تشويق البررة للعمرة

الخطبة بعنوان تشويق البررة للعمرة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٨ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل العمرة وكونها الحج الأصغر وجهاد النساء

تناولت الخطبة فضل العمرة مستشهدة بدعاء إبراهيم عليه السلام وتفسير السعدي لجاذبية البيت الحرام. كما بينت أن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الحج الأصغر وجعلها جهاد النساء حاثاً على اغتنام أدائها.

فضائل العمرة ومضاعفة أجر الصلاة في الحرمين

أوضحت الخطبة أن العمرة تكفر الذنوب بين العمرتين وأن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب. وبينت مضاعفة أجر الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف وفي النبوي بألف صلاة شاملة للنوافل عند الجمهور.

فضائل ماء زمزم وحكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة

استعرض المقطع فضائل ماء زمزم بوصفه طعام طعم وشفاء سقم، وتأكيد استجابة دعاء الحجاج والمعتمرين. ثم نبه إلى كراهة تكرار العمرة في سفر واحد مشترطاً لنيل الثانية سودان شعر الرأس محذراً من الإكثار بلا فاصل.

الدعاء الختامي والتكبير

اختتم المتحدث بالدعاء بالتوفيق للعمل الصالح والصلاة والسلام على النبي محمد. ثم رفع التكبير وشهد الشهادتين خاتماً المجلس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد دعا نبي الله إبراهيم عليه السلام ربه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: قال: أي تحبهم ويحبون الموضع الذي هم ساكنون فيه. وقد أجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام، إذ أخرج الله عز وجل من ذرية إسماعيل محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدعى ذريته إلى الإسلام، أو إلى دين الإسلام، وإلى ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فاستجابوا له وصاروا مقيمين الصلاة. ثم قال رحمه الله تعالى: «وقد افترض الله حج هذا البيت، وقد افترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به إبراهيم وذريته، وجعل فيه سرًا جاذبًا جاذبًا للقلوب، فهي تحجه ولا ينقضي منه وطرًا ولا تنقضي منه وطرًا، في كل الأحيان في كل الأحيان». ثم قال رحمه الله: «بل كل ما كثر العبد التردد عليه ازداد شوقه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه». ثم قال: «والسر وسر ذلك، أو والسر في إضافته سبحانه وتعالى، وهذا هو السر في إضافته سبحانه وتعالى لنفسه». أيها المسلمون، عباد الله، إننا في هذه الأيام قد فتحت العمرة أبوابها، وقد ملك بعضنا زاء الزاد والراحلة لزيارة بيت الله الحرام، ألا فاعلموا أن هذه عبادة عظيمة وقربة جليلة، جاءت فيها من الفضائل ومن الخصائص الشيء الكثير، بل قد سماها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بل حج الأصغر، بل حج الأصغر»، كما في كتابه عليه الصلاة والسلام لعمر بن حزم، وفيه: «وأن العمرة هي الحج الأصغر، حج الأصغر». وجاء ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كما عند ابن أبي شيبة ورجاله ثقات. وهو حج، وهو جهاد النساء، كما جاء، كما جاء عند أحمد وغيره من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل على النساء من جهاد؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة، الحج والعمرة». وهكذا جعل الله عز وجل العمرة من أسباب تكفير الذنوب والسيئات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، ألا يدفعن ذلك عباد الله إلى المتابعة وإلى الإكثار من هذه العبادة الجليلة متى تيسر للإنسان ذلك؟ فماذا في هذه الدنيا إلا أن تنعم بطاعة الله سبحانه وتعالى، وإلا أن تسخر مالك في هذه القربة العظيمة؟ كم ينفق الواحد من الأموال الكثيرة من أجل هذه الدنيا الفانية، من أجل أن ينعم بمأكل أو مشرب أو مسكن أو ملبس، فكيف لا ينفق تلك الريالات لينال هذه الفضائل العظيمة وهذه الخصائص الكريمة؟ وهكذا إن تابعت بين الحج والعمرة فأبشر أخي المسلم بخيري الدنيا والآخرة، فقد جاء من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند النسائي وابن ماجه، وعند النسائي والترمذي، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذَّنْبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ». ما منا إلا وله معاصٍ وعنده ذنوب وخطايا، فما أحرانا أن نتتبع أسباب المغفرة وأسباب الرحمة. فالعمرة، عباد الله، ليست ليس يحصل منها الإنسان على أمر آخر، بل كذلك على أمر دنياه، فإن المتابعة في الحج والعمرة كذلك ينفيان الفقر كما ينفيان الذنوب. وهكذا أيها المسلمون، عباد الله، فإن في العمرة يتمتع الزائر بأعمال كثيرة لا يعملها ولا تتيسر له إلا إذا ذهب تلك الأماكن الطاهرة وتلك البلاد المقدسة، فمن ذلك مضاعفة الأجور والحسنات في الصلاة في الحرمين، في الحرم المكي وفي الحرم المدني. فقد جاء عند الإمام أحمد من حديث ابن الزبير رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ». انظر يا عبد الله إلى هذه المضاعفة العظيمة، صلاة واحدة في بيت الله الحرام تعدل مئة ألف صلاة، مئة ألف صلاة. وقد ذهب العلامتان ابن باز وابن العثيمين عليهما رحمة الله أن لفظ «صلاة» تدل على العموم، فيعم ذلك صلاة النفل أو صلاة النافلة وصلاة النفل كذلك فتتضاعف، لأن لفظ «صلاة» في هذا الحديث جاء على العموم، فأخذ العلماء بعمومه. يا لها من فضيلة عظيمة! وهكذا ذهبا، العلامة ابن القيم، وهكذا العلامة ابن باز وغيرهما من أئمة أهل السنة، أن هذه المضاعفة تشمل الحرم كله ولا تقتصر على المسجد فحسب. قالوا: لأن لفظ «المسجد الحرام» إذا أطلق فإنه في الغالب يطلق على الحرم كله، يطلق على الحرم كله. واستدلوا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ سَوَاءً لِلْعَاكِفِ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فانظروا عباد الله إلى تلك الفضائل العظيمة، فكيف بمن منَّ الله عز وجل عليه بنعم هذه الدنيا أن يفرط في تكرار العمرة إلى بيت الله الحرام وفي المتابعة في العمرة؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا الخير وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، وهكذا يتمتع الزائر والمعتمر بالتضلع من ماء زمزم، ذلك الماء المبارك الذي جاء عند الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس، ويحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّ خَيْرَ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامُ الطُّعْمِ وَشِفَاءُ السَّقَمِ». وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام، كما في حديث، كما في حديث ابن عباس عند أحمد: «مَاءُ زَمْزَمَ، مَاءُ زَمْزَمَ، لِمَا شُرِبَ لَهُ، لِمَا شُرِبَ لَهُ». قال العلماء: ومعنى «لِمَا شُرِبَ لَهُ»: أي إذا كان الشخص مريضًا فشرب من ماء زمزم كي يذهب عنه المرض فليفعل ذلك، ومن كان، ومن كان، ومن كان عطشانًا فشرب من ماء زمزم يريد ذهاب عطشه فليفعل ذلك، وهكذا، وهكذا من ابتُلي بكثرة نسيان فشرب من ماء زمزم ليتقوى حفظه فليفعل ذلك. وقد فعل ذلك بعض السلف كما ذكر ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. فماء زمزم لما شرب له، وهو طعام طعم، أي أنه يغني عن الطعام ويشبع كشبع الطعام، هكذا فسر ابن الأثير معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «طَعَامُ طُعْمٍ». وهكذا عباد الله، إن المعتمر طالما أنه في هذه العبادة الجليلة فهو تحت وفد الله عز وجل، ودعاؤه مستجاب، ودعاؤه مستجاب، كما في حديث جابر عند ابن ماجه، قال عليه الصلاة والسلام: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، وَفْدُ اللَّهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ». حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله في كتابه «صحيح الترغيب والترهيب». وهكذا عباد الله، ننبه على خطأ في الاعتمار يخطئه بعض العوام وبعض الناس، وهو تكرار العمرة في السفرة الواحدة. فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله كراهة ذلك عن السلف الصالح، كما في كتابه «المجموع»، المجلد السادس والعشرين، المجلد السادس والعشرين، صفحة مائتين وتسعين. فقد نقل اتفاق السلف على كراهية تكرار العمرة في السفرة الواحدة. ولقد جعل الإمام أحمد رحمه الله تعالى ضابطًا للفترة بين العمرة والعمرة، فقال رحمه الله تعالى: «إذا حُمّ رأسه». ومعنى «إذا حُمّ رأسه»: أي إذا سود، إذا سود، ونبت الشعر حتى غطى رأسه فصار أسود، فهذا له بعد ذلك أن يعتمر عمرة ثانية. وأما ما يفعله بعض الناس أنه يعتمر كل يوم، فيخرج إلى الحل ويأتي بعمرة، أو بعد يومين أو أكثر من ذلك بشيء يسير قبل أن يسود شعره، فهذا خلاف هدي السلف الصالح عليهم رحمة الله. وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»، فهذا الحديث مطلقًا قيده فعل السلف، كما ذكر ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. فلا بأس إن آتيت بعمرة ثم سافرت إلى المدينة، وقد كان بين العمرة والعمرة وقت لا بأس به، لا بأس أن تأتي بعمرة أخرى. وأما أن تأتي في السفرة الواحدة بعشرات العمُرات، فهذا مما كرهه السلف الصالح عليهم رحمة الله، عليهم رحمة الله. فيا أيها المسلمون، لنشمر عن ساعد الجد، ولنسعى لمثل هذه الأعمال الصالحة، لا سيما لمن تيسر له ذلك، ولا تقل: سينقص مالي أو سيذهب مالي، فعليك أن تبشر، فعليك أن تبشر بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وأن توقن بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من تلك المبشرات ومن تلك الفضائل الكثيرة لمن اعتمر بيت الله الحرام. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يعمل صالحًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله.