الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 89، ألقاها
يناقش المقطع مسألة الاحتجاج بالآيات القرآنية على ترادف الإسلام والإيمان ويخلص إلى عدم صحة هذا الاحتجاج. كما يتناول آراء العلماء في مسألة الاستثناء في الإيمان.
يناقش المقطع حكم الاستثناء في الإيمان ويستعرض آراء العلماء المختلفة حول هذه المسألة. يُبين المقطع الأدلة الشرعية التي يستند إليها كل طرف في هذا النقاش.
يناقش المقطع صحة الأحاديث النبوية ووجوب العمل بها، ويرد على الشبهات التي تثار حولها مستندًا إلى الآيات القرآنية وأقوال السلف وأئمة الإسلام.
يشير المقطع إلى تفاوت قوة التصديق بين الأفراد مع اتفاقهم في أصل التصديق. ويختم الدرس بدعاء يسبح الله ويطلب المغفرة والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وَأَمَّا الْاِحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على ترادف الإسلام والإيمان، فلا حجة فيه؛ لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان، ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا نبارك فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فكما ذكر أن احتجاج من احتج بقول الله جل وعلا: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على أن الإيمان والإسلام مترادفان، هذا ليس بصحيح؛ بل الصحيح ما تقدم من أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. وفي هذه الآية دلالة على أن هذا البيت كان مسلمًا مؤمنًا؛ لذا قال الله جل وعلا في الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فهم مسلمون ومؤمنون؛ فهم مؤمنون ومسلمون. قال رحمه الله: والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة رحمه الله، وإنما هي من الأصحاب. فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنيفة. وقد حكت طحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما رووا له حديث: «أي الإسلام أفضل؟» إلى آخره، قال له: ألا تراه يقول: «أي الإسلام أفضل؟» قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان، فسكت أبو حنيفة. فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: بما أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: ومن ثمرات هذا الاختلاف مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول أي الرجل: «أنا مؤمن إن شاء الله». والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. منهم من يجيزه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار. وهذا أصح الأقوال. قال رحمه الله: أما من يجيبه فلهم مأخذان. أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا باعتبار الموافاة. وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرًا، ليس بإيمان؛ كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب. قال رحمه الله: وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم. وعند هؤلاء: أن الله يحب في الأزل من كان كافرًا إذا علم منه أنه يموت مؤمنًا. فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه، وإن كان لم يكفر بعد. وليس هذا قول السلف، ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد؛ فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فأخبر أنه يحبهم إن اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط يتأخر عن الشرط. قال رحمه الله: المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله. فإذا قال الرجل: «أنا مؤمن» بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه. فيكون من أولياء الله المقربين. وهذا من تزكية الإنسان لنفسه. ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال. قال رحمه الله: ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء لما لا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿أَتَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم حين وقف على المقابر: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله». ونضائر هذا. قال رحمه الله: وأما من يحرمه، فكل من جعل الإيمان شيئًا واحدًا، فيقول: «أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين». فقولي: «أنا مؤمن» كقولي: «أنا مسلم». فمن استثنى في إيمانه، فهو أشك فيه. وسموا الذين يستثنون في إيمانهم الشكاكة. قال رحمه الله: وأجاب عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه. وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت. قال رحمه الله: وفي كلا الجوابين نظر؛ فإنهم وقعوا فيما فروا منه. فأما الأمن والخوف، فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه بذلك، فلا شك في الدخول ولا في الأمن. ولا في دخول الجميع أو البعض؛ إن الله قد علم من يدخل، فلا شك فيه أيضًا. فكان قوله: «إن شاء الله» هنا تحقيقًا للدخول؛ كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله: «لا محالة والله لأفعلن كذا إن شاء الله». لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين؛ لأنه لا يجزم بحصول مراده. قال رحمه الله: وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو أنه قال ذلك تعليمًا لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل. وفي كون هذا المعنى مرادًا من النص نظر؛ فإنه ما سبق الكلام له إلا أن يكون مرادًا من إشارة النص. قال رحمه الله: وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُ الْإِسْتِثْنَاءَ وَتَرْكَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُسْتَثْنِي الشَّكَّ فِي أَصْلِ إِيمَانِهِ، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. قال رحمه الله: وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، فالاستثناء حينئذ جائز. قال رحمه الله: قوله رحمه الله تعالى: «وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق». وقوله: «جميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان كله حق»؛ كما ذكر الشارح بقوله: «يشير الشيخ رحمه الله تعالى بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة». قال رحمه الله: وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان. كما أشار إليه الشيخ رحمه الله، وكما قال المخارمي رحمه الله: «سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي رحمه الله، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟ تراني على وسط زنار؟ أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: ما تقول أنت؟». قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملًا به وتصديقًا له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر. قال رحمه الله: ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع؛ كخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات». وخبر ابن عمر: «نهى عن بيع الولاء وهبته». وخبر أبي هريرة: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها». وكقوله: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». وأمثال ذلك. قال رحمه الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل رسوله آحادًا، ويرسل كتبه مع الآحاد. ولم يكن المرسل إليهم يقولون: لا نقبله لأنه خبر واحد. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِينِ كُلِّهِ﴾، فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه؛ لئلا تبطل حججه وبيناته. قال رحمه الله: ولكن النفات قد جعلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مستندًا لهم في رد الأحاديث الصحيحة. فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعت خواطرهم وأفكارهم، ردوه بليس كمثله شيء؛ تلبيسًا منهم، وتدليسًا على من هو أعمى قلبًا منهم، وتحريفًا لمعنى الآية عن مواضعها. قال رحمه الله: ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله، ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام؛ أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين. قال رحمه الله: وقوله: «وأهله في أصله سواء». والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. وفي بعض النسخ: «بالخشية والتقى» بدل قوله: «بالحقيقة». ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.