الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُعرّف الواجب في الشريعة بأنه ما طلبه الشرع على وجه الإلزام، ويُشترط فيه القدرة. العبادات تسقط مع العجز وتُؤدى بقدر الاستطاعة. هذا المفهوم مستند إلى الكتاب والسنة والإجماع.
يوجد عدة أنواع للتيسير في العبادات عند المشقة، مثل الإسقاط والإبدال وتأخير أو تقديم العبادة. تُشرح هذه الأنواع بأمثلة مثل سقوط صلاة الجماعة عن المعذورين واستبدال الوضوء بالتيمم عند العجز.
يتناول المقطع تطبيقات التيسير في الصلاة، مثل جمع الصلوات وتقديمها وتأخيرها، وتنقيص عدد الركعات للمسافر، وتغيير هيئة الصلاة في حالة الخوف. كما يُناقش التعامل مع العجز أثناء الصلاة بالانتقال إلى ما يمكن أداؤه.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ مَرَّ مَعَنَا الْكَلَامُ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَالنَّظْمِ الَّذِي سَطَرَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ التَّيْسِيرُ فِي كُلِّ أَمْرٍ نَابَهُ تَعْسِيرٌ. وَكَانَ الْخَوْضُ فِي مَوْضُوعِ الْيُسْرِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَأَنْوَاعِ الْمَشَقَّةِ مِنْ حَيْثُ الْقِسْمَةُ الْعُمُومِيَةُ وَمِنْ حَيْثُ صُوَرِهَا. وَمِنْ الْمَشَقَّةِ مَا هِيَ تَنْفَكُّ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَمِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَا يَنْفَكُّ أَصْلًا عَنْ الْعِبَادَةِ بَلْ هُوَ لَازِمٌ فِي أَصْلِهَا. وَقُلْنَا إنَّ الْعِبَادَةَ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْهَا الْمَشَقَّةُ تَكُونُ عَلَى صُوَرٍ ثَلَاثٍ: إِمَّا مَشَقَّةٌ يَسِيرَةٌ، وَإِمَّا مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَإِمَّا مَشَقَّةٌ مُتَوَسِّطَةٌ. وَكَذَلِكَ خَوَانِفُ اللَّهِ مِمَّا يُذْكَرُ فِي أَمْرِ الْمَشَقَّةِ، وَأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ الَّذِي جُعِلَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَأَنْوَاعُ التَّيْسِيرِ كَثِيرَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ نَجْمَعَهَا أَوْ نُجَمِّلَهَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السِّتَةِ أَوْ السَّبْعَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. فَمِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّنَا لِعِبَادِهِ عِنْدَ الْمَشَاقِّ مَسْأَلَةُ الْإِسْقَاطِ. وَنَعْنِي بِالْإِسْقَاطِ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَسْقُطُ عَنْ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ. مِثَالُهُ سُقُوطُ الْجَمَاعَةِ، سُقُوطُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْأَعْذَارِ. فَمَنْ نَابَهُ عُذْرٌ وَمَشَقَّةٌ فِي نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ حَالَةٌ بَيْنَ خُرُوجِهِ إلَى الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَسْقُطُ، وَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا. وَكَذَلِكَ مِنْ صُوَرِ التَّيْسِيرِ الْإِبْدَالُ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ. يَعْنِي مَعْنَى الْإِبْدَالِ مِنْ أَوْجُهِ التَّيْسِيرِ أَنَّ الْعِبَادَةَ الَّتِي أَنْتَ طُولِبْتَ بِهَا، لَكِنْ بِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ دَخَلَ عَلَيْهَا التَّيْسِيرُ، وَذَلِكَ بِأَنْ اسْتُبْدِلَتْ بِعِبَادَةٍ أُخْرَى. مِثَالُ ذَلِكَ التَّيَمُّمُ، فَالْأَصْلُ أَنَّكَ تَتَوَضَأُ بِالْمَاءِ، لَكِنْ إذَا لَمْ تَسْتَطِعْ لِلْمَاءِ سَبِيلًا، فَحِينَهَا التَّيَمُّمُ، أَوْ شَقَّ عَلَيْكَ اسْتِخْدَامُ الْمَاءِ، فَإِنَّكَ تَتَرَخَّصُ بِالتَّيَمُّمِ. وَهَكَذَا مِثْلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْفِدْيَةِ فِي حَقِّ الْكَبِيرِ الَّذِي يَرَهُقُهُ الصَّوْمُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصُومَ. فَهَلْ يُقَالُ: خَلَاصٌ يَسْقُطُ عَنْكَ الْأَمْرُ؟ لَا، لَا يَسْقُطُ عَنْكَ الْبَتَّةَ، لَيْسَ عِنْدِي إسْقَاطٌ، لَكِنْ عِنْدِي إبْدَالٌ. تَسْتَبْدِلُ بَدَلَ الصِّيَامِ أَنَّكَ تُفْدِي، وَذَلِكَ بِإِطْعَامِ مَسَاكِينَ عَلَى قَدْرِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرْتَهَا. فَهَذَا يُسَمَّى الْإِبْدَالُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ فِي الْعِبَادَةِ. وَكَذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ فِي الْعِبَادَةِ عِنْدَ الْمَشَقَّةِ تَأْخِيرُ الْعِبَادَةِ. الْأَصْلُ أَنَّ الْمَرْءَ يُؤَدِّي الْعِبَادَةَ فِي وَقْتِهَا وَفِي زَمَنِهَا، لَكِنْ لَرُبَّمَا تَأْتِي مَشَقَّةٌ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعِبَادَةَ فِي وَقْتِهَا. فَيَأْتِي التَّيْسِيرُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ صُوَرِ التَّيْسِيرِ أَنَّ لَكَ أَنْ تُؤَخِّرَ الْعِبَادَةَ عَنْ وَقْتِهَا. وَالْأَمْثِلَةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْ ذَلِكَ جَمْعُ التَّأْخِيرِ. وَضَابِطُهُ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْأُولَى فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ تَأْخِيرُ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِبْرَادِ. فَمَعَ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الصَّيْفِ، فَرُغْمَ مَا يَتَأَتَّى لِلْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْخُشُوعَ وَالْخُضُوعَ وَهُوَ يُعَانِي مِنْ الزَّمْهَرِيرِ وَالْحَرِّ الْمَوْجُودِ فِي الْجَوِّ. وَامْرُ النَّبِيِّ بِالْإِبْرَادِ حَتَّى قَالَ: بِلَالٌ، أَبْرِدُوا، أَبْرِدُوا، أَيْ أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، يَأْخُرُونَهَا حَتَّى يَبْرُدَ الْوَقْتُ. فَهَذَا مِنْ الْأَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ الَّذِي تُيَسَّرُ فِيهِ فِعْلُ عِبَادَةٍ أَنْ تُؤَخَّرَ عَنْ وَقْتِهَا. وَهَكَذَا الْقَضَاءُ، قَضَاءُ رَمَضَانَ، كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. وَرُبَّمَا يَتَأَتَّى لِإِنْسَانٍ الَّذِي عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ مَا يَتَأَتَّى أَنْ يُؤَدِّيَهُ بَعْدَ رَمَضَانَ أَيْ فِي شَوَّالٍ مُبَاشَرَةً. وَمَعَ ذَلِكَ فَجَاءَتْ الرُّخْصَةُ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ وَيُبَاعِدَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَطْلَقَ. وَكَذَلِكَ مِنْ صُوَرِ التَّيْسِيرِ تَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ. وَهُوَ عَلَى نَمَطِ السَّابِقِ. الْأَصْلُ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَأْتِي بِهَا فِي وَقْتِهَا وَفِي مَحَلِّهَا، لَكِنْ أَحْيَانًا الشَّرْعُ يُرَاعِي جَانِبَ التَّيْسِيرِ، فَرُبَّمَا لَكَ أَنْ تُقَدِّمَ الْعِبَادَةَ عَنْ وَقْتِهَا. مِثَالُ ذَلِكَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ. فَلَرُبَّمَا يُمْكِنُ أَنْ تُصَلِّيَ الْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، أَوْ تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ. هَذَا مِنْ جَمْعِ التَّقْدِيمِ. وَضَابِطُهُ أَنْ تُصَلِّيَ فَرْضَةً ثَانِيَةً فِي فَرْضِ الْأُولَى. هَذَا جَمْعُ تَقْدِيمٍ، وَهَذَا كَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ. وَأَيْضًا مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ تَنْقِيصُ الْعِبَادَةِ. وَنَعْنِي بِالتَّنْقِيصِ أَيْ الْعَدَدَ، أَيْ أَنَّ الْعَدَدَ يَتَنَاقَصُ فِي الْعِبَادَةِ. وَالْأَصْلُ أَنَّكَ تَأْتِي بِعَدَدِهَا. فَمِثَالُ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْمُسَافِرِ. فَأَنْتَ مُقِيمٌ تُصَلِّي الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ أَرْبَعًا، وَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ. لَكِنْ لَمَّا يَكُونُ الْمُسَافِرُ فِي مَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ وَيَنْشَغِلُ بِرِحْلَتِهِ، فَجَاءَتْ الرُّخْصَةُ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ، وَجَاءَ التَّيْسِيرُ. وَكَيْفَ التَّيْسِيرُ فِي هَذَا الْبَابِ؟ هَلْ بِالْإِلْغَاءِ؟ هَلْ بِالْإِسْقَاطِ؟ هَلْ بِالْإِبْدَالِ؟ لَا، هَذَا وَلَا ذَاكَ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِالْإِنْقَاصِ. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ: إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ. فَالشَّطْرُ فِي الصَّلَاةِ سَقَطَتْ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ. وَكَذَلِكَ السَّادِسُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ تَغْيِيرُ الْعِبَادَةِ. وَمَعْنَى التَّغْيِيرِ أَنَّ هَيْئَةَ الْعِبَادَةِ تَتَغَيَّرُ. فَلَيْسَ عِنْدِي إسْقَاطٌ، وَلَيْسَ عِنْدِي تَقْدِيمٌ، وَلَيْسَ عِنْدِي تَأْخِيرٌ. الصَّلَاةُ هِيَ هَيْئَةٌ، لَكِنْ يَكُونُ فِيهَا تَغْيِيرٌ فِي هَيْئَتِهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ تُلَائِمُ الْمُصَلِّيَ. وَيُمَثِّلُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ. فَتَجِدُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ قَدْ تَغَيَّرَتْ تَمَامًا فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ، تَغَيَّرَتْ تَمَامًا فِي هَيْئَتِهَا بِأَشْكَالٍ كَثِيرَةٍ. بَلْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ صُوَرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ سِتُّ صُوَرٍ. وَكُلُّهَا مُرْعَى فِيهَا لِحَالِ الْمُقَاتِلِ وَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى لَا يُبَاغَتَ مِنْ قِبَلِ الْكُفَّارِ. فَكَانَ لَهُ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ بِحَالَتِهِ وَبِشَكْلِهِ، حَتَّى يَبْتَعِدَ وَيَبْتَعِدَ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ وَالْعَنَتُ وَهُوَ فِي سَاحَةِ الْوَغَى فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ. وَأَيْضًا السَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ إِبَاحَةُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا سَيَأْتِي عِنْدَ الضَّرُورَةِ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ سَبْعَةٌ يَذْكُرُهَا الْعُلَمَاءُ حَوْلَ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ، أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ الَّذِي جَعَلَهَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي بَابِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ: إِمَّا الْإِسْقَاطُ، وَإِمَّا الْإِبْدَالُ، وَإِمَّا التَّقْدِيمُ، وَإِمَّا التَّأْخِيرُ، وَإِمَّا الْإِنْقَاصُ، وَإِمَّا التَّغْيِيرُ، وَإِمَّا إِبَاحَةُ الْمُحَرَّمَاتِ. وَكَذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْلَكٍ آخَرَ، وَهُوَ مُهِمٌّ، مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِ التَّخْفِيفِ. وَهَذَا نُؤَجِّلُهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يُسْعِدُ بِمَقَامٍ آخَرَ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ. فَأَسْبَابُ التَّخْفِيفِ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الْمَرَضُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْإِكْرَاهُ، وَالْجَهْلُ، وَزَلَّةُ اللِّسَانِ، وَعُمُومُ الْبَلْوَى، وَكَذَلِكَ مَضَاعِلُهَا، مَوَاضِعُ تَخُصُّهَا، وَأَمْثِلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا. لَكِنْ لَعَلَّ اللَّهَ حَتَّى لَا نُطِيلَ الْمَبْحَثَ فِي هَذَا الْبَيْتِ نَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارٍ وَلَا مُحَرَّمٌ مَعَ الطَّرَارِ. هَذَا الْبَيْتُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ. فَفِي كُلِّ الشَّطْرِ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ يَحْتَوِي عَلَى قَاعِدَةٍ تَخُصُّهُ. فَالْقَاعِدَةُ الْأُولَى، وَالَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارٍ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يُعَبَّرُ عَنْهَا الْعُلَمَاءُ بِقَوْلِهِمْ: لَا وَاجِبَ مَعَ الْعَجْزِ. لَا وَاجِبَ مَعَ الْعَجْزِ، هَكَذَا يُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ تَبَعٌ لِمَا مَضَى. هِيَ تَبَعٌ لِمَا مَضَى، لِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يُفْعَلُ مَعَ الْعَجْزِ. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ، نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ. فَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ، وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْأُمُّ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ. فَكَانَ مِنْ تَيْسِيرِ الشَّرِيعَةِ وَمِنْ سَمَاحَةِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي قَالَ عَنْهَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ. وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ. فَكَانَ مِنْ مَسْلَكِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَسْقَطَ الْوَاجِبَاتِ عَنْ الْعَاجِزِينَ. فَهَا هِيَ تَدْخُلُ فِي قَاعِدَةِ الْأُمِّ، وَهِيَ أَنَّ الدِّينَ يَدُورُ حَوْلَ السَّمَاحَةِ وَالرِّفْقِ وَرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَتِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارٍ. قَوْلُهُ: وَلَيْسَ وَاجِبٌ. الْوَاجِبُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَأْتِي بِمَعْنَى الصَّاقِطِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى اللَّازِمِ. يَأْتِي بِمَعْنَى الصَّاقِطِ فِي اللُّغَةِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى اللَّازِمِ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي تَجِدُ أَنَّهَا مُتَبَايِنَةٌ: عِنْدِي شَيْءٌ لَازِمٌ، وَعِنْدِي شَيْءٌ صَاقِطٌ. وَلِهَذَا يَعُدُّ الْعُلَمَاءُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ كَلِمَةَ وَاجِبٌ تَعَدُّ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَضْدَادِ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَتَحْتَوِي عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُتَعَاكِسَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ. هِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. فَالْوَاجِبُ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَى اللَّازِمِ، وَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ يُسْتَخْدَمُ بِمَعْنَى الصَّاقِطِ. وَكَذَلِكَ مِثْلٌ كَثِيرٌ، مِثْلُ كَلِمَةِ الظَّنِّ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. الظَّنُّ تُسْتَخْدَمُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَتُسْتَخْدَمُ أَيْضًا كَذَلِكَ بِمَعْنَى الشَّكِّ. عِنْدِي يَقِينٌ، وَعِنْدِي شَكٌّ، تَبَايُنٌ وَاضِحٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. عِنْدَكَ قَرءٌ، كَلِمَةُ قَرءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَضْدَادِ، تُطْلَقُ عَلَى الطُّهْرِ، وَتُطْلَقُ كَذَلِكَ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى الْحَيْضِ. وَهَكَذَا كَلِمَةُ سَلِيمٍ، سَلِيمٌ تُطْلَقُ عَلَى الشَّخْصِ الصَّحِيحِ الْمُعَافَى، وَتُطْلَقُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَلْدُودِ الْمَرِيضِ. فَهَذَا يُسَمَّى بِأَلْفَاظِ الْأَضْدَادِ. وَغَلَّ الْعُلَمَاءُ فِيهَا مُؤَلَّفَاتٍ حَوْلَ جَمْعِهِمْ لِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي هِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَحْتَوِي عَلَى مَعَانٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَسَمَّاهَا عُلَمَاءُ بِأَلْفَاظِ الْأَضْدَادِ. وَمِنْهَا كَلِمَةُ الْوَاجِبِ، كَلِمَةُ الْوَاجِبِ. وَهَذَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. أَمَّا شَرْعًا، وَهَذَا الَّذِي يَهْمُنَا، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ وَاجِبٌ. وَالْوَاجِبُ اصْطِلَاحًا مَا طُلِبَ بِهِ الشَّرْعُ. وَبَعْضُهُمْ يُعَبِّرُ الشَّارِعُ: مَا طُلِبَ بِهِ شَرْعٌ طَلَبًا جَازِمًا، أَوْ مَا أَمَرَ بِهِ شَرْعٌ أَمْرًا جَازِمًا. هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي لُغَةِ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا مَا رَدَهُ إلَى كُتُبِ الْأُصُولِ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَمُّقِ فِيهِ. فَالْوَاجِبَاتُ هِيَ بِمَعْنَى مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ. مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ، هَذَا يُعْتَبَرُ وَاجِبًا. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارٍ. قَوْلُ اقْتِدَارٍ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ. فَيَكُونُ مَفْهُومُ هَذَا الْبَيْتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا هُنَاكَ وَاجِبَاتٌ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ. لَا هُنَاكَ وَاجِبَاتٌ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ. فَالْقُدْرَةُ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْعُلَمَاءَ جَعَلُوهَا مِنْ أَنْظَارٍ تَرْتَكِزُ عَلَيْهَا تَكْلِيفُ الْعَبْدِ بِالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. إِذْ بِوُجُودِهَا تُقَامُ الْعِبَادَاتُ، وَبِإِلْغَائِهَا، بِعَدَمِ وُجُودِهَا، تَنْتَفِي الْعِبَادَةُ. فَلَا هُنَاكَ شَرْطٌ أَعْظَمُ مِنْ شَرْطِ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ بِشَرْطِ الْاقْتِدَارِ بَعْدَ شَرْطِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ. وَسَيَأْتِي الْأَمْثِلَةُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَوْلُ مُؤَلِّفٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارٍ. يَقُولُ هَذَا احْتَوَى عَلَى قَاعِدَةٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، بِمَعْنَى لَا وَاجِبَ مَعَ عَجْزٍ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَا وَاجِبَ مَعَ عَجْزٍ دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. أَمَّا مِنْ الْكِتَابِ فَقَوْلُ رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. فَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَرْءَ يُؤَدِّي الْعِبَادَةَ الَّتِي يَسْتَطِيعُ عَلَيْهَا، وَالَّتِي هِيَ بِوُسْعِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا بِوُسْعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ بِذَلِكَ، لَا يُكَلِّفُ بِذَلِكَ. إذَنْ الْعِبَادَاتُ تَسْقُطُ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ، تَسْقُطُ مَعَ وُجُودِ الْعَجْزِ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوُسْعِ الْعَبْدِ. وَهَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. فَكَانَ تَعْلِيقُ التَّقْوَى أَنَّكَ تُبَالِغُ إلَى بَابِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَةِ الْعَبْدِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، بِقَدْرِ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبَذِّلَهُ فِي بَابِ الطَّاعَةِ. وَمَا كَانَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِكَ، فَهَذَا لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِيهِ. وَهَكَذَا مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. فَعَلَّقَ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِعْلَ الْأَوَامِرِ، وَمِنْهَا الْوَاجِبَاتُ، أَنْ تُفْعَلَ عَلَى قَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ، أَنْ تُفْعَلَ عَلَى قَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِهِ، حَتَّى قَالَ: وَهَتَانِ قَاعِدَتَانِ عَظِيمَتَانِ ذَكَرَهُمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِمَا. وَالْقَوْلُ كَمَا قَالَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ الْإِجْمَاعَ وَالِاتِّفَاقَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. لِأَنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ وَاضِحَةٌ فِي أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ مِنْ سَمَاحَةِ هَذَا الدِّينِ وَهَذِهِ الْمِلَّةِ أَنَّ اللَّهَ أَسْقَطَ الْوَاجِبَاتِ عَنْ الْعَاجِزِينَ. فَأَدِلَّةُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ هُنَا يَا عَبْدَ اللَّهِ تَأْتِي الْمَسَائِلُ الْكَثِيرَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذَلِكَ. بَلْ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَأَوْضَحَهَا فِي قَوْلِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. فَالْأَصْلُ أَنَّكَ تُصَلِّي قَائِمًا، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. فَقِيَامٌ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. لَكِنْ قَدْ يَعْجِزُ الْعَبْدُ، لَا يَسْتَطِيعُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا. إِذَنْ مَاذَا يَفْعَلُ؟ انْتَقِلْ إلَى الَّذِي تَسْتَطِيعُ، وَهُوَ الْجُلُوسُ وَالْقُعُودُ. فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا. كَذَلِكَ لَرُبَّمَا قَدْ يُصَابُ الْمُصَلِّي بِآفَةٍ أَوْ بِعَاهَةٍ أَوْ بِمَرَضٍ تَكُونُ فِيهَا حِيلُولَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