التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 120

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 120

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 120، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

انقسام أصحاب السبت وعاقبة كل فرقة

انقسم أصحاب السبت إلى معتدين انتهكوا حرمة السبت، وناهين أمروا بالمعروف، وساكتين أنكروا على الناهين. أنزل الله العقوبة على المعتدين فمسخهم قردة، ونجى الذين نهوا عن السوء، مظهراً سنة الله في إنقاذ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عند حلول العقاب العام.

اختلاف المفسرين في مصير الفرقة الساكتة

سكت القرآن عن مصير الفرقة التي اكتفت بالإنكار اللفظي دون فعل، فاختلف المفسرون في نجاتهم أو هلاكهم. رجّح السعدي نجاتهم لأنهم لم يرتضوا المنكر وسقط عنهم الإثم بقيام غيرهم بالإنكار.

عقوبة المسخ قردة وعبرة القصة

عاقب الله المعتدين بتحويلهم قردة خاسئين كما ورد في سورتي الأعراف والبقرة. جُعلت هذه القصة نكالاً وعظة للمتقين، داعية المسلم لتدبر قصص القرآن لأخذ العبرة والعلم.

ختم الدرس وتأجيل الفوائد للدرس القادم

اختتم المتحدث الدرس الحالي مشيراً إلى أن الفوائد المستنبطة من القصة كما ذكرها المعلق على الكتاب سيتم تأجيلها إلى الدرس المقبل. ختم بقوله "والله تعالى أعلم" مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر بشكل متكرر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلازلنا في قصة أصحاب السبت، وقد وقفنا عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وعرفنا أن هؤلاء أصحاب القرية أمام هذا الابتلاء انقسموا إلى ثلاثة أقسام: منهم من وقع في المحظور وتحايل على المحرم فوقع في عين المحرم، ومنهم طائفة قامت بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنصحوا ووعظوا وذكروا، وطائفة ثالثة سكتت وأنكرت على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بقولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك مبيناً نزول عقوبته على من عصاه وخالف أمره: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي تركوا ما ذكروا به، ولم يستجيبوا للناصحين، واستمروا على غيهم واعتدائهم. ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي أن الله عز وجل أنزل عذابه على هؤلاء الظالمين الواقعين في محارمه، وأنجى الذين ينهون عن السوء. فالذين ينهون عن السوء نجاهم الله عز وجل فلم يصلهم شيء من تلك العقوبة. وما هي هذه العقوبة التي أخذ بها هؤلاء؟ ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يعني انقلب هؤلاء الواقعون في محارم الله إلى قردة. انظر: مسخهم الله فجعلهم قردة. وفي الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي جعل الله عز وجل هؤلاء آية، وكذلك موعظة يتعظ بها من كان في وقتهم ومن كان بعد وقتهم. ﴿نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: بين يديها يعني ممن في زمنهم وفي عصرهم، ومن خلفهم أي من كان بعدهم. فمثل هذه العقوبات يستفيد منها الناس، والسعيد من اعتبر بغيره. فالخلاصة: أن الله عز وجل أنزل هذه العقوبة على هؤلاء المكذبين، وأنجى الذين ينهون عن السوء. قال الشيخ عبدالله بن ناصر بن السعدي: "وهكذا سنة الله في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجى منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؛ لأنهم قاموا بما أمرهم الله عز وجل به، وأعذروا أمام الله سبحانه وتعالى". ووصف الله عز وجل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالفلاح، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فمن فلاح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن الله عز وجل ينجيهم من العقوبات العاجلة، وكذلك العقوبات الآجلة. ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم الذين اعتدوا في السبت، الذين خالفوا أمر الله ربنا عز وجل، أخذهم أخذ عزيز مقتدر ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. ومعنى بئيس: أي شديد. وهذا العذاب كما مر معنا أن جعلهم قردة، مسخهم قردة، والعياذ بالله. ما أصبح الصباح إلا وهم قردة بين الناس. تصور هذا: خرج من بيته وهو على صورة قرد، وهو على صورة قرد حيوان، بعدما كان إنساناً سويا حسن الصورة والهيئة، صار قرداً بين الناس. هذا هو العذاب الشديد. كما في الآية التي بعد: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي ذليلين حقيرين، وما أعظمه من ذل. فقوله: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي بعذاب شديد. قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، الذين لم ينهوا عن المنكر ولم يأمروا بالمعروف، وإنما سكتوا، وظنوا أنه لا فائدة من الإنكار على تلك الفرقة الظالمة". فهذه الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، اختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم. وما هو سبب اختلاف المفسرين في نجاتهم أو عذابهم؟ لأن الله عز وجل سكت عنهم. ففي الطائفة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر قال: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، هذا تصريح بنجاة الطائفة الأولى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقال في الطائفة الظالمة الواقعة في ما حرم الله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، هذه الطائفة الواقعة في المحارم. طيب، الطائفة الثالثة هذه سكت الله عنها، ولذلك قال العلماء: الجزاء من جنس العمل. فلما سكتوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سكت الله عنهم، فلم يذكرهم لا بنجاة ولا بهلاك، لم يذكرهم في هذه الآيات لا بعذاب ولا بهلاك ولا بنجاة. فلذلك اختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم: هل هلكوا أو نجوا؟ هل هلكوا مع الطائفة الهالكة أو نجوا مع الطائفة الناجية؟ قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "والظاهر - وهذا كله اجتهاد من العلماء - أنهم كانوا من الناجين؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت". هذا وجه واجتهاد من بعض العلماء. ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي يرى أنهم من الناجين؛ لأن هؤلاء غير راضين عن فعل المعتدين الظالمين، واكتفوا بنهي الطائفة الأولى لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ليس فرض عين على كل أحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فإذا قامت الطائفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط الإثم عن بقية الناس الذين لم يقعوا في هذا المنكر ولم يرتضوه. وهذه الطائفة الساكتة لم يرتضوا هذا المنكر، بدليل ماذا؟ بدليل قولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. فأبدوا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعل هؤلاء الظالمين، لأنهم قالوا: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ هم لا يرتضون لأنفسهم الهلاك، ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هم لا يرتضون لأنفسهم العذاب، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة. فهذا استظهار واجتهاد من بعض المفسرين إلى أن هؤلاء من الناجين. ومنهم من قال: الله أعلم، نسكت عن مصيرهم كما سكت الله عز وجل عنهم، والله تعالى أعلم. قال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي قسوا فلم يلينوا، وعتوا: عتوا من العتو وهو القسوة والإصرار على الظلم. ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ أي قولا قدريا، قولا قدريا؛ لأن الله عز وجل أوقع بهم ذلك قدراً، وهو ماذا؟ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي كونوا قردة ذليلين حقيرين، فانقلبوا بإذن الله قردة، وأبعدهم الله من رحمته. فهذه كانت عقوبتهم. وذكرت هذه القصة أيضاً في سورة أخرى وهي سورة البقرة. هذه في سورة الأعراف القصة بطولها: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، هذا في سورة الأعراف. وذكرت هذه القصة مختصرة أيضاً في سورة البقرة في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. نعم، فهذه كذلك الآيات في هذه القصة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أي يا أهل الكتاب، ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي ظلموا بوقوعهم فيما حرم الله عز وجل عليهم، وكانوا يحتالون في الاصطياد في يوم السبت. فلما وقعوا في هذه المخالفة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي ذليلين. ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ أي هذه القرية أو هؤلاء الذين وقعوا في تلك المحارم، فجعلناهم نكالاً. ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي عقوبة ظاهرة، عقوبة ظاهرة لمن كان في زمنهم ولمن جاء بعدهم. فأصبح الناس يتناقلون خبر هؤلاء الظلمة، يتناقلون خبر هؤلاء الظلمة، وأنهم - والعياذ بالله - أصبحوا القردة بعدما كانوا بشراً سويا، بعدما كانوا بشراً سويا. ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي المؤمن يتعظ بمثل هذا القصص القرآني. وهذا من فوائد القراءة في قصص القرآن: أخذ الموعظة وأخذ العظة. فكما أن في هذه القصة قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾، قال سبحانه وتعالى في آخر سورة يوسف وبعد ذكر هذه القصة بتفاصيلها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. انظر لأهل العقول الراجحة المستقيمة، فهي عبرة وعظة لأهل الإيمان، لأهل الإيمان. فينبغي للمسلم أن يطالع هذا القصص، وأن يعتني به قراءة وتدبراً، وأخذاً بما فيها من العلم ومن المواعظ ومن التذكرة ونحو ذلك. وهذه القصة فيها فوائد عدة ذكرها المعلق على هذا الكتاب، فنؤجل هذه الفوائد إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر