من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

الخطبة بعنوان من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١١ جمادى الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل حديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وشموليته

يستعرض الخطيب حديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» مبينًا مكانته العظيمة عند العلماء حيث عدوه أصلًا من أصول الأدب والإسلام. ويوضح أن معناه شامل لجميع حركات العبد الظاهرة والباطنة من نظر وكلام واستماع وغير ذلك.

تحذير من الاشتغال بما لا يعني المسلم وآثاره

يحذر المقطع من الاشتغال بما لا يعني المسلم كنظر الدنيا، والقول والقال، والخوض في السياسة، وفضول الإنترنت. ويؤكد أن حسن الإسلام في ترك ما لا يعني، مستدلًا بحديث كعب بن عجرة الذي يربط بين الخوض فيما لا يعني والحرمان من الجنة.

أهمية ترك ما لا يعني وآثار الخوض في أعراض الناس

تؤكد الخطبة على خطورة الاشتغال بما لا ينفع من الأقوال والأعمال، مستشهدة بأقوال السلف والحديث النبوي. وتوضح أن ترك ما لا يعني يجلب الاشتغال بالطاعة ويقي من عواقب الغيبة وتتبع العورات، مع التنبيه إلى أن المقياس في ذلك هو الشرع لا الهوى.

دعاء بالنصر والخير للمسلمين والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً يطلب من الله توفيق من يريد الخير للمسلمين وإحباط كيد من يريد بهم الشر. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول أبو محمد ابن أبي زيد رحمه الله، إمام المالكية بالمغرب في عصره: "جميع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن اختصر له الوصية: «لا تغضب»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المر تركه ما لا يعنيه»". وقد تقدم الحديث عن ثلاثة أحاديث، وبقي حديثٌ رابع وهو ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وهذا الحديث اختلف العلماء في صحته، فقد صححه العلامة المحدث الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي وابن ماجه، وقال: هو صحيحٌ بشواهده، وهكذا حسنه في مشكاة المصابيح، وحكم عليه بعض العلماء بأنه مرسلٌ. وعلى كل حالٍ فإن هذا الحديث قد تناوله العلماء بالشرح والبيان، بل وأعدوه من أحاديث أصول الإسلام. قال ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله: "هذا الحديث أصلٌ من أصول الأدب". وقال أبو حمزة الكناني: "هذا الحديث ثلثُ الإسلام". وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "هذا الحديث ربعُ الإسلام"، كما قال ذلك أبو داود، بل هو نصفُ الإسلام. ولا يزالُ الكلام لابن حجرٍ الهيتمي: قال: "بل هو نصفُ الإسلام، بل هو الإسلامُ كلُّه، بل هو الإسلامُ كلُّه". لتعلم أخي المسلم منزلة هذا الحديث عند علمائنا. يقول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «من حُسن إسلام المرء»؛ أي: من حُسن إسلام المرء، أي لا يَكْمُلُ إسلامُه ولا يَحْسُنُ إِسْلَامُه إِلَّا إِذَا تَرَكَ ما لا يَعْنِيه. «من حُسن إسلام المرء تَرْكُهُ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه»؛ أي تَرْكُهُ الَّذِي لَا يَعْنِيه. ومعنى لَا يَعْنِيه: يعني لَا يَهُمُّه، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ غَايَتُهُ وَاهْتِمَامُهُ، وَلَا يَكُونُ مِنْ مَقْصِدِهِ وَاهْتِمَامَهُ. فَالْعِنَايَةُ هي شِدَّةُ الْإِهْتِمَامِ بِالشَّيِّ، شِدَّةُ الْإِهْتِمَامِ بِالشَّيِّ. أيها المسلمون، عباد الله، قوله عليه الصلاة والسلام: «حتى يترك ما لا يعنيه»، هذه الكلمة وهذا الترك يشمل أصنافاً وأنواعاً كثيرة. ولذلك يقول ابن رجب رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث: "وإذا حسن إسلامه فإنه يتضمن ذلك أن يترك أن يترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات من الأقوال والأعمال، فكل ذلك لا يعني المؤمن وليس هو من اهتماماته ولا من مقاصده وشؤونه، يترك المحرمات ويترك المشتبهات ويبتعد عن المكروهات، بل ويحرص على أن يترك فضول المباحات". ولا تظن يا عبد الله أن ترك ما لا يعني مقصور على أمر واحد أو على أمور قليلة، فقد ذكر العلامة ابن القيم عليه رحمة الله كما في كتابه مدارج السالكين، وعند تعليقه على هذا الحديث قال رحمه الله تعالى: "فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع الورع كله في كلمة واحدة، فقال: «من حسن إسلام المر تركه ما لا يعنيه»، قال: وهذا يعم الترك لما لا يعنيه من النظر والكلام والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الأعمال أو وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه كلمة شافية كافية". انتهى كلام ابن القيم عليه رحمة الله. فمن صوري الخوض فيما لا يعني أن يكون ذلك بالنظر، أن تطلق نظرك في شيء لا فائدة منه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. لا تقف على شيء لا تنتفع به. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. لا تمدن عينيك متعجبا لما أعطى الله عز وجل المتمتعين بزخر في هذه الدنيا من القصور، من الأموال، من المراكب، من المساكن. لا تمدن عينيك إلى ما متعن به هؤلاء، فإن ذلك لا ينفعك، فاشتغل بما ينفعك. ولذلك ذكر العلامة ابن العثيمين كما في شرحه "الشرح الممتع" أن من السنن المهجورة أن يقول المسلم إذا نظر إلى شيء أعجبه من زخر في هذه الدنيا: "لبيك، لا عيش إلا عيش الآخرة". وقد صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحج عندما انصرف الناس عنه فأعجبه ذلك، فقال: "لبيك، لا عيش إلا عيش الآخرة". وورد في ذلك أحاديث مرسلة، بوّب عليها العلماء واحتجوا بها على هذا الأمر، ليدل ذلك أخي المسلم أن الأمر الذي لا يعنيك لا تنشغل به ولا تخوض فيه. وهكذا من صوري ما لا يعنيك أن تتكلم بكلام لا يعنيك، أن تطلق لسانك في أمر لا يقدم لك خيرا بل ربما يضرك. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وإن الله كره لكم ثلاثا: كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». كره لكم قيل وقال: أن تنقل قالات الناس، قال فلان، وقيل عن فلان، فلان طلق زوجته، فلان راجع زوجته، فلان خسر تجارته. ماذا يعنيك هذا الكلام أخي المسلم؟ احذر من قيل وقال، فإن الله سبحانه وتعالى قد كره لنا ذلك. وكذلك لا تستمع إلى شيء لا تنتفع منه، ولا تخطو خطوة وتمشي إلى مكان ما فيه ضياع وفيه خسارة عليك. وهكذا حتى الفكر، لا تشغله في شيء لا ينفعك، لا تشغل بالك في أمور تافهة، اشغل فكرك في طاعة الله فيما يعود عليك بالنفع في أمر دينك أو دنياك. تعجب من بعض الناس ربما يطلع عليه الضغط بسبب فكره في المباراة أو في الضمنة أو في أمور تافهة لا تنصر إسلاماً ولا تعز ديناً ولا تخدم أسرةً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا لا تشغل فكرك فيما يكون من نوازل تنزل بالمسلمين، فإنما رد ذلك إلى الأمراء وإلى العلماء، ليس لكل أحد من أفراد هذه الأمة يدخل في أمر السياسات وفي أمر تجبير أمور المسلمين، فيقول: هذا ما يصلح أن يكون في هذا المنصب، وذاك ما يصلح أن يكون في هذا المنصب. ماذا يغني كلامك هذا في تغيير ذاك الوزير أو ذاك الرئيس أو ذاك المسؤول؟ «من حسن إسلام المر تركه ما لا يعنيه». فاتركوا أمر السياسات لأهلها واشتغلوا بما ينفعكم. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهكذا احذر الفضول في الأجهزة الحديثة من الجوالات وشبكات النت وغير ذلك، فإن فضول بعض الناس يجعله يدخل في المواقع المحرمة ويفتح الروابط التي لا تعنيه، ربما يرى صورة فيدفعه الفضول إلى أن يفتح هذه الصورة، أو يرى رابطا فيه عبارة جذابة فيدفعه الفضول إلى أن يفتح هذا الرابط، ربما رأى لا ينظر إليه إلا المتزوجون فيدخل فإذا هو الزنا والخنى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. احذر من ذلكم الفضول. «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». حافظ على سلامة قلبك أخي المسلم. أيها المسلمون، عباد الله، إن من دخل في ما لا يعنيه لربما كان سببا في حبسه عن دخول الجنة. فقد أخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَدَ كعب بن عجرة، فسأل عنه، فقالوا: هو مريض يا رسول الله، هو مريض يا رسول الله. فخرج يمشي عليه الصلاة والسلام حتى أتاه، ودخل إلى بيته، وقال له: «أبشر يا كعب». فقالت أم كعب: هنيئا لك الجنة. فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «من هذه المتألية على الله؟» فقال كعب بن عجرة: هي أمي يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «وما يدريك يا أم كعب؟ وما يدريك يا أم كعب؟ لعل كعبا تكلم في ما لا يعنيه، أو منع ما لا يغنيه». حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في سلسلة الأحاديث الصحيحة. لتعلم عبد الله خطورة الخوض في ما لا يعنيك. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا تكاثرت أقوال السلف في ذم الخوض في ما لا يعني. فهذا الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله يقول: "إن من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعله يشتغل بما لا ينفعه، أن يجعله يشتغل بما لا ينفعه". وهكذا يقول معروف الكرخي رحمه الله: "كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله، خذلان من الله". وهكذا يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله: "ثلاثة تزيد في العقل: مجالسة العلماء، ومجالسة الصالحين، وعدم وترك الكلام فيما لا يعنيك، وترك الكلام فيما لا يعنيك". وهكذا يقول مالك بن دينار عليه رحمة الله: "إذا رأيت قساوة في قلبك وحرمانا في رزقك ووهنا في بدنك، فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك، فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك". وقد قيل قديماً: "من سأل عما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه، سمع ما لا يرضيه". أيها المسلمون، عباد الله، إن الحديث الذي تكلمنا عنه في هذه الخطبة: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، يحثنا نبينا عليه الصلاة والسلام فيه على الاشتغال بما ينفعنا ويقربنا إلى خالقنا. فإنا ترك ما لا ينفع فيه فوائد عظيمة، منها: الاشتغال بما ينفع، فإن نفسك التي بين جنبيك إذا لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. ولذلك وصية نبيكم عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، احرص على ما ينفعك»؛ أي على الذي ينفعك. فاجعل هذا ميزانا في كل قول تقوله، أو في كل نظر تنظره، أو في كل استماع تسمعه: هل هذه الأعمال تنفعني أو لا تنفعني؟ فإن كان فيها نفع فاحرص عليها، فاحرص عليها. وصية نبيك عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك». ماذا ينفعك الخوض في أعراض المسلمين؟ ماذا ينفعك تتبع عورات المسلمين؟ وفلان فيه وفيه. وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، فمن تتبع عورات المسلمين نسي نفسه، وتتبع الناس عوراته، بل وفضحه الله عز وجل. انظروا إلى عاقبة الخوض فيما لا يعني: أخرج الإمام الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال، وقد صعد المنبر عليه الصلاة والسلام: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه، ولو في قعر بيته، فضحه ولو في قعر بيته». إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى ودينك موفور وعرضك صين لسانك لا تذكر بها عورة امرئ فكلّك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك معابا فدعها وقل يا عين للناس أعين فلا تخض يا عبد الله فيما لا يعنيك، اشتغل بعيوب نفسك، اشتغل بأخطائك، لا تشتغل بعيوب غيرك، ماذا ستنتفع من ذلك؟ «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وأخيرا عباد الله، اعلموا أن المقياس في ترك ما لا يعني هو الشرع، هو الشرع، لا الهوى ولا الرأي، وإنما هو الشرع. ونقول ذلك لأن بعض الناس ربما يترك أمورا شرعية، ربما يترك أمورا شرعية بحجة أنها تدخل في حياة الناس أو في شخصية فلان أو علان، فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسداء النصيحة بحجة: لا أتدخل فيما لا يعنيني. ليس الأمر كذلك، فإنك إن رأيت عيبا في أخيك أو زللا أو خطأ فالواجب عليك أن تنصحه بالحكمة، بالستر، بالرفق، بالرحمة، لا بالتشهير، لا بالتنفير، لا بالشدة والغلظة. فهذا مما يعنيك أن تنصحه وأن تسدي إليه النصيحة. وإنما ترك ما لا يعني مما دل عليه الشرع من الأقوال والأعمال التي لا تنفع صاحبها. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحبه وترضى. اللهم يسر له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتوجهه إليه. اللهم احفظ العباد والبلاد من كل مفسد ومجرم. اللهم من أرادنا والمسلمين بخير فوفقه إلى كل خير، ومن أرادنا والمسلمين بشر فأشغله في نفسه واجعل تدبيره تدميرا عليه يا ذا الجلال والإكرام. وصَلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.