الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 2، ألقاها
يبدأ الإمام النووي كتابه بالبسملة والحمد لله تعالى اقتداءً بكتاب الله وسنة رسوله، ويُبين أهمية البسملة للاستعانة بالله والحمد لله لذكر محاسنه مع المحبة والتعظيم. يُظهر المقطع الأهمية الدينية لهذين الفعلين في بداية الكلام.
يشرح المقطع أهمية الحمد والثناء على الله، ويبرز فضل الرسول صلى الله عليه وسلم في محو عبادة الأوثان وإكرام الله له بالقرآن المعجز. كما يتحدث عن معجزة القرآن وتحدي الله للإنس والجن لإتيان بمثله، مما يدل على عظمة القرآن وتأثيره.
يُبين أن القرآن يتميز بخصائص فريدة كونه كلام الله، حيث يحتوي على معانٍ متعددة تتجلى مع تكرار القراءة وتدبر الآيات، مما يبعث على الإيمان والطمأنينة. كما يشير إلى أن القرآن يسره الله للذكر والحفظ، ويتميز بثباته وعدم تحريفه.
يبدأ بشهادة التوحيد ويؤكد على أهميتها في نيل الغفران ودخول الجنة، ثم يصلي على النبي محمد ويختتم بالاستغفار والتسبيح، مما يعكس التأكيد على أهمية الإيمان والعبادات في الختام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الوارع الزاهد الضابط المتقن أبو زكريا يحيى محي الدين ابن شرف ابن حزام النووي رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الكريم المنان للطول والفضل والإحسان، الذي هدانا للإيمان وفضل ديننا على سائر الأديان، ومن علينا بإرساله إلينا أكرم خلقه عليه وأفضلهم لديه، حبيبه وخليله وعبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم. افتتح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الكتاب بمقدمتين: الأولى حقيقية، والأخرى إضافية نسبية. أما المقدمة الأولى، فهي افتتاحه لهذا الكتاب بالبسملة. وافتتاحه رحمه الله تعالى بالبسملة اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا افتتح سور القرآن كلها بالبسملة إلا سورة براءة. وسورة براءة منهم من قال بأن البسملة لم تذكر في أولها لأنها تابعة لسورة قبلها، أي تابعة لسورة الأنفال، ومنهم من قال أن البسملة لم تذكر فيها لأن الله جل وعلا افتتحها بالبراءة من المشركين، فناسب أن لا تذكر فيها البسملة. وكذلك اقتداءً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يفتتح رسائله التي يرسلها إلى الكبراء وإلى الملوك كان يفتتحها بالبسملة، وهو الأمر الذي استقر عليه عمل المصنفين رحمهم الله تعالى، كما نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على ذلك من أن المصنفين استقر الأمر عندهم على افتتاح كتبهم بالبسملة. الأمر الثاني، أو الإضافة، أو الابتداء الثاني، ابتدأ بالحمد له. والابتداء بالحمد له يسميه العلماء رحمهم الله تعالى ابتداءً نسبيًا إضافيًا إذا سبق بالبسملة، ويكون حقيقيًا إذا كان هو المبتدأ به أصلاً ورأسًا وحقيقةً. وكذلك الافتتاح بالحمد له اقتداءً كذلك بافتتاح الله جل وعلا سورًا من القرآن بالحمد لله، وكذلك اقتداءً بخطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يفتتح خطبه صلى الله عليه وسلم بالحمد لله والبسملة. معنى البسملة، أو الافتتاح بالبسملة، معناه أستعين بالله، لأن الباء في بسم الله للاستعانة على الصحيح، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الباء في بسم الله للاستعانة. ومعنى أستعين بما أقدموا أو أقدموا عليهم الكتابة والحمد له، أو الحمد لله، معناه الحمد: ذكر محاسن المحمود مع المحبة والتعظيم. فالإمام النووي رحمه الله تعالى افتتح كتابه هذا، وهو كتاب آداب التبيان في آداب حملة القرآن، افتتحه بهذا الأدب بالبسملة، ثم بالحمد له والثناء على الله جل وعلا. لأن ما ذكره في قوله: «الحمد لله الكريم المنان للطول والفضل والإحسان الذي هدانا إلى الإيمان» إلى آخر ما ذكره، هذا من الثناء على الله جل وعلا. وهذا مطلوب أن العبد إذا شرع في أمر أن يفتتح كلامه، أو إذا أراد دعاء يدعو الله جل وعلا يفتتح ذلك الدعاء بالحمد والثناء على الله رب العالمين جل وعلا. ثم كما ترون، عرج في هذه المقدمة كذلك إلى ذكر فضل الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم قال رحمه الله تعالى: «فمحى به عبادة الأوثان»، أي محى بإرساله الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبإرسال محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً مبلغًا عن ربه جل وعلا، فمحى به عبادة الأوثان. قوله «به» عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الضمير عائد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإن الله جل وعلا محى به، أي بسببه، عبادة الأوثان، لأنه هو الذي بلغ دين الله جل وعلا، وهو الذي جاهد في الله جل وعلا حق جهاده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أكرمه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهذا من إكرام الله جل وعلا لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إذ جعل لكل نبي معجزة وآية يعجز عن مثلها البشر، وجعل آية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، كما ثبت هذا المعنى عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لذا قال: «أكرمه صلى الله عليه وسلم بالقرآن»، وهو من المعجزات العظيمة، بل هو أعظم معجزة أوتيها نبي وأرسل بها رسول. قوله «أكرمه بالقرآن» كما يقول علماء البلاغة، هذا فيه معنى من معاني براعة الاستهلال، إذ أن هذا الكتاب في آداب القرآن، فمن براعة استهلاله رحمه الله تعالى أشار في مقدمة كتابه إلى فضل القرآن وأنه من أعظم، بل أعظم ما أكرم الله جل وعلا به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيه براعة استهلاله المؤلف رحمه الله تعالى، إذ أشار إلى الموضوع وإلى محتوى الكتاب في أثناء حمده وثناءه على الله جل وعلا وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم في مقدمته. قال «أكرمه صلى الله عليه وسلم بالقرآن المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان، التي تحدى بها الجن والإنس بأجمعهم، وأفحم بها جميع أهل الزيغ والطغيان». كما ذكر رحمه الله أن الله جل وعلا تحدى الجن والإنس أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فما استطاعوا، ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾، أي نصيرًا ومؤازرًا ومؤيدًا ومعينًا، لا يستطيعون؛ لأنه معجزة، مع أنه عربي وهم فصحاء العرب. ولكن الإعجاز أن القرآن كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا لا يشبهه أبدًا كلام البشر، الكلمة الواحدة والتركيب الواحد يدل على معان كثيرة، وكلما قرأه الإنسان وتأمل فيه وتدبر، كلما فوته عليه من أبواب العلم والإيمان والطمأنينة والانشراح والتعظيم والخشوع إلى غير ذلك من المعاني، ما لا يجده أبدًا في كلام البشر؛ لأنه كلام الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وجعله ربيعًا لقلوب أهل البصائر والعرفان»، أي القرآن جعله ربيعًا، كما جاء في حديث ابن مسعود عند أحمد: «وجعل القرآن ربيع قلوبنا»، فهو ربيع لأهل البصائر والعرفان، أي الذين يعرفون عظمة هذا القرآن ويعرفون عظمة الرحيم الرحمن جل وعلا. قال «لا يخلق على كثرة التردد وتغاير الأحيان»، أي لا يبلد، لا يخلق، أي لا يبلد على كثرة التردد وتغاير الأحيان. كل مسلم ممن وفقه الله جل وعلا للتأمل والتدبر والتفكر في كلام الله جل وعلا، إذا قرأ القرآن يمر عليه، يرجع إليه مرة أخرى، كأنه يقرأه لأول مرة، لما يرى فيه من العبر، لما يرى فيه من العظات، لما يرى فيه من العلوم، لما يرى فيه من الأحكام، لما يرى فيه ما به تنشرح الصدور وتطمئن القلوب، إلى غير ذلك. ما يقرأ المسلم القرآن، ولا سيما مع تدبر وتأني وتفكر وخلوة، إلا يجد من اللذة والانشراح والسكينة والاطمئنان، بل والخشوع وعلو الإيمان الشيء العظيم. وهذا شيء لا يجده الإنسان في غير كلام الله جل وعلا. نعم، قد يتأثر الإنسان بكلام بعض البشر، غير المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لكن إذا رجع إليه مرة ثانية، ثالثة، رابعة، صار الأمر معتادًا. لكن كلام الله جل وعلا، اقرأ السورة اليوم، وارجع إليها غدًا، تجد فيها من الطمأنينة والتدبر والخشوع والانشراح ما لا تجده في المرة السابقة. وهذا من مزايا كلام الرحمن جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ويسره للذكر حتى استظهره صغار الولدان». يسره الله جل وعلا، ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. ربنا تبارك وتعالى يسر القرآن، ومن يسر القرآن أن صغار الطلبة يستطيعون على حفظه بمرونة مع الأيام. وهذه ميزة لا تكاد تجدها في كلام البشر، الطفل تحفظه الآية والآية والآية، ما تمر به الأيام إلا ويحفظ ما يسر الله لهم من القرآن، هذا تحقيقًا لقول الله جل وعلا: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. قال: «وضمن حفظه من تطرق التغيير إليه والتحريف». إننا نحن نزلنا الذكر، وإن له لحافظًا، وهو محفوظ بحمد الله وفضله. مختلف الملوين، أي الليل والنهار، ووفقًا للاعتناء بعلوم من اصطفاه من أهل الحذق والإتقان، فجمعوا فيها من كل فن ما تنشرح له صدور أهل الإيقان. أحمده على ذلك، وغيره من نعمه التي لا تحصى، خصوصًا على نعمة الإيمان، وأسأله المنة علي وعلى جميع أحبابي وسائر المسلمين، برضوانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة محصلة للغفران، منقذة صاحبها من النيران، موصلة له إلى سكن الجنان. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى الإيمان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وشرف وكرم ما تعاقب الليل والنهار. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أستغفرك وأتوب إليك.