المحاضرة بعنوان فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بتبالة الجمعة ٢٤ ربيع الآخر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي حول الفتن والاستعاذة منها، مع بيان معاني ألفاظ الحديث وفوائده. يشمل التحذير من مواطن الضلال وذكر العلاج لها.
الفتن تشمل الشهوات والشبهات والمال والأولاد، وطرق النجاة منها تشمل التعبد لله والابتعاد عنها والصمت وعدم المشاركة فيها.
الرجوع إلى العلماء الربانيين ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم وصحبة الخيرين من أسباب النجاة من الفتن والشبهات.
ينصح بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم وعدم الخروج عليهم، ويحذر من مخالفة هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نلتقي وإياكم في هذا المقام المبارك من الليالي المباركة من أيام الدنيا، وحديثنا معكم بمحاضرة عنوانها "من وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به". وقبل التطرق إلى أصل الموضوع، نقف على هذه اللفظة من حيث من أين جاءت. هذا العنوان هو عبارة عن مقطع من حديث تلفظ به نبينا صلى الله عليه وسلم، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به". نقف وقفة أخرى ما يتعلق بألفاظ هذا الحديث، قوله صلوات ربي وسلامه عليه "ستكون فتن" فيه دلالة من دلائل النبوة عليه الصلاة والسلام، إذ أنه أخبر عن ظهور الفتن، وها هي الفتن التي أخبر نبينا عن وقوعها طمت وكثرت وعمت وازدادت. قوله عليه الصلاة والسلام "ستكون فتن" أي ستحصل الفتن، وها هي قد حصلت، "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم" قال العلماء الخير هنا والخيرية في هذا الحديث المقصود منها الأكثر سلامة وأقل مضرة. قال عليه الصلاة والسلام "القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي" الساعي اسمه فاعل من السعي، والساعي كما يقول العلماء هو السير بسرعة. ثم قال عليه الصلاة والسلام "من تشرف لها تستشرفه" قال علماء في ضبط هذا الحديث هذه اللفظة ثبتت بالتاء "من تشرف" وثبتت كذلك بالياء "من يتشرف"، ومعنى التشرف كما قال علماء هو التطلع. قال عليه الصلاة والسلام "فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به" قال علماء معنى العوذ هنا بمعنى الاعتزال، أي فليعتزل به. هذه اللفظة من الحديث استفاد منها العلماء في مسألة الاختلاف في الاستعاذة. أجمع العلماء على الاستعاذة في أمر لا يقدر عليه إلا الله، لا يجوز صرفه إلا لله، ولكن بقي الاختلاف بين العلماء فيما لو كان الاستعاذة بمخلوق أو بمكان يمكن أن تجد منه العوذ. جماعة من العلماء يرون أن الاستعاذة لا تكون إلا لله، لا تكون إلا لله، فما عندهم ما يسمى شيء مما يقدر عليه أو شيء لا يقدر عليه، إذ أن الاستعاذة عندهم من الأمور القلبية لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى. لكن جماعة من العلماء وهم الأكثر يرون أن الاستعاذة إذا كانت بمخلوق فيما يقدر عليه من البشر أو كان كذلك في أماكن يمكن أن تستعيذ بها فإن هذا لا إشكال فيه. ننتقل إلى الفوائد المستفادة من هذا الحديث، في قوله عليه الصلاة والسلام "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه من وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به". من فوائد هذا الحديث ما عليه الشرع الكريم من التحذير من كل شيء فيه الضرر على دين العباد، التحذير من كل شيء فيه الضرر على دين العباد. فإن الشرع ما من شيء كان فيه المضرة على دين العباد وعلى أخلاقهم وعلى سلوكياتهم وعلى معتقداتهم إلا كان الشرع لهم بالمرصاد في بيانه وفي إظهار أمره، وذلك رحمة بالشرع لعباد الله حتى لا يزيغوا ولا يهلكوا. الفائدة الثانية مما تستفاد من هذا الحديث أن الشرع مع اهتمامه وحرصه على التحذير من مواطن الضلال اعتنى كذلك بذكر العلاج، وذكر المخارج، وذكر الدواء. الشرع إذا ذكر الداء فإنه سرعان ما يذكر الدواء، والعجب في حال الناس، تجد أن الكثير من الناس لربما يركز سمعه للأمراض والأوبئة، يهتم بالمرض، ولربما إذا وقع المرض سرعان ما رفع السنة ورفع الأدلة من الكتاب والسنة. قال عليه