الدرس في شرح الفتوى الحموية 16، ألقاها
ينقل ابن تيمية عن عبد القادر الجيلاني اعتقاده بأن الله واحد أحد ومستو على العرش، مؤكداً أنه على عقيدة أهل السنة والجماعة. يُبين ابن تيمية موقف الجيلاني من صفة العلو الإلهي.
يشرح المقطع عقيدة السلف في إثبات صفة الاستواء والعلو لله، مستدلين بالقرآن والسنة، ويشير إلى اتفاق الأنبياء على هذه العقيدة. يُبين أهمية الإيمان بهذه الصفات دون تأويل أو تشبيه.
يناقش إثبات صفة اليدين لله واستدلال أهل السنة بذلك، ويبين إجماع علماء السلف على الإيمان بالصفات الواردة في النصوص الشرعية. يشير إلى عدم تفسير المتقدمين للآيات المتعلقة بالصفات الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، قال في كتاب الغنية: أما معرفته سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، لا يزال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ينقل عن كتب هؤلاء الذين يصفهم الصوفية بأنهم من مشايخهم، وأنهم من ساداتهم ورؤسائهم. وهذا التقرير منه رحمه الله تعالى لما عليه أهل الطريقة منهم، من أنهم يعتقدون عقيدة أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله جلاء وعلا وصفاته. ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لما كان السائل والسؤال من أهل حماة، وكان التصوف والتشيع فاشيا بينهم، احتاج رحمه الله تعالى إلى كتب هذه العقيدة، وذكر النقولات الكثيرة عن هؤلاء الذين نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لتقرير المراد، وأن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب أئمتهم من أهل الإنصاف منهم. ومذهب المنصفين ممن يعتقدون فيهم الإمامة، ومنهم عبد القادر الجيلاني، والصوفية يجعلونه من كبار السادات والأولياء، ويذكرون عنه أشياء فيها مبالغة، حتى جروه إلى أنهم من أهل الطريقة، ومن أهل الغلو في الصالحين، وفي قبور الصالحين، إلى غير ذلك. والرجل بحسب ما ترجم له من تراجم يذكر أنه عن هذا الأمر بريء، فهو بريء مما نسب له، ويعتبر من علماء السنة، وإن كان كما سمعتم ينسبه إليه الصوفية نسبة عظيمة، وينتسبون إليه، ولكن الحق هو ما سمعتموه. لذا كما ترون ما ذكره شيخ الإسلام، قال: ومن متأخريهم الشيخ الإمام، وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأنه إمام. وهناك رسالة طبعت في عقيدته، في عقيدة أبي محمد عبد القادر الجيلاني، دراسة بحث يعني رسالة علمية، ظهر ماجستير أو دكتوراه، وخلص صاحبها بهذا المعنى من أنه على العقيدة الصحيحة، وإن وقعت منه بعض الأشياء. قال رحمه الله: ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي الجيلاني، قال في كتاب الغنية: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد، إلى أن قال: وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. قوله رحمه الله: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد، وهذا أمر معلوم عند كل ذي لب سليم وفطرة مستقيمة. قال إلى أن قال: وهو بجهة العلو، والجهة كما مر معنا في القاعدة التدمرية، صارت عند المتأخرين من الألفاظ المجملة، لأن الجهة قد تطلق ويراد بها الجهة المخلوقة، وقد تطلق ويراد بها الجهة التي خارج العالم، فوق هذا العالم. فالمعنى الثاني صحيح، أن الله جل وعلا بالعلو بهذا الاعتبار، والمعنى الثاني هو الذي أوقع الإشكال عند المبتدعة، فقالوا: بأن الله جل وعلا ليس في السماء، لماذا؟ قال: لأن لو قلنا في السماء سنقول بأنه في جهة، والجهات مخلوقة، وما كان يحيط به، ومن كان يحيط به مخلوق، فلا يصح أن يكون خالقا. فإذن لغض الجهة يترك لأجل هذا المعنى، فيقال: وهو في العلو، مستوى على عرشه، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه. وقوله: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. قال: ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. قوله رحمه الله تعالى: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف. أي أن الأنبياء متفقون من أولهم إلى آخرهم على أن الله جل وعلا في العلو الأعلى، جل وعلا، فهو في العلو كما أخبر عن نفسه جل وعلا بذلك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، والآيات في ذلك كثيرة ومتنوعة. وقوله رحمه الله تعالى: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على نبي أرسل بلا كيف، إلى آخر كلامه، يشير إلى أن الأنبياء كلهم يدعون إلى هذه الدعوة. ومن أوضح ذلك ما جاء في كتاب الله جل وعلا إخبارا عن موسى عليه السلام، حيث أو إذ سأله فرعون عن ربه جل وعلا، وأخبره أن الله جل وعلا في السماء، فكان من قوي فرعون قال لوزيره هامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾. فالشاهد أن موسى عليه السلام كان يدعو إلى الله جل وعلا، ويخبر أن الله جل وعلا في السماء، لذا يقول فرعون متهكما مستكبرا عن الحق: يا هامان ابني لي صرحا، أي مكانا عاليا مرتفعا، لأجل ماذا؟ أن يطلع على إله موسى، أين يطلع عليه؟ في السماء، في العلو. وهذا فيه دلالة على أن الأنبياء كانوا يخبرون من يدعونهم إلى أن الله جل وعلا في السماء. وقوله: مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، قوله بلا كيف، كما تقدم معنى مرارا، لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، لا يعلمها إلا الله جل وعلا. وقوله: في كل كتاب مذكور، ليس معناه الاستدلال بكتب الأولين، ولكن معناه أن كتاب الله جل وعلا، بل وكتب الله جل وعلا كلها من أولها إلى آخرها، تدعو إلى هذا المعنى، كما أن رسل الله جل وعلا من أولهم إلى آخرهم يدعون إلى هذا المعنى. وكأنه يقول: إن هذا الأمر مستقر معلوم، وإليه دعا جميع الرسل، وإليه أو به أنزل جميع الكتب، فهو أمر معروف ضروري. قال رحمه الله: وذكر كلاما طويلا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا. ولو ذكرت ما قاله العلماء في ذلك لطال الكتاب جدا. وقال أبو عمر: يعني كأنه يقول: اكتفي بإشارات عن بعضهم، ليس عن كلهم، إشارات عن بعضهم، وليس عن كلهم، إذ لو ذكر عباراتهم جميعا لطال المقام. والمقام كما ذكر رحمه الله تعالى أراد فقط ذكر عقيدة مجملة مختصرة. قال رحمه الله: وقال أبو عمر بن عبد البر: روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات، أنهم كلهم قالوا: أمروها كما جاءت. قال أبو عمر: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من نغل الثقات، أو جاء عن أصحابه رضي الله عنهم، فهو علم يدان به. وما أحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة. وقال في شرح الموطأ: لما تكلم على حديث النزول، قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذا من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش، من فوق سبع السماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان. قال: والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله... وذكر بعض الآيات إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار، لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم. أي: اضطرار، أي أنه أمر فطري، معرفة أن الله جل وعلا في السماء أمر فطري، لا يدفعه دافع إلا مكابر. النبي صلى الله عليه وسلم حينما سألت تلك الجارية السوداء التي كانت بعيدة عن العلم، راعية: أين الله؟ قالت: في السماء. أين الله؟ في السماء، بماذا أجابت؟ بعلم أم بالفطرة؟ أجابت بالفطرة التي فطرها الله جل وعلا عليها، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. قال رحمه الله: وقال أبو عمر بن عبد البر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، هو على العرش، وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك من لا يحتج بقوله. وهذا إجماع ينقل، وهذا الإمام رحمه الله تعالى هو إمام أهل المغرب في زمانه، من غير مدافعة، ينقل إجماع الصحابة والتابعين والذين حمل عنهم التأويل. قال: وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز. قال: إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. قال رحمه الله: وأما أهل البدع الجامية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرونها، ولا يحملون شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة، وهم المعتمد عليهم في هذا الباب، وفي غيره. قال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة، لورود خبر الصادق به. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: «يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه». ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: «أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده». وفي لفظ: «وكتب لك التوراة بيده». ومثل ما في الصحيح مسلم: «وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده». ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة». وذكر أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «بيده الأمر والخير بيده». والذي نفس محمد بيده، وإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. وقوله صلى الله عليه وسلم: «المقسطون عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين». وقوله صلى الله عليه وسلم: «يمين الله ملآ، لا يغيظها نفقة، سحاء الليل والنهار». أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، فإنه لم يغض ما في يمينه. قال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأحاديث في هذا الباب. وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.