الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 57، ألقاها
يجب على المسلم التسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والانقياد له دون معارضة. يجب توحيد المرسل بالعبادة وتوحيد متابعة الرسول بالتحكيم والتسليم.
يجب التسليم لما جاء به الوحي من الإخبارات والأحكام، ولا يصح أن يقال على الله بغير علم. كتاب الله وسنة رسوله يجب أن يكونا المرجع في الحكم على الأقوال والأفكار.
يجب على المسلم التسليم لما جاء به الرسول دون معارضة أو جدل بغير علم. المعارضة بسبب الجهل أو التأويل تنقص من الإيمان بحسبها.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخبر باطل نسميه معقولا، أو نحمله شبهة أو شكا، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم. فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول. فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه. فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإنه إن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلا وحملا. فقال: نؤوله ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خل الإشراك بالله خيرا له من أن يلقاه بهذه الحال. بل إذا بلغه الحديث الصحيح، يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟ بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله من غير التفات إلى سواه. ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله. ولا يعارض نصه بقياس، بل نهدر الأقيسة ونتلقى نصوصه، ولا نحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا. نعم، هو مجهول وعن الصواب معزول. ولا يوقف قبول قوله على موافقة فلان دون فلان، كائنا من كان. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: فكما ذكر الشارح رحمه الله تعالى أن الواجب على كل مسلم يؤمن بالله رب العالمين ويؤمن برسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وجوبا أن يسلم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يجب عليه وجوبا أن يسلم لأمر الله رب العالمين. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه، فما جاء به الرسول إنما هو من الله. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، وقال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. فالله جل وعلا وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه مبلغ وأنه منذر وأنه رسول من الله. فمن كان يؤمن بالله حقا وجب عليه أن يؤمن بكل ما جاء عن الله جل وعلا على مراد الله، وأن يؤمن بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا لا بد منه، لا يعترض على ما جاء عن الله ولا ما جاء عن رسول الله بآرائه ولا بأهوائه ولا بقول شيخه ولا بقول طائفته ولا بقول جهة من الجهات، بل الكل يجب أن يكونوا محكومين لله ورسوله. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. ما كان أحد إذا قضى الله جل وعلا في أمر ما حكما، أو رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر ما حكما، وجب الأخذ والإيمان. بل ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وأي مشاققة فوق هذه المشاققة؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس ليس بينكم وبينه سحاب». وهذا يقول: إننا لا نرى ربنا جل وعلا، بل الرؤية مستحيلة والرؤية ممتنعة في حق الله جل وعلا. أي مشاقة فوق هذه المشاقة؟ وآخرون يقولون: يرى ربنا جل وعلا، لكن لا من جهة. أين هؤلاء من هذه الأدلة الواضحة الصريحة القطعية؟ الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم في آيات أخرى من آيات الصفات: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يَنْفُقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾. إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة المتكاثرة الدالة على هذا المعنى. وهؤلاء يقولون: لا نثبت لله جل وعلا شيئا من الصفات. لماذا؟ لأن هذا لا يليق في حق الله جل وعلا. أين هؤلاء من هذه النصوص الواضحة الظاهرة الصريحة من الله رب العالمين؟ وهو أعلم بنفسه جل وعلا. ومن الرسول الأمين، وهو أعلم الخلق بربه. وأين هم كذلك من أقوال السلف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، الذين سمعوا التنزيل وعلموا فقه وتأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلم يؤثر عن أحد منهم قط حرف واحد أنه خالف الظاهر الذي عليه النصوص. فأي تهمة بعد هذا في حق هؤلاء الصحابة بأنهم لم يبينوا؟ وأي تهمة بعد ذلك كذلك في حق الرسول الأمين في أنه لم يبين؟ وأي تهمة بعد ذلك في حق الله جل وعلا وأنه أراد التعمية على الخلق ولم يرد بهم الهداية والبيان؟ وإنما أراد من كتابه الذي هو الشفاء والذي هو نور والذي هو ضياء والذي فيه كل خير، أراد بذلك الكتاب على زعم هؤلاء الضلال والإضلال. فأين هؤلاء؟ كيف حال هؤلاء إذا وقفوا بين يدي الله جل وعلا غدا؟ فهذه كما هو واضح مشاقة عظيمة لله رب العالمين، وطعن فيه سبحانه وتعالى، وطعن في رسوله الكريم، وطعن كذلك في صحابته رضي الله عنهم أجمعين. فلا يسلم الإنسان أبدا حتى يسلم لله رب العالمين، كما أنه يسلم له في الأوامر والنواهي. يجب كذلك عليه أن يسلم له في الإخبارات، فإنه خبر صادق وخبر صدق. خبر الله جل وعلا وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك خبر الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض قال: حدثنا أبو حازم عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمرا نعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض. إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا. فما عرفتم منه فأعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه». وهذا الحديث كما ذكر الشيخ البير رحمه الله تعالى: قال صحيح، وهو من سلسلة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي سلسلة حسنة. والحديث فيه هذا الأمر: أن الناس إذا جلسوا يضربون كتاب الله جل وعلا بعضه ببعض هلكوا. بل الواجب أن يصان كتاب الله جل وعلا عن كل نقص أو عن كل ما يظن فيه الاضطراب والتناقض. وأن الإنسان إذا ظن فيه بعض الآيات شيئا من التعارض، وإنما ذلك من قصور وتقصير عنده لا في كتاب الله جل وعلا. وإلا فإن كتاب الله جل وعلا يصدق بعضه بعضا ويؤيد بعضه بعضا، فهو تنزيل من حكيم حميد. ولو أنه كان من عند غير الله جل وعلا لكان فيه اختلافا كثيرا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. مفهوم الآية: أن الكتاب لما كان من عند الله رب العالمين لم يكن فيه اختلاف. وإنما قد يحصل اختلاف في نظر الناظر لا في حقيقة الأمر ولا في نصوص الكتاب، وإنما هو في نظر الناظر. قال رحمه الله تعالى: ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إعلام الموقعين: فائدة جليلة، وهي أن الله جل وعلا رتب الذنوب والآثام في هذه الآية الأخف فالأشد فالأشد أشد. فجعل أشد الذنوب وأعظم الذنوب القول عليه بغير علم. أي جعله رتبة فوق رتبة الإشراك بالله رب العالمين. وذلك لأن القائل على الله رب العالمين بغير علم نصب نفسه منصب الرب جل وعلا. فقال: هذا يجوز في حق الله، وهذا لا يجوز، وهذا يمتنع، وهذا محال. وما شابه ذلك. فقد نصب نفسه متقولا على الله جل وعلا فيما يجب وفيما يمتنع وفيما يجوز وفيما لا يجوز. سواء كان في أمره ونهيه، أي في الأمور الشرعية. أو كان في الأمور العقدية. والمشرك دونه، لأن المشرك من جعل مع الله إلها آخر يتعبد إليه ويتقرب إليه. بخلاف المتقول على الله، فإنه جعل نفسه في منزلة الرب جل وعلا فيما يحل وفيما يحرم وفيما يجوز على الله وفيما لا يجوز على الله جل وعلا. لذا كان إثمه أشد. وتأمل معي مثالا حتى تتضح هذه المسألة. فأحد الناس يقول: فرعون قال: «أنا ربكم الأعلى». فقال أتباعه: هذا يجوز، وهذا لا يجوز، وهذا حق، وهذا باطل. فنصب نفسه منصب الرب جل وعلا. بينما أتباعه أشركوا به مع الله. فكان المشرك دون المتقول على الله. قال رحمه الله تعالى: فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه. فيصدق بأنه حق. وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه. فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل. أي أنه يجعل الحكم كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وتعرض على الكتاب والسنة كل الأقوال وكل الآراء وكل الرجال. فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو باطل. ولا يفعل بالعكس. أهل الأهواء يجعلون الأهواء أو أقوالهم أو أقوال أشياخهم هي الأصل. ثم ينظرون إلى كتاب الله جل وعلا هل وافق أم لا؟ فإن لم يوافق رد كتاب الله وأخذوا بما زعموا بأنه أصل. قال رحمه الله تعالى: فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل. وإن لم يعلم هل خالفه أو وافقه، يكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه. أو قد عرف مراده، لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه. فإنه يمسك عنه ولا يتكلم إلا بعلم. والعلم ما قام عليه الدليل. والنافع منه ما جاء به الرسول. وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية مثل الطب والحساب والفلاحة. وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية، فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا غيره. وفي هذه الجملة عدة فوائد: منها أن كل قول يعرض على كتاب الله جل وعلا، فإما أن يكون موافقا فهو حق. وإما أن يكون مخالفا فهو باطل. وإما أن لا يتضح هل هو مخالف أو موافق للإجمال فيه. فيمسك عنه. قال الحق وترك الباطل. فإن لم يستطع أمسك عن القول والكلام في ذلك المجمل. ثم بين رحمه الله تعالى أن ذلك يكون في الأمور الإلهية، أي في الأمور الشرعية. سواء كانت الأوامر والنواهي أو كانت الإخبارات. تعرض على كتاب الله وسنة رسوله. وأما العلوم الدنيوية كالطب والحساب ونحوها مما هي مفيدة في دنيا الناس ومعاشهم، فإن الناس أعلم بذلك. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام». قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين وينقاد إليها. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب رحمه الله أنه قال: «من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». وهذا كلام جامع نافع. قال رحمه الله: وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد. بل هو دون ذلك بكثير. فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا أبدا. يعني: العالم العامي قد يجتهد، يسأل في بداية أمره يكون جاهلا، يسأل العالم ثم يطلب العلم فينفع الله به. فإذا عرف العامي المقلد عالما فدل عليه عامي آخر، ثم اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال. قال رحمه الله: فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا. فإذا عرف العامي المقلد عالما، فدل عليه عامي آخر. يعني: قال العامي الذي هو العقل: هذا عالم، فاستفته وأخذ ما عنده من العلم. قال رحمه الله: فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي، لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتن. فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتن. فلزم القدح في فرعه. فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له بأنه مفتي ودللت عليه، شهدت له بوجوب تقليده دونك. فموافقتك له في هذا العلم المعين لا تستلزم موافقتك له في كل مسألة. وخطأت فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك. لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتي. قال رحمه الله تعالى: والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ. فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره. وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام: أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن الذي تلقيه علينا والحكمة التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا. ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا. فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك، لكان قدحا فيما علمنا به صدقك. فنحن نعتقد موجب الأقوال الناقضة لما ظهر من كلامك. وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هدى ولا علما. لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنا بما جاء به الرسول. قال رحمه الله تعالى: فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا. الثاني باطل، وإن كان قد تكلم بما يدل. ومن قال بالثاني كفر. أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم بالباطل. قال رحمه الله تعالى: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق بألفاظ مجملة محتملة. فما بلغ البلاغ المبين؟ إذن يكون طاعنا في تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمره الله جل وعلا بتبيينه. في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. وإن لم تفعل فما بلغت رسالة الله. فلازم هذا القول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ رسالة الله جل وعلا. وهذا باطل. إذ أن الله جل وعلا هو القائل سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فدلت هذه الآية على أن الله جل وعلا أكمل الدين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين. قال رحمه الله تعالى: وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم. أي يوم الحج الأعظم، كما في حديث جابر في صحيح مسلم. حينما قال: «أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فماذا أنتم قائلون؟» فقالوا: «نشهد أنك بلغت البلاغ المبين». فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه إلى السماء، ثم ينكثها إليهم ويقول: «اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد» ثلاثا. فهؤلاء العدول شهدوا له صلى الله عليه وسلم بأنه بلغ البلاغ المبين. ودل على هذا كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع السلف. قال رحمه الله تعالى: فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين، فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم. وكفى بهذه فرية أن يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ عن الله جل وعلا رسالته. وهذا من أعظم الفرية على الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. قال رحمه الله تعالى: هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين بغير علم. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾. رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال علام الألباني كما في الحاشية: حسن، كما قال الترمذي. وكذلك حسنه شيخ العلامة الوادعي في كتابه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، أو يقلد ذا رأيه وهواه بغير هدى من الله. فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول. فإنه قد اتخذه في ذلك إلها غير الله. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. أي عبد ما تهواه نفسه. وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق. كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله عليه: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها قال رحمه الله تعالى: فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك. والرهبان، وهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة. وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف. وهذا كما تقدم يدلنا على أن المعارض لكتاب الله جل وعلا قد تكون سببا لانسلاخ الإنسان أو المسلم عن دين الله رب العالمين. ولا سيما إن استحل ذلك. أما إن كان عن جهل أو عن تأويل أو ما شابه ذلك، فإنه ينقص من إيمانه بحسب تلك المعارضة. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.