الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 26، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تثبت آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ صفتي السمع والبصر لله بعد نفي المثلية، مبينة أن نفي التشبيه لا يستلزم نفي الصفات بل نفي مشابهتها لصفات المخلوقين. ويرد على المعطلة والممثلة مؤكداً إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله، وأن لفظي السميع والبصير يدلان على المسمع والمبصر حقيقة لا مجرد الإدراك.
يشرح المقطع معاني اسمي الله (السميع والبصير) لغوياً وشرعياً، موضحاً أن السميع يدل على الإحاطة بجميع المسموعات وإجابة الدعاء، والبصير على الإحاطة بجميع المرئيات. ويفرق بين كون السمع والبصر صفتي ذات ثابتتين أزلا، وبين كونهما صفتي فعل تتعلقان بالمشيئة كالنصر والوعيد، مقراً منهج السلف في الإثبات على الوجه اللائق دون تمثيل.
يناقش المقطع حديث إشارة النبي ﷺ إلى أذنيه وعينيه عند قراءة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، مبيناً أن المراد تحقيق صفة السمع والبصر حقيقة لا علماً فقط، ويرد تأويل المعطلة والأشاعرة الذين يجعلونهما بمعنى العلم. وينبه إلى عدم فعل هذه الإشارة أمام العوام مخافة التشبيه، مؤكداً ثبوت الإثبات بالنص دون تكييف أو تمثيل.
يوضح المقطع أن آية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ تدل على السمع والبصر لا على صفة العين، وأن إثبات العينين ثابت بالقرآن في آيات مثل ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وحديث الدجال: «إن ربكم ليس بأعور». بينما حديث «يقوم العبد بين عيني الله» ضعيف جداً لا يُحتج به.
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ذكر شيخ الإسلام في هذا الموضع قول الله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. وهذه الآية ذكرها تعالى لإثبات اسمين من أسماء الله وهما السميع والبصير، وإثبات صفتي السمع والبصر. فذكر هاتين الآيتين: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، والآية الأخرى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾. ذكر الشارح له الرحمة رحمه الله: قوله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ إلى آخره، دل على إثبات صفتي السمع والبصر له سبحانه بعد نفي المثل، يعني بعد نفي المثل ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أثبت لنفسه جل وعلا السمع والبصر، للدلالة على أنه ليس المراد من نفي المثل نفي الصفات؛ لأن إذا كان المراد نفي الصفات لما قال: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. إذا كان المراد بقوله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ نفي الصفات، لما قال: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، لأن قوله ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ إذا كان... إذا كان قوله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ المراد به نفي الصفات، يناقض... لا يناقض قوله ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾؟ يناقض قوله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ إذا كان المراد نفي الصفات. ولذلك إنما قال: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ للدلالة على أنه ليس المراد من نفي المثل نفي الصفات، كما يدعي أهل التعطيل. هل يستدلوا بمثل هذه النصوص: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾، إلى آخر ذلك، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾، استدلوا بها على نفي الصفات عن الله جل وعلا، وهذا باطل. بل المراد كما سمعتم: المراد إثبات الصفات مع نفي مماثلة هذه الصفات لصفات المخلوقين، إثباتها على ما يليق بالله جل وعلا. ولأن لو كان المراد نفي هذه الصفات، لما أثبت كما سمعتم قوله: ﴿ السَّمِيعُ ﴾، ﴿ الْبَصِيرُ ﴾. ولكن المراد نفي الكيفية، ليس المراد نفي الصفات، وإن المراد نفي الكيفية، يعني أن كيفية هذه الصفات غير معلومة، غير معلومة للعباد. وذاك لما قال الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» في لفظ: «مجهول» يعني غير معلوم. وذكر رحمه الله تعالى عن العلامة ابن القيم في مختصر الصواعق، ذكر عند قوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، قال: «قصد الله جل وعلا بذلك نفي أن يكون معه شريك». ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾: نفى أن يكون معه شريك أو معبود يستحق العبادة. فنفي المثلية عن الله جل وعلا تنفي وجود إله معه، مثيل، ند، شاركه في شيء من العبادة. وأيضا هي تنفي الربوبية، وتنفي مشاركة أحد له في أسمائه وصفاته. فالآية عامة في نفي كل هذه الأمور: نفي الألوهية عن أحد سواه، نفي الألوهية يعني أنه لا إله غيره جل وعلا، ولا مثيل له، ولا ند، ولا رب، ولا رب... وهكذا، ولا سمي، ولا مكافئ. كل هذه الأمور تنفيها هذه الآية. وذكر عن أهل التشبيه وأهل التمثيل من المشركين وغيرهم: يقولون أو يثبتون المثلية لله جل وعلا، والعياذ بالله. فالمشركون جعلوا الله أندادا، جعلوا الله مثيلا: اللات، والعزة، ومناة الثالثة الأخرى، جعلوها أندادا، واتخذوها أندادا. ومنهم من اتخذ الملائكة... وهكذا كل من عبد غير الله وصرف له شيء من العبادة فقد جعله مثيلا لله جل وعلا مشاركا. وهكذا أهل التمثيل، وأعجب هؤلاء: روافض، أتباع شامل الحكم الرافضي، شامل الحكم الرافضي، حتى يزعم أن الله جل وعلا على صورة شاب، على صورة شاب، وهذا من أشنع التمثيل. وكذلك ما جاء عن بعض أهل التمثيل من الغلاة: ثمامة الأشرس، حيث زعم أن الأنبياء مشبهة، زعم أن الأنبياء مشبهة، شبه الله جل وعلا. فذكر مثلا في موسى: قال عن موسى مشبه، نعم، كما قال: لما قال: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾. وقال في عيسى كذلك: إنه مشبه، لما قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾. وقال كذلك في محمد: ثلاثة من الأنبياء مشبهة، ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى، وعيسى، ومحمد. موسى لما قال: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ﴾، وعيسى لما قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾، ومحمد حين قال: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا». ليش؟ أنهم يزعمون أن إثبات هذه الصفات تمثيل. نعم، وهم وقعوا، والعياذ بالله، فيما هو أشنع من ذلك. فحاش الأنبياء أن يكونوا مشبهة وممثلة. فتبين أن المشركين وأهل التمثيل هم الذين شبهوا الخالق بالمخلوقين، إما بتمثيلهم، وإما بتعطيلهم؛ لأنهم لما عطلوا، إنما بسبب زعم التمثيل، وأن الإثبات يستلزم التمثيل. وسمعتم ماذا قالوا في الأنبياء: لما أثبت الأنبياء لربهم جل وعلا الصفات، قالوا عليهم: ممثلة ومشبهة. في الحقيقة هم المشبهة، لماذا؟ لأنهم يظنون أن إثبات الصفات تمثيل، إثبات الصفات تمثيل، فعطلوا أجل هذا الزعم، وأجل هذا الظن السيء بالله جل وعلا، عياذا بالله. وذلك يرمون أهل السنة بالحشوية، الذين يثبتون الصفات، يقولون: حشوية، يقولون: مجسمة. وأول من أطلق هذا: عمرو بن عبيد المعتزلي، قال في ابن عمر: مشبه وحشوي. وهكذا. وقد ذكر شيخ الإسلام فصلا في كتابه الحموية في ذكر العبارات التي ذكرها هؤلاء في أهل السنة، وفي أهل الحق الذين يثبتون الصفات. ومن أقوالهم إنهم يقولون في أهل السنة: حشوية، يقولون: حشوية. وأسلافهم هؤلاء: إما عمرو بن عبيد المعتزلي، أو غير هذا كالجعد بن درهم، أو الجهم بن صفوان. وأصولهم اليهود، أصولهم اليهود؛ لأن الجعد بن درهم أخذ مقالة عن اليهود، وأخذها الجهم عن الجعد، وهكذا بئس السلالة هذه. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك: أن النفي في الآية لا يقصد به نفي صفات كماله جل وعلا، وعلوه على خلقه، وتكلمه، يعني كلامه جل وعلا بكتبه، وتكلمه لرسله حين يكلمهم، ورؤية المؤمن له جهرة بأبصارهم كما يرون الشمس والقمر في السماء، لا يضامون في الرؤية. ليس المراد بالنفي نفي هذه الأشياء التي ذكرها الله عز وجل وأثبتها، آية المباهلة، ويوم القيامة، وأثبت أنه يكلم رسله، وهكذا يكلم عباده. فالمنفي في هذه الآية ليس هو نفي هذه الأمور الدالة على كماله جل وعلا، وعلوه، واتصافه بأوصاف الكمال. وكما سمعتم ذكرها من قيم في إغاث اللهفان، وغير ذلك من كتبه. قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: «ومعنى السميع: المدرك لجميع الأصوات مهما خفتت». وهذا أخذ على الشارح حين فسر السميع بالمدرك، وهذا تفسير الأشاعرة، يفسرون السميع بالمدرك لجميع الأصوات، وهكذا المبصر. والصواب يقال: السميع المسمع، السميع بمعنى المسمع، والبصير بمعنى المبصر. لأن سميع فعيل بمعنى مفعّل، سميع فعيل، وبصير كذلك على وزن فعيل. سميع على وزن فعيل، وبصير على وزن فعيل، وفعيل في اللغة بمعنى مفعّل. إذن: سميع بمعنى مسمع، وبصير بمعنى مبصر. فالله جل وعلا هو الذي يسمع عباده، ويبصر كذلك عباده جل وعلا. هذا مما يدل على ثبوت هذه الصفة لله جل وعلا: صفة السمع، وصفة البصر، على الوجه الذي يليق به جل وعلا؛ لأنها جاءت على هذا الوزن، جاءت على هذا الوزن: سميع، بصير، بمعنى مسمع ومبصر، للدلالة على إثبات هذه الصفات على حقيقتها، على ما يليق بالله جل وعلا. والله جل وعلا يسمع كل شيء، يسمع السر والنجوى، ويسمع كذلك ما خفت. ولذلك لما قال قرشيان وثقفي، أو ثقفي وقرشيان، كما في الصحيح، حين قال بعضهم لبعض: «هل يسمعون الله إذا تكلمنا؟» فقال أحدهم: «إذا رفعنا أصواتنا سمعنا، وإذا خفتنا لم يسمعنا». فأنزل الله جل وعلا فيهم آيات، أنزل فيهم آيات فيها بيانه جل وعلا، أنه لا يخفى عليه شيء، وأنه يسمع السر والنجوى، سبحانه وتعالى. والحديث كان ذكره الشيخ العلامة الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند من أسباب النزول، في سبب نزول هذه الآيات التي فيها بيان كمال سمعه جل وعلا، حين قال هؤلاء القرشيان، أو الثقفي، أو الثقفيان والقرشي. ففيه بيان عموم سمعه جل وعلا لكل شيء. والسميع له ثلاث معان: السميع له ثلاث معان. الأول: الذي يسمع كل المسموعات، يسمع كل المسموعات، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾. قالت عائشة: «تبارك من وسع سمعه الأصوات». فالله جل وعلا وسع سمعه الأصوات، وسع سمعه الأصوات، فلا يخفى عليه شيء جل وعلا، فيسمع كل أحد على اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم. لو قاموا في صعيد واحد، كموقف يوم القيامة، وسألوا كل واحد مسألته، واختلفت لغات هؤلاء السائلين، واختلفت مطالبهم، فالله جل وعلا يسمع كل هؤلاء، لا تختلط عليه الأصوات، ولا تتداخل عليه الأصوات جل وعلا. إنما تتداخل الأصوات وتختلف عند ضعيف السمع، وهو المخلوق. أما الله جل وعلا فلا يخفى عليه شيء، سبحانه وتعالى. والسمع كذلك بمعنى: المجيب، المجيب لدعاء عباده، كما قال جل وعلا على لسان نبيه: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾، ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾، يعني مجيب الدعاء. فمن معاني السميع: المجيب للدعاء. فمن معاني السميع: المسمع، نعم، لجميع الأصوات، أي يسمعها. والسميع بمعنى المجيب للدعاء. ومن معاني السميع: النصر والتأييد، النصر والتأييد، كما قال جل وعلا لموسى: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمْ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾، ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمْ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾. والمراد بالسمع هنا: أنه ناصرهم، ﴿ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ يعني ناصرهم وأيدهم. والسمع كذلك يأتي بمعنى الوعيد والتهديد، يأتي بمعنى الوعيد والتهديد، كما قال جل وعلا: ﴿ يَحْسَبُونَ أَنْ لَا نَسْمَعَ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾. فالمراد بالسمع جل وعلا: يسمع ذلك، أن يتوعدهم، يتوعدهم ويهددهم. والسمع بمعنى المسمع لجميع الأصوات: هذه صفة ذاتية، هذه صفة ذاتية. فالله جل وعلا السميع الموصوف بسمع، صفة ذاتية، صفة ذاتية له جل وعلا، يسمع بها كل المسموعات. والسمع الذي بمعنى النصر والتهديد: صفة فعلية. فالسميع الموصوف بصفة السمع: هي صفة ذاتية وصفة فعلية. صفة ذاتية له موصوف بها أزلا، جل وعلا يسمع بها كل المسموعات. وصفة فعلية لأنها تعلقت بمشيئته، بمشيئته: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمْ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾، المراد: نصر وتأييد، هذه صفة فعلية؛ لأن معنى النصر والتأييد والنصر فعل منه جل وعلا، والتأييد فعل منه جل وعلا. الصفة الذاتية دل عليها قول جل وعلا: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾، بمعنى لا يخفى عليه شيء جل وعلا. ثم ذكر رحمه الله تعالى: قال: «فهو يسمع السر والنجوى، يسمع السر والنجوى بسمع هو صفة لا يماثل أسماع خلقه». وهذه صفة ذاتية كما تقدم. ومعنى البصير: المدرك لجميع المرئيات. وأيضا الأفضل التعبير بالمبصر، لأن بصير فعيل على وزن فعيل بمعنى مفعّل، بصير بمعنى مبصر لجميع المرئيات، أي المبصرات. فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء. وذلك قال القائل: «يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلي ويرى نياط عروقها في مخها، ويرى نياط عروقها في نحرها، والمخ في تلك العظام النحيلة أمن علي بتوبة تمح بها ما كان مني في الزمان الأولي» فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء. فهو جل وعلا البصير الذي يبصر كل المبصرات، ولا يخفى عليه شيء: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾. وذلك قال: من الأشخاص والألوان مهما لطفت، يعني دقت، أو بعدت، صارت بعيدة، لا تختلف عليه جل وعلا، ولا تخفى عليه، ولا تختلط عليه، فلا تؤثر على رؤيته الحواجز، كشأن المخلوق. المخلوق: الحواجز تؤثر على رؤيته، الغبار يؤثر على الرؤية، مسيل الدموع نعم يؤثر على... ماذا؟ على الرؤية. وهكذا. فالله جل وعلا لا تؤثر عليه الحواجز، ولا الأستار، يعني ما يستر، حواجز معنى الستر، الذي يستر، وذاك لكماله جل وعلا في بصره. قالوا: من فعيل بمعنى مفعّل، يعني بصير من فعيل بمعنى مفعّل، وهذه الصيغة تدل على ثبوت هذه الصفة. كذلك سميع بمعنى مسمع، يسمع جميع المسموعات. قال: صفة البصر لله سبحانه على الوجه الذي يليق به. ذكر حديث أبي داود، حديث أبي هريرة عند أبي داود، الحديث صحيح، صلى الله عليه الألباني، الشيخ الوادعي رحمة الله تعالى عليهما. هذا الحديث نعم، قاسم الظهر بالنسبة لأهل التعطيل. قد رواه أبو هريرة عن النبي عليه السلام، فإنه عليه السلام قرأ هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾، فوضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. فعلى هذا: النبي عليه الصلاة والسلام جعل إبهامه على أذنه، وجعل التي تليها، أو هي السبابة، على عينه. ومعنى هذا: المراد من هذا إثبات حقيقة هذا الوصف، إثبات حقيقة هذا الوصف، وتحقيق هذا... تحقيق السمع والبصر، لا إثبات العين والأذن. هذا الفعل منه عليه السلام لا يدل على إثبات العين والأذن لله جل وعلا. فعل الله سلم... هكذا لا يدل هذا على إثبات العين والأذن لله جل وعلا، لا. وإنما يدل على تحقيق وإثبات هذين الوصفين: وهو السمع والبصر، وهو السمع والبصر. فإن الأذن لم تثبت عن نبيه السلام، ولا في كتاب الله جل وعلا عز وجل، فلا نستطيع إثباته، ونستطيع نفيه؟ لم يرد في نص القرآن والسنة في إثبات الأذن لله عز وجل، وليس عندنا نص في الكتاب والسنة في نفيه، فلا نثبته ولا ننفيه. إذا سئلنا مثلا: هل من صفات الله جل وعلا الأذن؟ يتصف بصفة الأذن؟ نقول: الله أعلم، لا نثبت ولا ننفي. لماذا؟ لأنه لم يرد ذلك، لا إثبات ولا نفي. لم يرد ذلك لا إثبات ولا نفي. نقول: الله أعلم، ما عندنا علم بذلك. نعم، لم يثبت ولم ينف. لأن إذا نفينا: ما عندنا دليل العلم فيه، وإذا أثبتنا: ما عندنا دليل على إثباته. الذي يستدل بهذا الحديث يخطئ، الذي يستدل بهذا الحديث على إثبات الأذن: خطأ. حتى ليس فيه هذا، ليس في الحديث إثبات الأذن لله عز وجل، وإنما المراد تحقيق السمع والبصر؛ لأن في الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾، فذكر السمع والبصر، ذكر السمع وماذا؟ والبصر. ولم تذكر العين وماذا؟ والأذن. فلم تذكر العين والأذن. فهو تحقيق السمع والبصر، تحقيق السمع والبصر، تحقيق السمع والبصر. وهل يجوز فعل هذا؟ أم لا يجوز؟ بعض العلماء قال: لا يجوز أن تقول هكذا وأن تفعل هذا. وصله جواز ذلك للحاجة، لكن عند العوام لا يفعل ذلك، عند العوام لا يفعل ذلك؛ لأنه يتبادر إلى أذهانهم التمثيل. نعم، فمثل هذا ينتبه الإنسان، فلا يفعله عند عامة الناس. يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾، ويفعل هكذا. يقول: أبو هريرة فعل هذا، وأخبر أنه سلم فعله. نعم، لماذا؟ لأن أبي بن كعب يقول: «حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» وقال عمر: «ما أنت أو غيرك... ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». فبعض العلماء يكتب، فبعض العلماء يكتب بمصلحة، ومثل هذا في مثل هذا الزمن خاصة يحتاج أن لا يفعل أمام العوام، لا يفعل أمام العوام. يقولون: انظروا كيف يقولون... ماذا؟ شوفوا، يقول: الله له عين وله أذن. نعم، هذا الذي يترقب لكم من أهل البدع. لكن بين طلبة العلم يقال لهم ذلك، يقال لهم ذلك؛ لأنهم طلبة علم يفهمون المراد. وكما تقدم: هذا الحديث، قاسم الظهر لأهل التعطيل، يقولون: لا يثبتون السمع على ما يليق بالله عز وجل، وإنما يقولون: علمه بالمسموعات. وفي البصر يقولون: علمه بالمبصرات. وفعل نبي الله السلام هذا فيه رد عليهم، وفعل أبي هريرة كذلك فيه رد على هؤلاء. نعم، لتحقيق هذين الوصفين: يعني سميع بسمع، وبصير ببصر، ليس كما يقول المعتزلة: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وليس كما يقول الأشاعرة: سميع علمه بالمسموعات، وبصير علمه بالمبصرات. لا، سميع بسمع. ولذلك حقق هذا الوصف بلفظه وبفعله، بلفظه وفعله. ويقتضي عليه كل شيء، وأنه ثابت حقيقة، نعم، ثابت حقيقة. لكن يقف الإنسان عند النص، وإلا ثبت مثل القبض والبسط، ثبت عن النبي سلم كذلك فيه بالإشارة بفعل، فعلى هكذا، فعلى هكذا، عليه الصلاة والسلام يقبض ويبسط، لتحقيق الوصف: هذا معنى القبض، وهذا معنى البسط، تحقيق هذا الوصف. نعم، فلما جاءت هذه النصوص ببيان منه عليه الصلاة والسلام على هذا التوضيح، فهو كأمثلة لغيرها من الصفات، لغيرها من الصفات. نعم، بمعنى: المراد حقيقة هذا الوصف، حقيقة هذا الوصف، لا الكيفية، لا الكيفية. فهذا يقال في السمع وفي البصر، نعم، وفي الأصابع، وفي غيرها من الصفات. لكن النبي سلم أشار بعضها أدلة على غيرها. إذا مثل، يمثل كما جاء في النص، لا يتوسع في هذا، لا يتوسع في هذا. مثل يقول شخص: نعم، ﴿ وَيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ﴾، نعم، فيشير إلى ساقه مثلا، نعم، لا يريد أن ساق الله كساق المخلوق، لا، لكن يريد إثبات المعنى، الوصف الحقيقي: هذا معنى الساق في لغة العرب، نعم، ما يقوم عليه الإنسان، مثلا المخلوق، مثلا، تمام. لكن نقول: لا، ما ثبت هذا على النبي الإنسان، فلا تتوسع. تمام، لا تتوسع في الإشارة إلى الساق، أو الإشارة مثلا إلى الوجه، حتى الوجه ما ثبت فيه، لا يقول أحد، لا يقول أحد، ويبقى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾، ويقول هكذا، ما ثبت. نعم، في السمع والبصر: نعم، حقيقة الوصف، حقيقة الوصف، سمع والبصر ثبت. تعالى ويقول أحد أنه لا يكون هذا بالنسبة له فتنة، ويقول أحد أنه لم يثبت، لا تبشره، فيتكل. وهذا يقال في غيرها من المسائل التي ربما لا تفقه، ولا يفقهها جميع الخلق، جميع الناس، وإنما تقال لخواص الناس ممن يفهم هذا. ولذلك ذكر ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد هذه الصفة، وبَيَّن أن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لله عز وجل. وهكذا الأوزاعي، وهكذا الدارمي في رده على بشر المريسي، وجماعة من السلف، كلهم ذكروا هذا الحديث، وبَيَّنوه في كتبهم، لأنه من أقوى الأحاديث، من أقوى الأحاديث الدالة على إثبات الصفات: السمع والبصر. لأن فيها زيادة تحقيق وصف منه عليه الصلاة والسلام في ثبوت هذين الوصفين لله جل وعلا. فإذا جاء الأشعري قال: المراد علمه. وقلنا: إيش معنى فعل الرسول السلام هكذا؟ معنى العلم هذا إيش؟ فسر هذا، نريد تفسير هذا، نعم، فما يستطيع، ما يستطيع أن يفسر، إيش يقول؟ العلم إيش؟ الفائدة يقول هكذا؟ هذا العلم إيش؟ من علم هذا؟ علمه بالمسموعات، وعلمه بالمبصرات، هكذا. ما يستطيع هذا، هذا خنق في حلوق هؤلاء، كأنك تخنقه، ربما يطير من هذا الفعل، لكن فعله الرسول عليه الصلاة والسلام، نعم، لتحقيق الأوصاف، ليس المراد العلم، ولا كذا، ولا كذا من هذه التأويلات الباطلة التي يقولها هؤلاء من أهل التعطيل، الذين نفوا. وقول هنا رحمه الله تعالى: «ومع الحديث أنه سبحانه يسمع بسمعه، ويرى بعينه، فهو حجة على بعض الأشاعرة الذين يجعلون سمعه علمه بالمسموعات، وبصره علمه بالمبصرات، وهو تفسير خاطئ». فإن الأعمى يعلم بوجود السماء ولا يراها. طيب، الأعمى الآن يعلم بوجود السماء، إذا قلت للأعمى: هل السماء موجودة؟ هل عندك علم بوجود السماء؟ ماذا يقول؟ يقول: نعم. ولا لا؟ طيب، عنده علم بالسماء، بوجود السماء، هل يراها؟ لا. وكذلك إذا قلت له: هل تعلم بالموجودات، وأن هناك أصواتا، بوجود أصوات موجودة؟ يقول: نعم، أعلم بذلك، لكن لا أسمعها. فالتفسير: سمع البصر بالعلم، هذا خاطئ وباطل، خاطئ وباطل؛ لأن قد يوجد العلم بلا سمع، وقد يوجد العلم بلا بصر، وبلا رؤية. يوجد العلم بلا سمع كما هو حال الأعمى، ويوجد العلم بلا بصر كحال الأعمى. فهذا باطل، تفسير خاطئ. طيب، وهنا قوله: «ومعنى أنه سمع، أنه سمع بسمعه، ويرى بعينه». إذا يريد يعني أن هذا الحديث يدل على هذا، فليس بصواب. إذا أراد الحنابلة رحمه الله تعالى بقوله: «يسمع بسمعه، ويرى بعينه»، يعني أن هذه الآية تفيد إثبات العين لله عز وجل، فهذا ليس بصواب. لماذا؟ لأنها إذا كانت تدل على إثبات العين، فهي تدل على إثبات... ها؟ الأذن. تدل على إثبات الأذن، وهذا ليس بصواب. لكن إذا أراد رحمه الله تعالى تحقيق الوصف، نعم، أي أنه سبحانه وتعالى يسمع، قال: «يسمع بسمعه، ويرى بعينه»، يعني أن العين قد ثبتت له جل وعلا، فقال: «ويرى بعين»، ما قال: «يسمع بماذا؟» ها؟ ما قال: «يسمع بأذن». ننتبه. وذلك مما يدل على أنه ماذا أراد؟ ها؟ أراد أن العين ثبتت... ماذا؟ من نصوص أخرى، ليس هذا النص الذي يدل على إثبات... ماذا؟ العين. بماذا؟ لأنه قال: «يسمع بسمعه، ويرى بعينه»، ويرى بعينه. لو كان يريد أن هذه الآية دلت على هذا، لقال: «يسمع بأذن»، قال: «يسمع بسمعه»، وفي يرى قال: «ويرى»، نعم، لو قال: «ويرى ببصره»، واضح لا إشكال، لكن قال: «ويرى بعينه»، كأنه يفيد القارئ، يفيد السامع، أنه يرى بعين، لأن العين قد... ماذا؟ قد ثبتت فيه، كما في حديث الدجال، الدجال حين قال: «وإن ربكم... إن الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور». هذا فيه إثبات العينين لله جل وعلا. وهذا في القرآن: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾. نعم، وجاء عند ابن قيم، وجاء في كتاب ابن قيم رحمه الله تعالى، ذكر حديثا قال: «إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الله، قام بين عيني الله». لكن هذا الحديث ضعيف جدا، ضعيف جدا، لم يثبت عن النبي سلم، وإلا هو صريح فيه تصريح بإثبات العينين، لكن ليس بصواب، ضعيف جدا، كما قال العلامة الألباني وغيره من العلماء. لكن إثبات العينين من القرآن، ومن حديث الدجال، ومن حديث الدجال، وليس من هذا الحديث، وليس من هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾، وإنما هي لإثبات السمع والبصر. قال: نعم، هذا ما ذكره رحمه الله تعالى في كلامه على هاتين الآيتين. صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا.