تذكير الإخوان ببعض نعم شهر رمضان

الخطبة بعنوان تذكير الإخوان ببعض نعم شهر رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٦ رمضان ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

غزوة بدر الكبرى ونصر الله للمؤمنين

تستعرض الخطبة غزوة بدر كأول مواجهة حاسمة بين الكفر والإيمان في رمضان، حيث انتصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بفضل دعاء النبي وتأييد الله بملائكته. وتؤكد على أن هذا النصر يمثل نموذجاً لتأييد الله للمؤمنين الصادقين في كل زمان.

فتح مكة وفضل العشر الأواخر من رمضان

يتناول المقطع فتح مكة رمضاناً حيث دخل النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً محطماً الأصنام ومانحاً الأمان لأهلها. ثم ينتقل للحديث عن فضائل العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر التي أنزل فيها القرآن وتفرق فيها الأمور الحكيمة.

فضائل ليلة القدر وتحديد أوقات تحريها

تبين الخطبة فضائل ليلة القدر من القرآن والسنة بأنها خير من ألف شهر وتنزل فيها الملائكة بالرحمة والسلام. وتوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتحريها في أوتار العشر الأواخر، مرجحة ليلة سبع وعشرين مع التنبيه على تنقلها بين الليالي الوترية سنوياً.

دعاء ختامي بالنصر للمجاهدين وإعزاز الإسلام

يختتم الخطيب بدعاء جامع يسأل الله فيه قبول الصيام والقيام، وإعزاز الإسلام والمسلمين، ونصر المجاهدين في اليمن وسائر المواضع مع تثبيت أقدامهم. ويختم الدعاء بالتكبير والتهليل مستحضراً معاني العزة والنصر الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن ربنا عز وجل في كتابه يذكر عباده في مواضع كثيرة بنعمه عليهم ليزدادوا له شكرًا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾. ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾. وكما قال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. والآيات كثيرة فيها حث وتذكير بنعم الله عز وجل على المؤمنين، وإنا في هذا المقام نأخذ بعض تلك النعم التي أنعم الله عز وجل بها على أهل الإسلام في هذا الشهر المبارك، في هذا الشهر المبارك شهر رمضان. فمن تلك النعم أيها المسلمون التي حصلت لأهل الإسلام في هذا الشهر المبارك: غزوة بدر الكبرى، تلك الغزوة التي نصر الله عز وجل فيها أهل الإيمان ومعسكر الرحمن سبحانه وتعالى، وهزم فيها أعوان الشيطان ومعسكر الشرك والطغيان. إنها تلك الغزوة التي هي أول غزوة حاسمة بين الكفر والإيمان، بين الكفر والإيمان. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بلغه خروج أبي سفيان بعير قريش من الشام، ندب المسلمين، ندب المسلمين لاعتراض تلك العير، فخرج من الصحابة رضي الله تعالى عنهم معه قرابة ثلاثمئة وبضعة عشر، خرجوا يريدون العير ولا يريدون العدو، يريدون العير ولا يريدون العدو، ولكن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يلتقي الفريقان ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. وذلك لما سمع أبو سفيان بخروج النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، أرسل صارخًا إلى أهل مكة من المشركين يستنجدهم كي ينقذوا عيرهم، فخرج كفار قريش قرابة، قرابة الألف وثلاثمئة، خرجوا كما وصفهم الله عز وجل: ﴿ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ ﴾، ﴿ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. ثم بعد ذلك أرسل إليهم أبو سفيان أن ارجعوا لأنه قد نفذ بالعير وسلمت من اعتراض المسلمين، ولكن بطرهم وكبرهم أبى إلا أن يستمروا في لقاء معسكر المسلمين، في لقاء معسكر المسلمين، فرجع منهم قرابة الثلاثمئة وبقي الألف، حتى قال قائلهم: والله لا نرجع حتى نُقيم ببدرٍ ثلاثة أيام ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسق الخمور، ولا يزال العرب يسمعون بنا حتى يهابوننا. إنه الكبر والغطرسة، ولكن الله بما يعملون محيط، ولرسوله وأصحابه مؤيد ونصير سبحانه وتعالى. فهيأ الله عز وجل لنبيه أسباب النصر عليهم، فخف نصب النبي عليه الصلاة والسلام خيمته، وشاور أصحابه: هل يرجعون أم يقدمون؟ فكان الصحابة بالإجماع أن يبقوا لمحاربة هؤلاء المتغطرصين، فنصب النبي عليه الصلاة والسلام خيمته ببدر، وبات ليلته يتضرع إلى الله عز وجل يدعوه ويرجوه سبحانه وتعالى، وكذلك يبالغ في الدعاء، وكان عنده صديقه ورفيقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، حتى سقط الرداء من على كتف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول له أبو بكر: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، كفاك مناشدتك ربك، والنبي عليه الصلاة والسلام يرفع يديه ويبالغ في رفعهما حتى بدأ بياض أبطيه عليه الصلاة والسلام، وهو يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». إنه سبب عظيم من أسباب النصر والتمكين، ألا وهو اللجوء إلى الله عز وجل ودعاء الله سبحانه وتعالى. فتهيأت الأسباب، وأنزل الله عز وجل ملائكته مؤيدة وكذلك ناصرة للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾. فهكذا نصر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، فقتلوا من المشركين فريقًا وأسروا فريقًا آخر، ولله الحمد والمنة، نصر الله عز وجل المسلمين، وقتل في هذه المعركة من صناديد الكفر من كفار قريش، وحل المسلمين، وهكذا هيبة لهم في قلوب كل عدو لهذا الدين، إذ أن عددهم ذلك العدد القليل مقابل عدد الكفار الكثير، ولكن ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾. وهناك نعمة أخرى أنعم الله عز وجل بها على أهل الإسلام في هذا الشهر المبارك، إنه فتح مكة، ذاك الفتح المبين الذي استبشر به أهل السماء، ودخل الناس بسببه في دين الله أفواجًا، وأضاءت الأرض ضياءً وابتهاجًا. إنه فتح مكة، تلك البلد التي أخرج منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي أحب البلاد إليه عليه الصلاة والسلام. إذ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد صالح قريش في ذلكم الصلح، صلح الحديبية، فنقضوا هذا الصلح، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام عنوة لفتح بلد الله الحرام، وخرج معه قرابة العشرة الآلاف من المسلمين، وذلك في عشر مضين من شهر رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة، وعلى مجنبتيه، وعلى إحدى مجنبتيه حواريه الزبير بن العوام، وعلى مجنبته الأخرى سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، دخل عليه الصلاة والسلام مكة متأطئ الرأس تواضعًا وتعظيمًا لله عز وجل، فنصبت رايته بالحجون، وبقي في ذلك الموقع، ثم قام عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله تعالى عنهم بين يديه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى دخل بيت الله الحرام، وكان فيه وحوله ثلاثمئة وستون صنمًا، وكان في يده عليه الصلاة والسلام قوس، فكان يطعنها ويهدمها وهو يقرأ قول الله عز وجل: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾، ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾. ثم دخل إلى بيت الله الحرام فوجد فيها التصاوير، فأمر بها فمحيت، وقريش ينظرون، ينظرون من تحته، ما يدرون ماذا صانع بهم، ماذا صانع بهم، ولكنه عليه الصلاة والسلام الرحمة المهدى، بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن أعطاهم الأمن والأمان، فقال عليه الصلاة والسلام: «من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن». هكذا أيها المسلمون نصر الله عز وجل أهل الإسلام، وصارت مكة بلاد إسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». فاشكروا الله أيها المسلمون إذ من علينا بهذه الانتصارات العظيمة والفتوحات الجليلة، ونسأل الله عز وجل أن يمن علينا في هذا الزمان بنصر من عنده على كل عدو لهذا الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، ومن نعم الله عز وجل علينا في هذا الشهر المبارك ما نحن قادمون عليه، وذلك بعد أربع ليال من تلك الأيام الفاضلة، إنها الأيام العشر الأخيرة من شهر رمضان، إنها أيام فاضلة، كان عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وجاء في الصحيحين أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، لشرف هذه الليالي وتحريًا وطلبًا والتماسًا لأعظم ليلة من لياليها، ألا وهي ليلة القدر. فإن ليلة القدر هي في العشر الأواخر من رمضان، كما قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة في الصحيحين: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، في العشر الأواخر من رمضان. فإذا من نعم الله عز وجل علينا في تلك العشر أن أكرمنا بهذه الليلة التي شرفها وفضلها، وجعل جزيل الثواب لمن قامها ولمن اجتهد فيها، وقد أشاد ربنا عز وجل بها وبفضلها في آيات في كتابه، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. فهذه الليلة ليلة مباركة لكثرة خيرها وكثرة بركتها ونزول الرحمات فيها، ومن بركة هذه الليلة كما في هذه الآية أن أنزل الله عز وجل فيها القرآن، وهكذا في هذه الآية: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾، أن يفصلوا من اللوح المحفوظ إلى الكتبة، وذلك ليكتبوا كل أمر حكيم مما هو كائن في تلك السنة، في تلك السنة، من الآجال ومن الأرزاق ومن الخير ومن الشر، من أحكام الله عز وجل ومن أوامره المحكمة المتقنة التي لا نقص فيها ولا خلل ولا سفه فيها ولا باطل، ﴿ تَنْزِيلًا مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾. وهكذا أشاد الله عز وجل بهذه الليلة في سورة كاملة من سور القرآن، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾. فقد جاء في هذه السورة، جاء في هذه السورة فضائل عدة لليلة القدر، فمن تلك الفضائل أن في هذه الليلة أنزل القرآن الذي فيه سعادة البشر أجمعين وهدايتهم في الدنيا والآخرة، وهكذا مما جاء في فضل هذه الليلة في هذه السورة ما دل عليه الاستفهام الذي يدل على التفخيم والتعظيم في قوله عز وجل: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾. وهكذا من فضائل هذه الليلة مما دلت عليها السورة أنها خير من ألف شهر، فثوابها مضاعف والعمل فيها مضاعف يعدل عمل ألف شهر، أكثر من ثمانين سنة، فمن يفرط في الجد والاجتهاد في هذه الليلة إلا محروم. وهكذا من فضائل هذه الليلة مما أفادته تلك السورة أنها سلام، أي سالمة من كل، سالمة من العذاب والعقاب، وذلك لما يكون عليه العباد من الأعمال الصالحة. وهكذا مما دلت عليه السورة من فضائل هذه الليلة أن الملائكة تنزل فيها، والملائكة لا تنزل إلا بالخير والرحمة والبركات. وهكذا مما دلت عليه هذه السورة من فضائل هذه الليلة أن الله عز وجل أنزل في شأنها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة، إلى يوم القيامة، ليلة واحدة ينزل ربنا عز وجل في شأنها سورة كاملة. فيا عباد الله، اقتدوا بنبيكم عليه الصلاة والسلام، وحيوا هذه الليلة أو تلك الليالي جميعًا بطاعة الله عز وجل، بقراءة القرآن، بقيام الليل، بالذكر من التسبيح والتهليل والتحميد والدعاء، ومن كذلك الاعتكاف، ومن كذلك الصدقة والبر والإحسان. فلله الحمد والمنة، أعمال الخير متنوعة، ما أن يخرج المسلم من طاعة إلا وتعترضه طاعة أخرى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. أيها المسلمون، وإن من حكمة الله عز وجل أنه لم يعين هذه الليلة بليلة محددة، كي يجتهد المجتهدون في تلك العشر جميعها، وكي يتميز الصادق المجتهد من غيره من الكسلان، وكذلك البعيد عن طاعة الرحمن سبحانه وتعالى. ولذلك كما سمعتم أن هذه الليلة تُطلب في العشر جميعًا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». ولكن قال العلماء بأدلة أخرى أن أرجى هذه العشر هي الأوتار، هي الأوتار، لما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». وهكذا أرجى هذه الأوتار السبع الأخيرة منها، السبع الأخيرة منها، لما جاء في الصحيحين من حديث بن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن أناسًا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر منها، في السبع الأواخر منها، فقال عليه الصلاة والسلام: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأخير من رمضان، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ». وهكذا أرجى هذه السبع ليلة سبع وعشرين، لما جاء في حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم أنه قال: «والله إني لأعلم ليلة القدر، أو تلك الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نقومها، ألا وهي ليلة سبع وعشرين». هكذا أيها المسلمون، ولذلك ينبغي للمسلم حتى يُدرك هذه الليلة أن يجتهد في العشر جميعًا، فإنه أحرى أن يُدرك هذه الليلة، ولا يعني ذلك أن هذه الليلة تكون في ليلة معينة في كل سنة، وإنما تنتقل كما ذكر ذلك جماعة من العلماء، منهم الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة في ليلة القدر، قال: وأرجح هذه الأقوال أنها في الوتر من العشر الأخير من رمضان، وأنها تنتقل، أي لا تكون في كل سنة في ليلة معينة، فقد تكون في سنة من السنين ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في سنة أخرى ليلة سبع وعشرين، وهكذا تتنقل من وتر إلى آخر. هكذا مفاد كلام أهل العلم في هذه الليلة، فهي نعمة عظيمة أيها المسلمون. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد: «أتاكم شهر مبارك، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم»، من حرم خيرها فقد حرم. ومن الذي يُحرم خيرها؟ إنه الذي يلهو عنها، والذي يبتعد عن الاجتهاد فيها. ألا فاحرصوا أيها المسلمون على الجد والاجتهاد فيما هو مقبل عليكم من تلك الأيام الفاضلة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، اللهم عجل بنصرك المبين على أعداء هذا الدين من الروافض الحاقدين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في اليمن وفي كل مكان يا أكرم الأكرمين، اللهم كن لهم ناصرًا ومعينًا، اللهم أنزل عليهم السكينة، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم سدّد رميهم وثبت أقدامهم يا ذا الجلال والإكرام. وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم بارك، اللهم انصرهم، والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، رسول الله، انصرهم.