الدرس في شرح فتح المجيد 31، ألقاها
إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه والمشركين واعتزلهم، مع توضيح أن استغفاره لأبيه لا ينافي تبرؤه من الشرك. أعلن براءته من كل معبود سوى الله وتبرأ من قومه المشركين.
تفسير الآيات المتعلقة ببراءة إبراهيم عليه السلام من الشرك، وتوضيح تحقيق التوحيد كصفة للمؤمنين السابقين إلى الجنة. كما يبين موقف إبراهيم من أبيه وتبرؤه منه بعد موته على الشرك.
أهمية تحقيق التوحيد وعدم الشرك بالله، ووصف المؤمنين السابقين إلى الجنة بعدم الشرك به وتوحيده في الألوهية والربوبية وأسمائه وصفاته. يوضح معنى الشرك الجلي والخفي.
نيل مرتبة المتقين يتطلب ترك الشرك كله، سواء كان أكبر أو أصغر، في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء وصفات. ترك الشرك يشمل عدم الإشراك بربهم شيئا، جليا أو خفيا.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قبل أن ندخل في الدرس الجديد، ننبه على أمر، وهو أن الشيخ رحمه الله تعالى في الشرح، بعد أن ذكر ما حصل من إبراهيم عليه السلام ومن معه في قوله: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ إلا قول إبراهيم لأبيه «لأستغفرن لك»، إلى آخر الآية، بعضهم أو بعض الإخوة استشكل هذا الأمر، قال: كيف يقال إن إبراهيم قد تبرأ، وفي الآية أنه قال لأبيه «لأستغفرن لك»؟ فالجواب أن إبراهيم عليه السلام قد حصل منه التبرأ، قد حصل منه التبرأ والبعد والمباعدة من جميع المشركين، وبما فيهم أبوه آذر. ولذا نبه الشيخ رحمه الله تعالى في الآية الأخرى، إذ قال وذكر تعالى عن خليله عليه السلام أنه قال لأبيه آذر: «وأعتزلكم وما تدعون من دون الله»، وهذا يدل على أن إبراهيم عليه السلام، مع أنه قال لأبيه ما قال، مع هذا اعتزله وابتعد منه وتبرأ منه. فالشيخ رحمه الله تعالى أورد الآية الثانية في قوله: «وأعتزلكم ما تدعون من دون الله»؛ ليبين أن إبراهيم تبرأ من الشرك والمشركين، ومن جملة المشركين الذين تبرأ منهم أبوه آذر. ويبين هذا ويوضحه أن إبراهيم عليه السلام تبرأ من كل معبود سوى الله عز وجل، وقالها في ذلك سائر من كان على الشرك، وتبرأ من أبيه، فقال عليه السلام: «يا قوم إنني براء مما تشركون»، «إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين». وقال أيضا: «وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني». فإبراهيم عليه السلام تبرأ من المشركين وتبرأ من الشرك، ومن جملة المشركين الذين تبرأ منهم أبوه آذر. وهذا كما هو صريح هذه الآيات: «وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون»، والآية الأخرى التي تدل على أنه تبرأ منهم واعتزلهم في قوله: «وأعتزلكم ما تدعون من دون الله». فقوله: «وأعتزلكم ما تدعون من دون الله» هي كقوله في الآية: «إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ربكم». فالقرآن يفسر بعضه بعضا، ويبين بعضه بعضا. بقي كيف يقال في قول إبراهيم عليه السلام لأبيه «لأستغفرن لك»؟ فالجواب في قول الله جل وعلا: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾. إبراهيم عليه السلام كان قد وعد أباه بأنه يستغفر له، وكان يطمع بتوبة أبيه وبإيمان أبيه، فبقي على ذلك الاستغفار، فلما مات أبوه على الشرك وتبين أن أباه مات على ذلك الشرك، تبرأ منه. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: «وقال تعالى: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾». قال الشيخ رحمه الله تعالى: وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة، فأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها أنهم بربهم لا يشركون. ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من الشرك جلي أو خفي، نفى ذلك عنهم. وهذا هو تحقيق التوحيد الذي حسنت به أعمالهم وكملت ونفعتهم. قوله رحمه الله تعالى: قول الشيخ رحمه الله تعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذا الباب: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». وقوله تعالى: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ في أولئك الذين أثنى الله عز وجل ووصفهم الله عز وجل بصفات عظيمة، فقال: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. فذكر الله عز وجل هؤلاء بهذه الأوصاف العظيمة التي تدل على مكانة هؤلاء، وأنهم قد بلغوا الذروة العليا في هذا الباب. وكان من سبب ذلك أنهم بربهم لا يشركون. فهذا فيه بيان لذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذه الآية ها هنا، وهو أن من كان لا يشرك بالله عز وجل شيئا فحقق التوحيد، كان ماذا؟ دخل الجنة بغير حساب. قال الشيخ الشارح رحمه الله تعالى: وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة، أي وصف الله المؤمنين السابقين إلى الجنة، فأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها أنهم بربهم لا يشركون. أعظم صفة اتصف بها أولئك أنهم بربهم لا يشركون، بل هم بربهم موحدون، وله عابدون، وله متقون. قال: ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شرك جلي أو خفي، نفى ذلك عنهم. قلنا: في الشرك الجلي يكون الأمر واضحا، بقي في الشرك الخفي أو قل بقي في الشرك الأصغر، قد يقدح في إسلامهم بمعنى أنه قد ينقص من إسلامهم بحسب ما وقعوا فيه من الشرك الأصغر. فإذا كان كذلك، فيقول كلام على ما سبق في قوله رحمه الله تعالى: «ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شرك جلي أي أكبر أو خفي وهو أصغر». وطائفة من العلماء يقولون: إن الشرك الجلي معناه الشرك الظاهر، ويدخل في الشرك الظاهر على هذا المعنى الشرك الأكبر والشرك الأصغر. قال ابن كثير: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ أي لا يعبدون مع الله إلها غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولد وأنه لا نظير له. قوله أي قول إمام بن كثير رحمه الله: «والذين هم بربهم لا يشركون» قال: أي لا يعبدون مع الله غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله. هذا فيه إشارة إلى أنهم تركوا الشركة في الألوهية، تركوا الشركة في العبادة، بل فيه أنهم وحدوا الله وحده، فعبدوه وحده سبحانه وتعالى لا شريك له. وفي قوله: «أحد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولد وأنه لا نظير له» فيه إشارة أيضا إلى أنهم كذلك تركوا الشركة بالله عز وجل في الربوبية وفي أسمائه وصفاته. إذن هؤل الله نالوا هذه المرتبة العالية الجليلة بكونهم تركوا الشرك كله: الشرك في توحيد الألوهية، الشرك في توحيد الربوبية، الشرك في الأسماء وصفات، وسواء كان هذا الشرك أكبر أو كان أصغر، بل الشرك كلهم قد تركوه. في قوله: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ أي التقدير: لا يشركون بربهم شيئا، سواء كان هذا الشرك جليا أو كان خفيا، سواء كان أكبر أو كان أصغر، والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.