلم، أن الله سبحانه لا ينظر إليه، وأن الله لا يمكّنه من أن ينظر إليه سبحانه وتعالى، لعموم قول تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. وأخذ جماعة العلماء هذه الآية على عمومها، فهم لا يرون ربهم سبحانه وتعالى. فإن الله يحتجب عن أهل الكفر. ومنهم من قال: أن الله ينظر إليهم، لكن نظر غضب. هذا قول، نعم ينقل. لكن القول الأول وجيه، أن الله لا ينظر إليهم قط. أما أهل النفاق، فقد جاءت أحاديث، نعم، أنهم يرون الله، أنهم يرون الله، لكن الله يحتجب عنهم بعد ذلك. يرون الله، وأن الله يحتجب عنهم بعد ذلك. ويلحق كذلك من هذه الطائفة جماعة من أهل الكتاب، بقايا من أهل الكتاب، كذلك في عرصات القيامة ينظرون إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أنه يحتجب عنهم. فإذا على هذا التفصيل، هذا كله في عرصات، أما في الجنة، في الدار الآخرة، في الدار المتقين، فلا أحد يراه إلا أهل الإيمان، لأنه لا أحد يدخل الجنة إلا النفس المطمئنة. هذا إخواني في الله، مسائل مستفادة من هذا التبويب، وهو رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. أو الأولى: إثبات الرؤية لله عز وجل. المسألة الثانية: أن هذا يكون يوم القيامة. المسألة الثالثة: أن هذا خاص بأهل الإيمان. وقلنا: هذا في الجنة، أما في العرصات فقد سبق الخلاف، وذكر المسألة التي تنازع فيها العلماء. قال رحمه الله تعالى: والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم. قوله: المؤمنون، قد مر معنا ما يتعلق بأن هذا لأهل الإيمان خاصة، يرون ربهم، وإثبات الرؤية قد مر معنا بالكتاب والسنة، وبإجماع السلف. بأبصارهم، وهذا من باب الإيضاح والتوكيد والتأكيد لهذه المسألة. فهي التوكيد وتأكيد بأبصارهم، أن بعض المبتدعة ربما عند هذه الفقرة يقول: نعم، المؤمنون يرون ربهم. يوجد من أهل البدع، كما ينقل عن الأشاعرة، يثبتون الرؤية، لكن ما الرؤية التي يثبتونها؟ أن تقدر: تفرح بهذا العبارة. منهم يقول: نحن معكم نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يُرى، لكن عندما تقول له: بالأبصار، يقول: لا، لا، بالبصائر، بالبصيرة. معنى البصيرة: أي بالقلب. معنى البصيرة: أي بالقلب. وهم يقولون بأن الله يُرى بالبصيرة، ليس بالبصر. فمن هنا جاء التعبير عند أهل السنة والجماعة بأبصارهم، أي عيانًا، بأعينهم، ليس في ذلك خفاء، وليس بأمر معنوي ولا نفسي، بل هو حقيقي، رؤية حقيقية. ومن هنا جاء التأكيد بهذه اللفظة. قال: والمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم، ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه. وهذه الألفاظ الثلاثة قد مرت معنا في مسألة الكلام الذي يثبت لله سبحانه وتعالى، ومرت هذه العبارات. أما الكلام فقد مر معنا ثبوته بالكتاب والسنة في فصل سابق. قال: قال الله عز وجل: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. استدل المؤلف رحمه الله تعالى، وهذا أوان الشروع من عند المؤلف رحمه الله تعالى أن يأتي بالأدلة الدالة على إثبات رؤية الله. وقد أسلفنا أن رؤية الله قد ثبتت بالكتاب والسنة، وبإجماع السلف. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى يستدل لنا، ويستدل بهذه الآيات المحكمات في إثبات رؤية الرب سبحانه وتعالى. قال: قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة﴾. وجوه، أي هنا الوجوه لأهل الإيمان، وقد مر ذلك. معنهم الذين يتنعمون برؤية الرب سبحانه وتعالى. ﴿وجوه يومئذ﴾، يومئذ، هذا التنوين للإضافة المحذوفة، أي يوم القيامة، للدار الآخرة. قال: ﴿ناظرة﴾، والناظرة مأخوذة من النظارة والحسن والبهاء، الحسن والبهاء. ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وهذه الآية من الآيات المحكمات الواضحات البينة الدلالة على أن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه الكريم على أن أهل الإيمان ينظرون إليه سبحانه وتعالى. فقال: ﴿إلى ربها ناظرة﴾، أي هي التي قامت بفعل النظر إلى الله سبحانه وتعالى. إلا أن أهل البدع والأهواء، عادتهم إذا أعيتهم الأدلة، فما صح عندهم أدلة يستدلون بها، فإنهم يشغبون على أهل السنة، يشغبون عليهم. ومن هذا التشغيب أنهم يأتون إلى أدلتهم ويشوشونها ويخرجونها بعد التأويلات. فمثلًا هذه الآية، ما الذي فعل أهل البدع عندما رأوها آية دالة واضحة الدلالة على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى؟ إلى ربها ناظرة، أي هي تنظر إلى الله سبحانه وتعالى. قالوا: لا، أحسنوا، نوافقكم على أن النظر هنا بمعنى نظر البصر البصري. وإنما قالوا هنا الآية: ناظرة بمعنى منتظرة. الناظرة هنا بمعنى منتظرة. وإن ناظرة بما يرجع المرسلون، بمعنى ناظرة أي منتظرة، أي منتظرة. فقالوا هنا معنى إلى ربها ناظرة، أي منتظرة إلى ثواب ربها، منتظرة ثواب ربها. وهكذا قول تعالى: ﴿فهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، أي الكفار ينتظرون مجيء الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء. فقالوا: هذا إذن هذا موجود في اللغة، فالنظر هنا لا يستلزم الرؤية، بل النظر هنا بمعنى الانتظار. ولا إشكال في تفسير الآية بهذا التفسير. وهذا خطأ، وهذا باطل. هذا لا يجوز تفسير النظر هنا بمعنى الانتظار، هذا لا يصح. وقد رد العلماء على الاستدلال أو التأويل هذا التأويل الفاسد. رد العلماء بعدة ردود. الرد الأول: قال علماء ينبغي أن نفهم معنى النظر. النظر نعم لا نخالف أن النظر نعم يأتي بمعنى الانتظار، لكن هذا مربوط بالتعدية أو اللزوم. فالنظر يأتي على عدة معان، يأتي النظر بمعنى النظر الحقيقي وهو الرؤية، ويأتي النظر بمعنى الانتظار، ويأتي النظر بمعنى التفكر والتأمل والتدبر. ثلاث معاني النظر. انتبه لهذا. كلمة نظر، والنظر المصدرية تأتي على عدة معاني، وهي معاني ثلاثة. النظر يأتي بمعنى الرؤية، وذلك إذا عُدي بحرف إلى. انظر إلى فلان، انظر إلى كذا. فإذا جاءت النظر وهي قد عُديت بحرف إلى، فهذا معناها النظر الحقيقي وهو بمعنى البصر. وهذا على لسان أهل اللغة، لا إشكال عندهم في هذا المعنى. أما إذا جاءت النظر وعُديت بحرف في، هذا يأتي بمعنى التأمل والتفكر. انظر في ملاكوت السماوات، فأنا لا أقصد بها النظر البصر، لا، وإنما أعلم هو بعد ذلك، وهو التأمل. والقصد: انظر في القضية، أي تأمل في القضية. فالنظر إذا عُديت بحرف في، تأتي بمعنى التفكر والتأمل. وأحيانًا تأتي النظر كما يسميها العلماء لازمة، لا تأتي متعدية. إذا جاءت لازمة، ليس لها تعدي، حينها تأتي بمعنى الانتظار، كما في هذه الآية: ﴿فهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾. هنا النظر لم يتعدَّ لا بإلى ولا بفي، إذن هنا يأتي بمعنى الانتظار. فعليك عبد الله بهذه الأمور، المعاني الثلاثة حتى لا يلتبس عليك الأمر. هذا الرد الأول. إذن الرد الأول: ننظر في الآية، فقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. هنا إلى ربها، الجار والمجرور بماذا تعلق؟ بالناظرة، تعلق بناظرة. إذن هنا الناظرة قد ماذا عُديت؟ بحرف إلى، إذن بمعناها الرؤية الحقيقية. وهذا على لسان أهل لغة. الرد الأول. الرد الثاني: قال علماء أن هنا النظر كذلك ذكر محله، ذكر محله. وأين محل النظر في الآية؟ وجوه. قال ربنا جل وعلا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. فيقول العلماء: وهذه قرينة ثانية، وهي أن النظر إذا جاء بذكر محله، فإذن يقيد بهذا المحل. فهنا ذكر ربنا سبحانه وتعالى أن النظر إنما صدر من الوجوه. وأي نظر يصدر من الوجوه؟ هي الرؤية، هي الرؤية. الرد الثالث والأخير في هذا المقام: قال علماء أن السياق لا يليق. انظر للسياق. الآية ربنا سبحانه وتعالى يحكي عن أهل الجنة وما هم فيه. قال سبحانه وتعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة﴾، بما كان من النعيم المقيم، أنه أثر ذلك في وجوههم حتى أعطاها الحسن ونظارة. ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. فعلى قول مبتدعة، أي أنهم أهل الإيمان ينتظرون ثواب الله سبحانه وتعالى. وأي ثواب لله وهم في الجنة؟ أصلا ماذا ينتظرون بعد هذا الثواب؟ هذا في الجنة الآن، وهم في الجنة. فكيف يقول المبتدع وهم في الجنة ينتظرون ثواب الله؟ أليس ثواب الله هذه الجنة؟ أخواني أصبح بل هذا ليس جزاءً ألا كان شخص ينتظر في نوع ترقب؟ هذا معنى ما كوفه. فالسياق العبارة والسياق المعنى لا يصح، وليسعف هذا المعنى، بل معنى يأباه، المعنى يأباه. فهذه يورد الثلاثة إخواني في الله. أولًا: بالنظر من حيث التعدية، والنظر من حيث ذكر المحل، والأمر الثالث: أن السياق المعنى ليس بصحيح، لأن على قولكم أن أهل الإيمان ينتظرون ثواب الله، وهم في الجنة، ما هو الثواب الذي سينتظره وهم في الجنة؟ أصلا هذا السياق جاء في وصفهم وهم في الجنان. إذن إخواني في الله، هذه أولى الآيات التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى في استدلاله على رؤية الله سبحانه وتعالى. وسيأتي إن شاء الله أدلة أخرى ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى كذلك من القرآن، وأيضًا من السنة، للتدليل بها على هذه العقيدة التي سار عليها المسلمون من لدن أصحاب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، ولا يعلم بينهم مخالف. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.