الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 348، ألقاها
يتناول شرح الأحاديث النبوية المتعلقة بالدعوة إلى البيوت والاستئذان عند الدخول، مع تفصيل في حالات وجود نساء في البيت أو عدم وجودهن. يشير إلى أن الاستئذان يختلف باختلاف المكان والسياق.
يشرح حديثا عن الاستئذان ثلاث مرات قبل الدخول إلى بيت، ويوضح أن تجاوز هذا العدد غير جائز. كما يتطرق إلى آداب الوقوف عند الباب واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأثر معاوية بن حديج مع عمر بن الخطاب.
يفسر عبارة 'أو من غيره' حيث تشير إلى الأسباب التي توجب الوضوء مثل البول أو الغائط أو النوم، وليس الأسباب التي توجب الغسل مثل الجنابة. السنة النبوية دلت على أن المراد هو ما يوجب الوضوء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب دعاء الرجل إذنه. قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا شعبة، ومن الحجاج عن أبي إسحاق، وهو السبيع، عن أبي الأحواص، عن عبد الله بن مسعود، قال: إذا دعي الرجل فقد أذن له. قال حدثنا عياش بن الوليد، قال حدثنا عبد الأعلى، قال حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول، فهو إذنه. قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: رسول الرجل إلى الرجل إذنه. وفي هذه الأحاديث فيها دلالة لما بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله، وفي هذا الباب، باب دعاء الرجل إذنه، يعني إذا دعي إنسان إلى طعام أو ضيافة أو دخول بيت إنسان، فمجرد دعوته يعتبر هذا إذنا، يعتبر إذنا له بالدخول. قال عبد الله بن مسعود: إذا دعي الرجل فقد أذن له، يعني من دعاك للحضور إلى بيته فقد أذن لك في الدخول. وفي حديث أبي هريرة مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول، فهو إذنه، يعني مع الرسول الذي أرسله صاحب البيت، أحيانا يدعو الإنسان شخصا أو أشخاصا فيرسل لهم من يكلمهم ويدعوهم، فإذا جاء هذا المدعو مع الرسول الذي أرسله صاحب البيت، فله أن يدخل، فله أن يدخل. لكن قال أهل العلم: إذا كان المكان الذي سيدخله مكانا خاصا بالرجال، مثل بعض البيوت يجعل لها محل الضيافة، غرفة خاصة للضيافة، فمتى ما جاء دخل مباشرة، ماذا ما دعي جاء يأتي فيدخل. وأما إن كان المكان الذي دعي إليه فيه من نساء، فمثل هذا في مثل هذه الحالة يستأذن، وإن دعي يستأذن، فإن أذن له دخل. ويحمل هذا الحديث بالإذن في الدخول إذا جاء مع الرسول، إذا كان في مكان معد للضيافة واستقبال من يأتي من الرجال، إذا كان الحال على ذلك، فلا بأس يأتي مع الرسول ويدخل مباشرة إلى داخل البيت. قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا عبد الواحد، قال حدثنا عاصم، قال حدثنا محمد بن السيرين، عن أبي العلانية، قال في التعليق، وهو المرادي البصري واسمه مسلم، قال: أتيت أبا سعيد الخدري فسلمت فلم يؤذن لي، ثم سلمت فلم يؤذن لي، ثم سلمت الثالثة فرفعت صوتي وقلت: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يؤذن لي، فتنحيت ناحية فقعدت، يعني ابتعدت شيئا عن الباب، باب البيت أو البيت عن الدار، فخرج إلي غلام، فقال: أدخل، فدخلت. فقال لي أبو سعيد: أما إنك لو زدت لم يؤذن لك. فسألته عن الأوعية، فلم أسأله عن شيء إلا قال: حرام، حتى سألته عن الجف، فقال: حرام. قال محمد: يتخذ على رأسه إدم فيوكأ. والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. هذا الحديث كما سمعنا يخبر أبو العلانية أنه أتى أبا سعيد الخدري رضي الله عنه فسلم ثلاثا فلم يؤذن له، وقد رفع صوته في الثالثة، قال: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يؤذن له، فجلس ناحية، يعني بجانب البيت. وهذا فيه أن الإنسان إذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له، إما أن ينصرف وإما أن ينتظر قليلا، لعل صاحب البيت في الثالثة يتجهز للقيام والفتح الباب له، فينتظر قليلا، فإن فتح له بعد ذلك دخل، وإن لم يأت انصرف. فهو لما استأذن الثالثة فلم يؤذن له جلس في ناحية البيت، فخرج غلام من بيت أبي سعيد، فقال له: ادخل، أذن له في الدخول. قال: فدخلت. فقال لي أبو سعيد: أما إنك لو زدت لم يؤذن لك، يعني لو زدت استأذنت الرابعة لم يؤذن لك، لأن الاستئذان ثلاث مرات فقط، إن أذن لك فالحمد لله، لم يؤذن لك تنصرف. وقوله: إن زدت لم يؤذن لك، هذا من باب العقوبة، لأنك خالفت ما أذن به الشرع، الشرع أذن بثلاث مرات تستأذن، فليس لك أن تزيد رابعة، ليس لك أن تزيد رابعة. ثم سأله عن الأوعية، قال: فلم أسأله عن شيء إلا قال: حرام، الأوعية يعني التي تستخدم ويوضع فيها ماذا؟ النبيذ، كالحنتم والنقير والمزفت ونحوها من الأوعية التي تتخذ إما من جذوع النخل أو من غيرها. وقوله: فلم أسأله عن شيء إلا قال: حرام، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الانتباذ ببعض الأوعية في أول الأمر، كما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين، وابن عباس في الصحيحين في قصة وفد عبد القيس، نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عن الانتباذ في بعض الأوعية كالحنتم والنقير والمزفت. وهذه الأوعية كالنقير تتخذ من أصل النخلة، تتخذ من أصل النخلة، ثم ينبذ فيها الرطب والتمر. والحنتم جرار كانت تحمل فيها الخمر. والمزفت يتخذ من الزفت. وهذه الأوعية نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الانتباذ فيها؛ لأن لها ماذا؟ تأثير في سرعة التخمير، سرعة انتقال النبيذ إلى أن يصير خمرا، فنهى، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن استعمالها. لكن هذا النهي منسوخ، فأذن النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك باستعمالها، وأمر باجتناب كل شراب مسكر، كما جاء في حديث بريدة في صحيح الإمام مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: كنت نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا. فهذا الحديث ناسخ للأحاديث الأخرى التي فيها النهي عن استعمال تلك الأوعية. فأبو سعيد رضي الله عنه لما نهاه عن استعمالها لعله لم يبلغه النسخ، أو أنه ذهب إلى كراهية استعمالها وبالمنع منها كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء. لكن الصحيح أن النهي عن الانتباذ في تلك الأوعية قد نسخ ورفع، ويجوز استعمالها مع تجنب شرب ما قد أسكر. قال: حتى سألته عن الجف. والجف، قال في النهاية كما قال المعلق: وعاء من جلود لا يوكأ، يعني لا يشد، وعاء من جلد لا يربط. ولما سأله عن ذلك قال: حرام. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن الفرق بين الأسقية من الأدم وبين غيرها، الأدم يعني من الجلود، وبين غيرها، أن الأسقية يتخللها الهواء من مسامها، يعني من الفتحات التي تكون فيها، قال: فلا يسرع إليها الفساد مثل ما يسرع إلى غيرها من الجرار ونحوها مما نهى عن الانتباذ فيه. وأيضا فالسقاء إذا نبذ فيه ثم ربط، أمنت مفسدة الإسكار بما يشرى منه؛ لأنه متى تغير وصار مسكرا شق الجلد، فإذا لم يشقه فهو غير مسكر. فالمهم أن هذه الأوعية الصحيح يجوز استعمال كل وعاء، سواء كان من الجلود أو من غيرها، كلها يجوز استعمالها والانتباذ فيها، لكن ينتبه أنه لا يشرب ما قد تغير وصار ماذا؟ مسكرا، فيتجنبه. هذا الذي يدل عليه حديث بريدة، وهو القول الصحيح إن شاء الله في هذه المسألة. قال: باب كيف يقوم عند الباب. قال حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال حدثنا بقية، قال حدثني محمد بن عبد الرحمن اليحصبي، قال حدثني عبد الله بن بسر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى بابا يريد أن يستأذن لم يستقبله، جاء يمينا وشمالا، فإن أذن له وإلا انصرف. والحديث صححه الألباني رحمه الله. هذا الحديث فيه أدب من آداب الاستئذان، أن الإنسان إذا جاء يستأذن على صاحب البيت، فإنه لا يقف تجاه الباب وأمام الباب، وإنما يقف عن يمينه أو شماله، يقف عن يمينه أو شماله، حتى لا يطلع على العورات التي في البيت، ربما يأتي الإنسان يفتح الباب وتكون مقابل الباب فترى من داخل البيت وتطلع عليهم. فلذلك كان من الأدب أن تكون على أحد جانبي الباب، إما عن اليمين وإما عن الشمال، بحيث لو فتح الباب ما تنظر وما ترى إلى من داخل البيت، هكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث. كان إذا أتى بابا يريد أن يستأذن لم يستقبله، يعني يقف أمامه لم يستقبله، قال: جاء يمينا وشمالا، يعني إما عن يمينه وإما عن شماله، فإن أذن له وإلا صرف، تستأذن وأنت على أحد طرفي الباب، فإذا أذن لك فالحمد لله، وإن لم يأذن لك انصرفت. قال: باب إذا استأذن فقال: حتى أخرج، أين يقعد. قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، أنه سمع وهب بن عبد الله المعافري يقول: حدثني عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، وهو الكندي، مختلف في صحبته، وأثبت صحبته البخاري وأبو حاتم، أقصد صحبة أبيه، يعني معاوية هذا ابن عبد الرحمن، عن أبيه، ومعاوية بن حديج أثبت له الصحبة البخاري وأبو حاتم، وأنكر الإمام أحمد صحبته. قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحافظ ابن حجر ذكر في التهذيب أنه سمع من النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فاستأذنت عليه، فقالوا لي: مكانك حتى يخرج إليك. فقعدت قريبا من بابه، قال: فخرج إلي فدعى بماء فتوضأ ثم مسح على خفيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أمن البول هذا؟ قال: من البول أو من غيره. والأثر حسنه العلامة الألباني رحمه الله. هذا الأثر استدل به الإمام البخاري رحمه الله، وبوب عليه بقوله: باب إذا استأذن فقال: حتى أخرج، المستأذن الذي هو قائم على الباب، فذكر هذا الأثر أن معاوية بن حديج استأذن على عمر، فقال له: مكانك حتى يخرج إليك، يعني سيأتيك. قال: فقعدت قريبا من بابه، يجلس قريبا من الباب، ليس تجاه الباب، لكن كما مر على أحد الجانبين، إما عن يمينه وإما عن شماله، ينتظر صاحب البيت. إذا قيل له مثلا: ادخل عليك فلان، قلت: لا، سأتيك، سأخرج إليك، ما تبقى جالس أمام الباب، لا تذهب إلى ناحية البيت أو ناحية الباب عن يمين أو عن الشمال، هكذا فعل رحمه الله. فخرج إليه عمر، فدعى بماء فتوضأ ثم مسح على خفيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أمن البول هذا؟ قال: من البول أو من غيره. ويريد من البول أو من غيره، أي من نواقض الوضوء، من البول، من الغائط، من الريح، من النوم ونحوها من نواقض الوضوء، إذا انتقض وضوءك وأنت لابس الخفين، فلك أن تتوضأ وتمسح على خفيك. وليس معنى قوله: أو من غيره، أي مما يوجب غسل القدمين، فالجنابة مثلا توجب غسل القدمين ويجب نزع الخفين، لكن مراده من البول أو من غيره مما يوجب الوضوء، كما دلت على ذلك السنة، من غائط أو بول أو نوم.