الصلاة والسلام "ستكون فتن" وغيرها من أماكن الضلال، كذلك بالمقابل فإن الشرع ذكر لك العلاج وذكر لك الدواء، فعلى العباد أن يبحثوا عن الحلول وذلك من كتاب الله ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. في هذا الحديث العظيم بيان لقوله عليه الصلاة والسلام "ستكون فتن" في إخبار من نبينا عليه الصلاة والسلام عن ظهور الفتن، والفتن يا عبد الله قد صرح نبينا عليه الصلاة والسلام أنها كثيرة وأنها تتتابع على هذه الأمة. فمن صور الفتن أنها تأتي على صور الشهوات، تأتي على صور الشهوات من الملاهي والمعازف والزنا والربا والفجور ومن شرب الخمور، وها نحن نرى هذه الفتن تتراقص أمام عين الجميع. ومن صور الفتن أن تأتي الفتن على صور الشبهات، فتن الشبهات، وها نحن نرى من أهل البدع والأهواء من يلوح على الناس براية البدع وبإثارة الشبهات. قال ربنا جل وعلا "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحَرْث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب". فمن أعظم الفتن يا عبد الله فتن الشهوات، وكم من أناس يا عبد الله ما زاغوا عن الطريق الصحيح إلا بعدما أن تخطفتهم الشهوات والملذات والحرمات والمحرمات. قال ربنا جل وعلا "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله". الفتنة يا عبد الله الشبهات التي أثيرت من وراء المتشابهات الموجودة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولهذا كم من رجل أفتتن عن دين الله جل وعلا كان على صلاح كان على رشاد. من صور الفتن أنها تأتي على صور البلاء، على صور الشدة، قال ربنا جل وعلا "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتن الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين". الفتنة بمعنى الشدة والابتلاء والاختبار في الله سبحانه وتعالى، كمن رجل ربما كان على سداد كان على خير إلا أنه تعرض للبلاء. قال ربنا جل وعلا "إنما أموالكم وأولادكم فتنة" سماها ربنا جل وعلا فتنة، كم من أناس لربما باعوا دينهم باعوا عقائدهم باعوا الملة التي هم يتعبدون الله جل وعلا لا لشيء إنما باعوها لريالات ودنانير ودراهم. قال عليه الصلاة والسلام "لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال" من رأى إلى ضلال الكثير من عباد الله لربما ما زاغوا وما ضلوا إلا باتباعهم للدنيا لأموالها ولحطامها. تأتي الفتن كذلك يا عبد الله على صورة القتل والقتال وعلى سفك الدماء، كما ثبت في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام "لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج قال وما الهرج يا رسول الله قال القتل القتل". فأيام الفتن هي تلكم الأيام التي يكون فيها الحليم حيران، إذ يقوم بعض الناس على بعضهم، ذاك يقتل عمه وذاك يقتل خاله وذلك يقتل جاره. علينا أن نعلم أن الشرع بعدما بين هذه المواطن وتعتبر من مواطن الهلاك والذي فيها المساس بدين العبد وتدينه لربه سبحانه وتعالى، فبالمقابل فإن الشرع أعطاك من العلاجات وأعطاك كذلك الكثير والكثير من المخارج. فما عليك يا عبد الله إلا أن تتعرف عليها، وما عليك بعد ذلك يا عبد الله إلا بالمسارعة في تطبيقها، عل وعسى أن الله جل وعلا ينجيك من آثار الفتن. من أعظم تلكم العلاجات ما يكون من أمر العبادة ومن أمر التعبد لله سبحانه وتعالى، متى ما خفت على نفسك يا عبد الله من الوقوع في الفتن أو ابتلاك الله جل وعلا بأن تحضر زمن فيه الفتن. فاحرص يا عبد الله على الفرائض والواجبات، أقبل يا عبد الله على السنن والمستحبات، أكثر يا عبد الله من قربك لله جل وعلا، فإن كنت مع الله كان الله معك جل في علاه. كما ثبت في البخار من حديث أم سلمة أن نبينا صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة من منامه فزعا وهو يقول "سبحان الله سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن وماذا أنزل الله من الفتن". ثم قال "أيقظوا صواحب الحجرات لكي يصلين" قال علماء ما الربط بين هذا وذاك، الربط أن نبينا عليه الصلاة والسلام عندما علم بنزول الفتن أراد أن يربي أصحابه وقبل ذلك يربي أهله على أن يتحصنوا بالعبادة. قال عليه الصلاة والسلام "العبادة في الهرج كهجرة إلي" قال العلماء من شراح الحديث "الهرج" يعني "زمن الفتنة"، العبادة في الهرج العبادة في أزمان الفتن أمرها عظيم. من العلاجات ما الذي نحن بصدده في هذا الحديث، ألا وهو الفرار والبعد عنها، الفرار والبعد عنها، قال عليه الصلاة والسلام "فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به". قال عليه الصلاة والسلام "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم" وليس المقصود بهذا الحديث الجلوس الحقيقي والقيام الحقيقي، لا، وإنما ذلك دلالة على قرب المرء من الفتن. فكلما ابتعد وكنت في منأى ومعزل عنها حباك الله بأن يحميك ويصونك من آثار الفتن، فإن كنت قاعدا فأنت على سلامة، لكن إن كنت قائما فإن السلام في حقك تقل. أما إذا مشيت تمشي إلى الفتنة فإنك معرض يا عبد الله لوقوع فيها، ومن وقع في الفتن يا عبد الله فإن حاله لا تحمد عقباه، الفتن يا عبد الله لا تظن أن أمرها سهل. ما جاءت هذه الأحاديث المتكاثرة في التحذير من الفتن من باب العبث، كلا يا عبد الله، بل لأن الفتن من دخل فيها ومن ابتلي بها فإنه سيزيغ فإنه سيهلك. ومن أعظم آثار الفتن بأن الله جل وعلا يضرب على قلبك يضرب على قلبك، قال عليه الصلاة والسلام "تعرض الفتن على القلوب عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء". حتى تصير القلوب على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر كالكوز مجخية لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه. هذا أثر يا عبد الله من آثار عظيمة يبتلى بها من عرض نفسه للفتن، أن الله جل وعلا يضرب على قلبك فتنعكس عليك الأمور، فيصبح عندك فترى الحق باطلا والباطل حقا. نعم يا عبد الله، علينا أن ننأى علينا أن نبتعد من الفتن، فإن أمرها عظيم، واعلم يا عبد الله كما قال علماء في الاعتزال أن الاعتزال قد يكون بالذهاب إلى الجبال، بالذهاب إلى البراري. وقد يكون بالذهاب إلى الساحل، وقد يكون أن تبقى في بيتك، المهم أنك تبقى في معزل عن الفتن، لا تشارك بها، ولهذا نبينا عليه الصلاة والسلام علم أصحابه أن يبتعدوا عن الفتن. قال عليه الصلاة والسلام "من سمع بالدجال فلينأ عنه" أعظم فتنة، فإذا أطال الله في عمرك وأدركت زمن الدجال لا تغتر بما معك من عقيدة أو من دين أو من خيرية. قال عليه الصلاة والسلام "من صمت نجا" الصمت والسكوت نجاه يا عبد الله، لا تخوضن في الفتن لا بجسمك وبجسدك ولا بيدك ولا برجلك ولا حتى بلسانك ولا برأيك. قال عليه الصلاة والسلام "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، ورحم الله أبا الزيد حين قال "تعلم الصمت كما تتعلم الكلام". فإن كان الكلام يهديك فإن الصمت يقيك، فإن الصمت يقيك. جزى الله أخانا أبا هاشم خيرا على ما أفاد وأجاد فيما يتعلق بحديث أبي هريرة. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن ذلك الالتجاء إنما يكون في الفتن المشتبه فيها التي لم يتبين فيها وجه الحق والصواب. وسئل العلامة ابن باز رحمه الله تعالى عن الاعتزال في الفتن، ففصل بتفصيل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وزاد بأمثلة رائعة قيمة مما وقع في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الفتن التي يتبين فيها وجه الحق فإنهم يقفون مع المحق، كما في وقوفهم مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في قتال الخوارج. فلما خرج الخوارج عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أجمع الصحابة على قتالهم مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولم يتخلف منهم أحد، ولم يعتزل منهم أحد رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هكذا مثل بالفتن المشتبه فيها ما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من فتن، كما الذي وقع بين علي رضي الله تعالى عنه ومعاوية، أو بين طلحة والزبير وعائشة مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم جميعا. فإن كثيرا من الصحابة قد اعتزلوا هذه الفتن، كما سمعت عن سعد بن أبي وقاص، وهكذا جاء عن أبي بكرة وعن غيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم اعتزلوا تلك الفتن لأنها بين المسلمين ولأن الأمر مشتبه فيها. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم حال الفتن التي تكون من أجل الدنيا، ليس من أجل الدين ولا من أجل رفع راية الإسلام وإنما من أجل الكرامة ومن أجل الرئاسة والملك. من أسباب النجاة من مثل هذه الفتن المشتبهة أن ترجع الأمر إلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم الذين عرفوا بثباتهم وبرسوخهم في العلم وبخبرتهم في رد تلك الفتن. وهذا عين ما أمر الله سبحانه وتعالى به في كتابه، إذ قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم". فأولو الأمر هم العلماء قولا واحدا، هكذا يقول الشيخ صالح السحيمي رحمه الله تعالى، فإذن المراد بأولي الأمر في هذه الآية خاصة لأن ما فيها الطاعة وإنما فيها الرد. أما قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" فنعم يشمل الأمراء لأن طاعتهم واجبة في طاعة الله وفي ما ليس معصية لله سبحانه وتعالى. أما هذه الآية فهي كما ذكر الشيخ صالح السحيمي رحمه الله تعالى المراد بهم العلماء، المراد بهم العلماء، فأنت ترد الأمر إلى العلماء وتستريح. انظروا إلى الفتن التي مضت، فتن الحزبيات والجمعيات وأبي الحسن والحجور، الذين تركوا الأمر للعلماء نجوا واستراحوا وبقوا على ما هم عليه من السنة ومن الخير ومن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وأما من استعجل سواء كان استعجاله موافق للعلماء أو ليس بموافق للعلماء فإنه قد ذم، وكذلك قيل له "قد سبقت العلماء قد سبقت العلماء"، اترك الكلام للعلماء. قد يقول قائل "وإذا اختلف العلماء" هذا العالم يقول قولا وذاك يقول قولا آخر، هناك قواعد مشى عليها أهل العلم في الجرح والتعديل، فقاعدة الجرح المفسر مقدم على التعديل المجمل. ثم هذه القاعدة كذلك ليست على عمومها، هذا إذا لم يطلع العالم الآخر على جرح المجرح، أما إذا اطلع عليه وقرأه وتحققه ثم لم يقبله فهنا التأني والانتظار. وهكذا المراجعة في المسألة وإلى غير ذلك، هذه قواعد ينبغي أن نحققها وأن كذلك نمشي عليها، فالتأني والهدوء والسكينة هو سبيل النجاح. انظر في فتنة أبي الحسن، تكلم بعض العلماء، بعض العلماء لا يزال، ثم بعد ذلك تبينت الفتنة شيئا فشيئا وتوضحت حتى ظهرت الأمور والحمد لله، بانت الأمور تماما. وهكذا فتنة الحجور، في البداية هكذا تكلم بعض العلماء، وهكذا، ثم بعد ذلك استقر الأمر وتبينت الأمور وظهرت الفتنة ظهورا جليا. فالباطل لا يستمر، لا بد أن ينكشف طال الزمن أم قصر، فما عليك إلا الهدوء، وما عليك إلا الصبر، وما عليك إلا كذلك الحلم، فبعد ذلك تنجل الأمور وتتبين الحقائق ويظهر المحق من المبطل. كما يقول بعض العلماء "العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات"، قد في بداية الأمر الإنسان ما يتبين له، يضعف، ما يدري، ما يعني، ينظر في المسألة أو غفل عن بعض الأشياء. لكن بعد فترة وإذا تبين له الحق كان أسدا، وكان قوالا بالحق، فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، لا بنقص البدايات. فالرجل العلم الذي يرجع إليه هو العالم الراسخ في العلم الذي قد شابت لحيته في السنة وفي العلم وفي النصح وفي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وفي معرفة الفتن، وكذلك صد الشبهات والردود على المخالفين وإلى غير ذلك، هذا أمر متقرر عند أهل السنة والجماعة، فالعلماء مراتب، العلماء مراتب. وليس معنى قولنا أننا نرجع إلى الراسخين أننا نجرح من هو دونهم أو نترك من هو دونهم في كل مسألة من مسائل ديننا، لا، وإنما نعطي كل عالم من منزلته وقدره. كما أن الأطباء الآن نضرب مثال بالأطباء، هناك أطباء ربما إذا أردت أن تسجل عنده بعد أسبوع أو شهر تسجل عنده، لماذا؟ لأنه طبيب ماهر ومشهور. يعمل العمليات في المسائل الدقيقة الجراحية والباطنية، ما شاء الله، مجرب وماهر، عليه زحمة، والناس كثيرا ما يذهبون إليه، طيب هل يوجد أطباء غيره؟ نعم، هناك أطباء من هو دونهم؟ عمليات صغرى، فحوصات، يعني سهلة، وهكذا، هل الناس تركوا جميع الأطباء؟ كل الأطباء يشتغلون، كل على قدر مرتبته وعلمه في مجال الطب. وهكذا في مجال العلم، هناك علماء راسخون للنوازل المدلهمة، ولي الفتن العظيمة، يجب على جميع المسلمين حتى العلماء الذين هم دونهم أن يرجعوا إليهم. وهناك علماء دون، لكن العلماء الدون هذا الذي هو دون الكبار العلماء ما يهمشون مطلقا، وما يجرحون، وإنما يذهب إليهم في المسائل اليسيرة. في المسائل اليسيرة التي هي ليست من النوازل في المسائل الشرعية، في المسائل العلمية، في المسائل كذلك المنهجية، وإلى غير ذلك مما هم يستطيعون البث فيها. من أسباب النجاح من الفتن صحبة الخيرين الطيبين الصالحين المتقين، فإنهم إن غفلت ذكروك، وإن جهلت علموك، وإن خرجت ردوك. فيجب عليك أن تلازمهم، وأن تقرب منهم، لا سيما في وقت الفتن، فإن الإنسان ربما إذا ترك إخوانه لعله يزيغ ويزل ويغفل ويجهل وينسى. فكن قريبا من إخوانك، تعاون معهم في الخير، في البر والتقوى، كما قال الله عز وجل "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان". من أسباب النجاة من الفتن لزوم إمام المسلمين وجماعتهم، لزوم إمام المسلمين وجماعتهم، وهذا ما أمر الله عز وجل به في كتابه الكريم. بقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منهم"، انظروا لما خالف أهل الإسلام هذا الأصل العظيم كيف ظهرت الفتن، فتن القتل والقتال والمنافسة على الحكم وعلى الرئاسة. فلا إله إلا الله كم من دماء سفكت، وكم من أموال أخذت، وكم من أعراض انتهكت، بسبب مخالفة هذا الأصل العظيم من أهل السنة منذ زمن طويل. وهم يحذرون المجتمع من الخروج على ولي الأمر، من المظاهرات، من الاعتصامات، فأبوا إلا ذلك المسلك المخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام. فآلت الأمور إلى ما نلاحظ وما نشاهد في وقتنا هذا في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد، انظر إلى الروافض كيف تسلطوا على رقاب العباد والبلاد في كثير من مناطق اليمن. ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم، فلزوم جماعة المسلمين أصل عظيم في الخروج من الفتن. كما جاء في حديث حذيفة بن اليمن في صحيح مسلم، ما قال له "وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم قذفوه فيها". قال "من هم يا رسول الله؟ جليهم لنا، صفهم لنا؟ قال هم من جلدتكم ويتكلمون بألسنتكم"، فقال "يا رسول الله ما تأمرني إن أدركني ذلك؟". قال عليه الصلاة والسلام "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قال "فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها". ولو أنت عض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك، انظر إلى الوصية النبوية من نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". هكذا أهل السنة من زمن قديم وهم ينصحون بذلك، فخرجوا على حاكمهم بالمظاهرات والثورات، فآل الأمر إلى ما نشاهد وإلى ما نرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يولي علينا إماما عادلا، وأن يرد عنا كيد الروافض، فإنهم ولله الحمد لم يتمكنوا مما أرادوا، ولم يستتب لهم أمر. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يخيب آمالهم، أن يخيب آمالهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لهذه البلاد حاكما من غير الروافض. حاكما يحكمهم بالإسلام وبسنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك ليحذر أهل الإسلام أن يقعوا فيما وقعوا فيه من مخالفة هدي النبي عليه الصلاة والسلام. فإنما وقع إنما هو من مخالفة هديه عليه الصلاة والسلام، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم". فينبغي علينا معاشر المسلمين أن نلزم جماعة المسلمين وإمامهم، إن وجد لهم الإمام الذي يحكمهم بالإسلام وبسنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام. وإن كان ظالما وإن كان جائرا في بعض الجوانب، لكنه ليس خبيث المعتقد، ولا سباب للصحابة، ولا عابد أو عابدا للقبور لغير الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لهذه البلاد أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم إن نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.