الدرس في شرح الفتوى الحموية 5، ألقاها
يؤكد شيخ الإسلام على أهمية اتباع ما ورد في الكتاب والسنة في وصف الله تعالى، وأن باب الأسماء والصفات توقيفي. يُشدد على أهمية الإثبات والنفي بدليل من الكتاب والسنة.
يتبع السلف ما ورد في الكتاب والسنة دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، ويؤكد على أهمية فهم السلف للكتاب والسنة كمرجع لما هو صحيح. يُوضح أن الله له صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين.
يرد المقطع على المعطلين الذين ينفون صفات الله بحجة أنها لا تليق بالله، ويوضح منهج السلف في الصفات الإلهية. يُؤكد أن العقل الصحيح يوافق النقل الشرعي، وأن الله تعالى خاطب العقول السليمة في كتابه الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصلٌ، ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: فصلٌ، والعلماء رحمهم الله تعالى يستخدمون مثل هذه التعبيرات: فصلٌ أو بابٌ أو ما شابه ذلك، للفصل بين موضوع وآخر. فقوله رحمه الله تعالى: فصلٌ، للفصل بين المقدمة وما شرع فيه من المراد من هذا الكتاب. وبعد أن بيّن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما بيّن في المقدمة مما يجب على المسلم أن يأخذ به في باب العقائد وغيرها من أبواب دين الله، ومن الله جل وعلا بيّن هاهنا رحمه الله تعالى بأن القول الشامل في جميع هذا الباب، أي الذي يشمل جميع ما يدخل في هذا الباب، قال: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث. وها هنا يقرر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة، وما أجمع عليه سلف هذه الأمة من أن باب الأسماء والصفات توقيف، لا يتعدى الكتاب والسنة. وهذا أمر مجمع عليه، نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء والأئمة رضي الله عنهم وأرضاهم. وممن نص على الإجماع الإمام أبو نصر السجزي رحمه الله تعالى في رسالته إلى أهل زبيد المعروفة بالحرف والصوت، وكذلك نقل الإجماع الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى كما في كتابه التمهيد، ونقله غير واحد من أهل العلم. فباب الأسماء والصفات توقيفي، ومعنى توقيفه أنه متوقف في ثبوت شيء لله جل وعلا أو نفيه على النص من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نفيًا وإثباتًا. قد يقول قائل: قد علمنا ما معنى الإثبات، أي أن نثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه على الوجه اللائق بالله جل وعلا. بقي ما معنى النفي؟ الجواب: أننا لا ننفي عن الله جل وعلا شيئًا ليس عندنا فيه برهان إلا بدليل، في الأشياء التي هي ليست بنقص، فلا ننفيها مطلقًا إلا بدليل. إذا جاء إنسان فقال لنا: هل نثبت لله جل وعلا صفة من الصفات، مثلًا صفة المماثلة بالعرش؟ ما ثبت عندنا دليل على ثبوت هذا الوصف لله جل وعلا، هل ننفيه؟ الجواب: لا ننفيه أيضًا، بل نتوقف في ثبوته لعدم الدليل على إثباته ولا على نفيه. هذه قاعدة يا جماعة: لا نثبته إلا بدليل، ولا ننفيه إلا بدليل، إلا أن يتضمن ذلك اللفظ نقصًا في حق الله جل وعلا، فها هنا ننفيه لذلك النقص، لأن الله جل وعلا منزه عن كل نقص وعيب. قد يقول قائل: قد تقرر ونقل الإجماع أن باب الأسماء والصفات لا يتعدى الكتاب والسنة، فكيف نرى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هاهنا يقول: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون؟ هل معنى هذا أن ما وصفه به السابقون الأولون يكون نثبته وصفًا لله جل وعلا؟ الجواب: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أراد بذكر السابقين الأولين هاهنا بأن السابقين الأولين لا يتجاوزون الكتاب والسنة في إثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. وما لم يكن كذلك فإنهم لا يثبتونه. الفائدة من ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لهذا: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أراد أن يقرر ما هو مقرر عند علماء أهل السنة والجماعة أن الكتاب والسنة يفهم بفهم سلف الأمة. فما أثبته السلف من كتاب الله جل وعلا وفهموه، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهموه، فإنه هو الفهم الحق، وما سواه فإنه باطل. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يتجاوز القرآن والحديث. ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه. ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. إذن هم متبعون لا مبتدعون، وهم أعلم الناس بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم بمراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل من جاء بعدهم. وقوله رحمه الله تعالى: من غير تحريف، التحريف كما مر معنا أنه يطلق على إخراج اللفظ عن معناه المتبادر إلى معنى آخر لغير ما قرينة. والتحريف على قسمين: تحريف لفظي وتحريف معنوي. التحريف اللفظي حصل عند بعض كبار الأشرار من المبتدعة، أن بعضهم حاول أن يحرف القرآن. والتحريف المعنوي هو مسرح أهل الأهواء والبدع من المعطلة، الذين ينظرون إلى كتاب الله جل وعلا بأن الظاهر والتشبيه والكفر، فيخرجون الألفاظ عن ظاهرها إلى معان أخرى وضعتها لهم عقولهم الفاسدة. وقوله رحمه الله: ولا تعطيل، والتعطيل من عطل الشيء إذا أفرغه. ومعنى التعطيل كما ذهب ووضح ذلك بعض أهل العلم أن معناه أن يعطل النص عن معناه، فلا يفهم من النص معنى. وقوله رحمه الله: ومن غير تكييف ولا تمثيل، والفرق بين التكييف والتمثيل أن التكييف هو تشبيه الشيء بشيء لا حقيقة له في الواقع. والتكييف هو أن تجعل للصفات كيفية معينة. والتمثيل هو تشبيه صفات الله جل وعلا لصفات خلقه. والكل ممثل ومعطل ومحرف، فكل ممثل مكيف، وكل مكيف ممثل، لأن الكل جعلوا لصفات الله جل وعلا صفة معينة، ومثلوهم بغيره. قال رحمه الله: ويعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه. الأصل أن الإنسان إذا تكلم بكلام مع غيره، هل الأصل أن يحمل الكلام على ظاهره أو يحمله على معنى غير الظاهر؟ الأصل أن يحمل على الظاهر. فكيف بكلام الله جل وعلا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو ليس فيه لا لغز ولا أحاجي، بل هو كما قال رحمه الله تعالى: كلام رسول الله من أعلم الخلق بالله جل وعلا، ومن أفصح الخلق في بيان العلم. قال رحمه الله: وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله. فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. قال رحمه الله: وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه. ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، والافتقار المحدث إلى محدث، ووجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فيعطل أسماءه الحسنى وصفاته العليا. قال رحمه الله: وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل. أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولًا وعطلوا آخرًا. قال رحمه الله: والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه، استواء يليق بجلاله ويختص به. فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم. وكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها. وعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلًا. قال رحمه الله: فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش لزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان. الحاصل من هذا أن العقل الصحيح لا ينافي النقل الصحيح، بل يقره ويؤيده. وكل عقل خالف النقل فهو عقل ليس بصحيح، بل ملوث، لأن الله جل وعلا في كتابه الكريم خاطب العقول السليمة الصحيحة المستقيمة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.