التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 28

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 28، ألقاها

أزلية صفات الله تعالى وتوضيحها

صفات الله تعالى أزلية وأبدية، ولا يجوز الاعتقاد بأن الله اكتسب صفة بعد أن لم يكن متصفا بها. يُفرق بين أزلية الصفة ووجود المفعول به.

التفريق بين اتصاف الله بالصفة وفعلها

يفرق بين اتصاف الله بالصفة أزلا وأبدا وبين فعل الصفات الفعلية متى شاء، حيث إن اتصافه بالصفة أزلي وليس حادثا. هذا التفريق يظهر في فهم معنى حدوث الفعل دون اتصاف الله بالصفة بعد عدمها.

منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع ألفاظ الصفات الإلهية

يناقش المنهج المتبع في التعامل مع الألفاظ المجملة في مسائل الصفات الإلهية، ويبين أهمية التوقف في الألفاظ المجملة والاستفصال في المعاني لتمييز الحق من الباطل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا. قال الشارح رحمه الله: أي أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بصفات الكمال، صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفا بضده. ولا يرد على هذه الصفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها: الخلق والتصوير والإحياء والإماتة والقبض والبسط والطي والاستواء والإتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهها وحقيقتها التي يتأولها، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناها معلوم لنا. كما قال الإمام مالك رضي الله عنه لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف استوى؟ قال: «الإستواء معلوم، والكيف مجهول». وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولَيَغْضَبَنَّ بعده مثله»؛ لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. الحاصل فيما ذكر هنا هو ما تقدم معنا في الدرس الماضي، وهو أن صفات الله جل وعلا باعتبارها صفات لله جل وعلا هي أبدية أزلية، سواء كانت الصفات الذاتية أو كانت الصفات الفعلية، كلها صفات لله جل وعلا؛ لأن الصفات تابعة للموصوف، فصفات الله جل وعلا تابعة له، أبدية بأبديته، وأزلية بأزليته. والأمر كما مر معنا في الصفات الذاتية واضح، وفي الصفات الفعلية كذلك؛ كما مر معنا لا يشكل علينا أن الصفات الفعلية يفعلها الله جل وعلا متى شاء، وأن مثلنا في الدرس الماضي ببعض الصفات مثل النزول إلى السماء الدنيا ما حصل إلا بعد خلق السماوات. فلا نقول بأن هذه الصفات ليست من صفات الله جل وعلا حتى تقوم بالله جل وعلا أو حتى يقوم بها الله جل وعلا، بل هي صفات الله جل وعلا باعتبار أن الله جل وعلا متصف بهذه الصفات، ولكن هذه الصفات يفعلها الله جل وعلا متى شاء. ففرق بين أن نقول أن هذه الصفات تابعة لله جل وعلا، فهي من صفات الله جل وعلا، فهي أزلية بأزليته وأبدية بأبديته، وبين أن نقول بأن هذه الصفات يفعلها الله جل وعلا متى شاء، متى اقتضت حكمته فعلها. قال: وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، تحدث في وقت دون وقت باعتبار أن الله يحدثها، باعتبار أن الله يفعل هذه الأفعال متى شاء، في وقت دون وقت. فلا معنى أن نقول بأن الله جل وعلا لم يكن متصفا بها، بل الله جل وعلا متصف بها أزلا، لكن متى قام بها، متى فعل هذه الصفات، فعلها متى شاء. ففرق بين أن نقول أن الصفة تابعة للموصوف، أزلية بأزليته، أبدية بأبديته، وبين أن نقول بأن الصفات الفعلية يفعلها الله متى شاء. قال: كما في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولَيَغْضَبَنَّ بعده مثله»، وهذا الحديث جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك بنحوه من حديث أبي سعيد رضي الله عنهم أجمعين. والحاصل أن الحديث كما هو ظاهر: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله»، إذن هذه الصفة هل نقول بأن الله جل وعلا اتصف بها في هذا الوقت أو في ذاك الوقت؟ أم أن الله جل وعلا اتصف بها أزلا وأبدا، ولكنه لم يفعلها إلا ذلك الوقت؟ ففرق بين أن نقول بأن الله ليس متصفا بها إلا ذلك الوقت، فيلزم من هذا أن الله لم يكن متصفا بهذه الصفة ثم اتصف، وبين أن نقول بأن هذه الصفة من صفات الله جل وعلا أزلا وأبدا، ولكن الله جل وعلا يفعلها متى شاء، أو فعلها متى شاء. قال رحمه الله تعالى: لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع؛ لأن الله جل وعلا يفعل ما يشاء متى شاء كيف شاء. قال رحمه الله: ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن. قوله: ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، معنى حدثها هنا أي وقع ذلك الوصف لله جل وعلا بعد أن لم يكن متصفا به، باعتبار أن الصفة لم يكن الله جل وعلا متصفا بها ثم اتصف بها، هذا ليس بصحيح. لما تقدم معنا قبله، وهو أن هذه الصفة إن كانت كمالا، فكوننا نقول بأن الله جل وعلا لم يتصف بها زمنا من الأزمان، يدل على أنه كان ناقصا ثم كمل. والحق أن الله جل وعلا متصف بصفاته سبحانه وتعالى أبدا وأزلا، لكنه يفعل الصفات الفعلية متى شاء بحسب حكمته سبحانه وتعالى. فإذا قوله رحمه الله: ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، أي حدث له ذلك الوصف. فنفرق بين هذا وذاك، فنقول: ها هنا ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، أي حدث له الوصف بعد أن لم يكن متصفا به، ولكن نقول: حدث له ذلك الفعل، بمعنى قيام الله جل وعلا به في ذلك الوقت. وهذا تمثيل للتقريب، يقول: ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلما بالأمس لا يقال إنه حدث له الكلام؟ فكذلك يقال في حق ربنا جل وعلا: الله جل وعلا متصف بالصفة أبدا وأزلا، ولكنه يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء، فوقت الفعل لا يقال بأنه حدث له الفعل أو حدث له ذلك الفعل بمعنى أنه اتصف بتلك الصفة بعد أن لم يكن متصفا بها، بل يقال بأن الله جل وعلا متصفا بهذه الصفة أزلا وأبدا، ولكنه يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء. قال رحمه الله: وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب الله ولا سنة، وفيه إجمال. قوله رحمه الله: وحلول الحوادث بالرب، الحوادث كما ذكر رحمه الله تعالى لفظ مجمل، فأهل الكلام كما هي عادتهم يذكرون ويطلقون مثل هذه الألفاظ المجملة لأجل أن تروج بين المخالفين لهم. فيتكلمون بهذه الألفاظ المجملة التي حقيقتها أن يقال فيها بأن ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب؛ وذلك لأنهم يأتون بهذه الألفاظ المجملة الظاهر يعني الإنسان الذي ليس عنده خبرة بكلام أهل الكلام ربما يوافقهم في إطلاق الإثبات أو في إطلاق النفي. فالحاصل أن هؤلاء هذه كما ذكر رحمه الله تعالى من الألفاظ ومن البدع التي ذكرها أهل الكلام في مسائل الصفات عند الكلام على الصفات الفعلية يقولون: وحلول الحوادث للرب المنفي يعني يقولون في حق الله جل وعلا لا تحل به الحوادث، الله جل وعلا ليس محلا للحوادث. فمن يسمع هذه الألفاظ وقد استقر في ذهنه أن معنى الحوادث المخلوقات، ماذا سيقول؟ سيقول: نعم، تنزه الله جل وعلا عن ذلك، لكن القوم مراد بهذه العبارة هذا المعنى ومعنى آخر حق. فالسني إن أطلق الإثبات يكون أصاب أو أخطأ؟ يكون أصاب أو أخطأ؟ إن أطلق الإثبات أصاب أو أخطأ؟ أخطأ، وإن أطلق النفي يكون أصاب أو أخطأ؟ أخطأ. فما هي الطريق المثلى التي سار عليها أهل السنة والجماعة؟ لهم طريقان: منهم من يتوقف في إطلاق هذه الألفاظ نفيا وإثباتا، ويستريح، يقول: حدثونا بما جاءت به النصوص الشرعية، وما لم يأت بنصوص شرعية فنتوقف في إطلاقها نفيا وإثباتا. والمحققون من أهل السنة والجماعة يذهبون إلى التوقف في ذلك اللفظ والنظر في معناه والاستفصال في معناه، فما كان من الحق أثبته، وما كان من الباطل رده. قال رحمه الله: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدس شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح؛ لأنه نفى باطلا. وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولأنه يغضب ويرضى لا كأحد من الوراء، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان، كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل. إذن اللفظ إذا كان مجملا هل نثبته مطلقا؟ لا، هل ننفيه مطلقا؟ لا، ماذا نعمل؟ نتوقف في اللفظ ونستفصل في المعنى. قال رحمه الله: وكذلك مسألة الصفة هل هي زائدة على الذات أم لا؟ نفضها مجمل، وكذلك لفظ الغير فيه إجمال؛ فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له. قال رحمه الله: ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره؛ لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو. قال رحمه الله: فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل، فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا غير صحيح. وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها. قال رحمه الله: وقد يقول بعضهم الصفة لا عين الموصوف ولا غيره، وهذا له معنى صحيح، وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردا، بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد. فالحق ما كان عليه أهل السنة والجماعة في الاستفصال في الألفاظ المجملة، فيثبت الحق ويرد الباطل.

شاركنا على